خروج ذيل ديناصور

، بقلم فؤاد وجاني

ذيل ديناصور من العصر الجوراسي بكل فقراته وعظامه الدقيقة ، بطوله وعرضه، وحجمه الضخم، يخرج من المغرب ويُباع بالمكسيك بعشرات الآلاف من الدولارات.

وكيف حصل عليه المكسيكيون؟ ومن أخرجه من دولة لا تخرج منها ولا تعرج إليها ذبابة طنانة دون علم المخزن؟ تزززززز، وليس طننن كما عند الغربيين، ربما لأن الذباب عندنا متخم برائحة النعناع أو الحشيش الرديء الذي يدخنه الفقراء المزاليط، ومُزيّت ببخار الديزل أو المازوط القاتل والمفضل عند العامة من الطبقة الوسطى لأنه أرخص من الغازولين.

خرج ذيل الديناصور من دولة كثيرون فيها البرﯖاﯖة، والبرﯖاﯖة مصطلح لا تحويه سوى اللغة الدارجة، ولا توجد له تعابير مطابقة في كل اللغات العالمية القديمة والحديثة والمنقرضة. البرﯖاﯖة ينتشرون في كل مكان، حتى الرضيع عندنا يتعلم منذ شهوره أن يلف رأسه ذات اليمين والشمال ونحو الخلف، ويُدوّر عينيه كآلتيْ فحص حادة، بل إن الجنين المغربي دون بقية الأجنة يتفاعل مع آلة الفحص بالموجات فوق الصوتية ويكاد يخرق بطن أمه ليعلم ما يجري حوله، ومن تلك الطبيبة اللعينة أو الطبيب الملعون الذي جاء ليكدر صفوه وعومه في السائل الأمنيوسي قبل خروجه إلى وطن يحيط به المحيط الأطلسي.

البرﯖاﯖة في كل مكان، تحت الأرض، وفوق الأرض، وعلى الشرفات، وحيث لا يظهرون. يبيعون السجائر بالتقسيط، ويتسولون، ويعملون في الوزارات والمصانع والأبناك، ويحرسون السيارات والعمارات، ويقفون في رأس الدرب. الكل برﯖاﯖ، أكثرهم حبا في الفضول، وبعضهم قد يزاولونها مهنة تدر عليهم المال.
حتى العميان عندنا، يعرفون متى دخلتَ وخرجتَ من بيتك، وماذا تناولت في الغذاء الْيَوْم، ويسيرون في الطرقات لكيلومترات عديدة كي يجلسوا بمقهى المدينة القديمة، وينظروا إلى المارة، ويشتموا رائحة الخبز الصاعدة من المخابز وروائح النساء . وبين الفينة والأخرى، يركلون قطة متسكعة تتمسح بأرجلهم لأن القطط وحدها تدرك أن العميان يبصرون كل شيء.

ومع كل هذا خرج ذيل ديناصور بفخامته وجلالة قدره وسلطانه من المغرب وبيع بالمكسيك بالمزاد ليصلحوا به بعض المدارس هناك، بينما بقي تلاميذنا في طاولات مهترئة لا تصلح حتى للحرق في تلك المخابز التي يجلس بجانبها العميان.

التبرﯖيك عندنا مدرسة، فالنساء يذهبن للحمام ويجلسن هناك ساعات طوال، يتحدثن إلى قريناتهن في الحي حول أخبار تلك وذلك، ويستقصين عن "الشادة" و"الفادة"، وبناتُهنّ الصغيرات يُلقين الأسماع ويصغين لنميمتهن، ولو دون فهم وإدراك. ولا يخرجن إلا بعد فرك جلداتهن وتحصيل أخبار سكان المدينة، وحتى الدريهمات التي دفعنها تكون قد تصببت خجلا لِقلتها مقابل ما جَنيْنَه من فوائدَ وما حملن معهن في صراتهن من ثروة معلومات.

ورغم كل هذا خرج ذيل الديناصور ، ولاشك أنه قطع الجبال والهضاب والتلال، ومر بالوديان، واجتاز نقاط التفتيش التابعة للدرك والشرطة المنتشرة عبر البلاد كالجراد الطاحن أيام القحط، والفرق أن الجراد لا يسعى نحو الرشوة والثراء الفاحش، ولا تدفع أجوره دولة كي يطحن اليابس والأخضر، ومر ذيل الديناصور عبر الميناء أو المطار الذي لا تعبره نملة من نمل سليمان أو بعوضة من عهد نوح دون تأشيرة وجواز وبحث وتَقصّ ومساءلة عما تحمل من زاد .

دواء التبرﯖيك عندنا هو إثارة موضوع عن الجن والشياطين، فنحن أمة تخاف ولا تحشم، تؤمن ب"القوادس" والحفر والظلام والبخور الذي يطرد الأرواح الشريرة، وتُسلم بوجود سحور الجذب والتنفير، وتُعلق التمائم والأحراز، وتتشاءم عند مرأى البومة ، وتزور الأولياء ولو كان المدفون تحت قبة الضريح كلبا منذ قرون، وعندنا البائرات يقطعن مئات الكيلومترات ليلجن تحت بطن فرسة لعلهن في عامهن ذاك يتزوجن، وعندنا العاقر تزور سيدي ميمون، وعندنا نساء الجنرالات الصغيرات يذهبن عند الشوافة كي تقرأ لهن الطالع وأسرار وراثة الثروة التي سرقها سعادة الجنرال من الشعب حتى لا يسيطر عليها الأولاد الكبار من الزوجة الأولى. وعندنا الشيخ الذي تباهى بأنه صلى بالملك، لكنه تزوج بفتاة في عمر بناته بحجة إخراج جن كان يسكنها، فخرج عليه الجني، وأخرجه من نعيمه وغدق الديناصورات الكبار عليه.

وذات ليلة قرر صديق لي أن ندخل مغارة بجوار البحر، وكان لا يصلي ويشرب الخمر وبالكاد يصوم، وبدأنا المسير بالغار الطويل مسلحين بمصابيح كاشفة ، وشرعتُ أسرد له قصصا عن عيشة البحرية، فانتفش شعره، وازرق وجهه كجاهلي بُشر بمولودة، وجحظت عيناه كمن أصابه مس، وبدأ يتعوذ من الشيطان الرجيم، ويذكر الله، ويتفل ذات اليمين واليسار كما لو كان زاهدا متصوفا عابدا منذ زمن بعيد، وركب الريح برجليه نحو حافة الطريق، ناكرا الصداقة والشجاعة. هرب صديقي، فكيف يهرب ذيل الديناصور.

وعندنا الناس في البادية يرتدون جلد الماعز تخليدا لموسم بوجلود. وهم هناك أبصر من زرقاء اليمامة، حتى أن الواحد منهم يكون جالسا داخل "دواره" ويرى ما وراء الحائط، ويخبرك أثر من ذاك الذي مر ، ولو كانت قدما غريبة حدد لك جنس صاحبها وطوله وعرضه وإن كان حاملا متاعا أم لا. ورغم ذلك خرج ذيل ديناصور من المغرب.

وعندنا المقدم وخليفة المقدم والشيخ والقائد ورئيس الجماعة، لا شغل لهم ولا شاغل سوى "الحضية"، وهو مصطلح أكبر من التبركيك، ويعني التصاق عيون الرائي بالمرئي، فلا يتركانه حتى يتوارى خلف حاجز أو يدخل جحره أو القبر. هذا الصنف يتقاضى أجرا عظيما عند المخزن مقابل عمله هذا، وبواسطتهم استطاعت بلادنا محاربة الإرهاب والفقراء والمعطلين وتفكيك الاحتجاجات واعتقال المناضلين والمنادين بالحقوق في الضيعة الكبرى. ورغم ذلك خرج ذيل الديناصور.

وفوقهم تجد الاستخبارات التي تنصت على المكالمات الهاتفية دون إذن قضائي ولا هم يعدلون، وتعرف كم تنفس الشعب وزفر، وتقتحم البيوت كالخفافيش آناء الليل لتختطف المطالبين بالمدرسة والطريق والمستشفى، ورغم ذلك هرب من تحتها ذيل ديناصور.

الأموال المهربة عندنا أكبر من حجم ذلك الذيل الديناصوري، منها ما هُرب إلى باناما وجزر الملاذات الضريبية في كايمان وفلوريدا وسويسرا وأفريقيا، وهي والحمد لله منتشرة في كل بقاع الدنيا إلا بين المغاربة الذين يبيتون في العراء، ويموتون دون ولوج المستشفيات، ويقطعون البحر طلبا للشهادة أو الوصول إلى شواطئ أوروبا الكافرة ، ويشيخ المعطلون الحاملون للشهادات بينهم دون أن يملك ثمن حلاقة، وتبيع بضع فتياتهن ذيولهن في الإمارات والبحرين والسعودية ومراكش وأكادير بأسعار أرخص من أخواتهن في الإنسانية في تايلاند، وتحت راية إمارة الإيمان.

خرج ذيل الديناصور، وأنا حزين جدا لخروجه رغم أنه أفاد إخواننا الفقراء في بلاد المحاربين الأزطيك لأجل العيش. فلو بيع في باريس أو لندن أو نيويورك لكنت حتما أشد حزنا.

رجاء أعيدوا لنا ذيل الديناصور، ذلك الذي يشبهنا ميتا في الانقراض ونحن شبه أحياء، بعد أن نهبت الديناصورات المخزنية والملكية كل الوطن، ولم يبق لنا سوى التاريخ.


فؤاد وجاني

شاعر مغربي يقيم في الولايات المتحدة

من نفس المؤلف