عندما كانت مصر جميلة

، بقلم محمد زكريا توفيق

ذهبت إلى مدينة القاهرة مع رحلة المدرسة في بداية عام 1952م، بعد حريق القاهرة مباشرة. كان أحد المدرسين المرافق للرحة يشير بيده من نافذة الأوتوبيس إلى بعض المحلات والأماكن التي لا تزال آثار الحريق بادية على واجهاتها. أذكر منها سينما مترو بشارع سليمان (طلعت حرب حاليا).

لم نكن نفهم في السياسة أو نعرف وقتها سبب حريق القاهرة. الحريق كان يوم 26 يناير 1952م. خلال ساعات معدودة، التهم الحريق 700 مكانا في شوارع وميادين وسط المدينة.

محلات تجارية مثل شيكوريل وعمر أفندي وصالون فيردي. فنادق مثل شبرد ومتروبوليتان وفيكتوريا. دور عرض مثل سينما مترو وراديو وريفولي وديانا وميامي.

معارض للسيارت ومقاهي ومطاعم مثل جروبي والأمريكين. نوادي اجتماعية،... إلخ. 26 قتيل و 552 جريح. جريمة بشعة، وخسارة فادحة لمدينة رائعة مثل القاهرة.

أصابع الاتهام كانت موجهة إلى الملك فاروق، ربما بسبب رغبته في إسقاط وزارة النحاس. كان الاتهام أيضا موجها إلى الإنجليز، بهدف إعادة احتلال القاهرة، بعد أن ألغت وزارة الوفد معاهدة 1936م، قبل الحريق بعامين.

أيضا، الإخوان المسلمون والشيوعيون، لم يسلموا من الاتهام بحرق القاهرة. حريق القاهرة كان هو أحد الأسباب التي عجلت بحركة 23 يوليو 1952م المباركة.

ذهبنا بالأوتوبيس إلى حلوان لقضاء يوم كامل هناك. حلوان في ذلك الوقت، كانت ضاحية من ضواحي القاهرة الراقية على ضفاف النيل.

كان يعمل بمدرستنا في مدينة فاقوس، محافظة الشرقية، مدرس تربية رياضية، تم نقله حديثا إلى حلوان. لذلك ظل سائق الأوتوبيس الذي يقلنا يسير في شوارع حلوان باحثا عن المدرسة التي نقل إليها المدرس لزيارته. وكانت هذه فرصتنا لمشاهدة حي حلوان كله تقريبا.

لفت انتباهي جمال الفيلات والقصور التي تطل من أسوارها الحديدية زهور "الجهنميات" والفل والياسمين وأوراق الشجر. كان حي حلوان يبهر الألباب بنظافة شوارعه المزينة بالأشجار ذات السيقان البيضاء والزهور المعلقة بأعمدة الإنارة.

قمنا بزيارة متحف الشمع والعين الكبريتية والحديقة اليابانية. قضينا وقتا ممتعا لم يعكر صفوه سوى اكتشاف مدرسي الرحلة اختفاء تلميذين وقت العودة.

أصيب مدرسنا القاضي أفندي وزميله بالهلع والرعب. ظلا يجريان هنا وهناك للبحث عن الطالبين المفقودين دون جدوى. وكأن الأرض بلعتهم، كما نقول بالعامية. عندما أعيتهما الحيل، ذهبا، وهم في حالة يرثى لها، للبلاغ في قسم الشرطة.

عند العودة إلى اللوكاندة، كانت المفاجأة: وجود التلميذين في انتظارنا. ماذا حدث، هو أنهما مرا بحالة خرمان مزاجية مفاجئة، فانتحيا مكانا قصيا لشرب سيجارتين هوليود خلسة.

ثلاثة سجاير هوليود فرط كانت تباع في ذلك الوقت بقرش صاغ واحد. عندما عاد التلميذان، لم يجدا أوتوبيس الرحلة، الذي تحرك قبل أن ينتبه لغيابهما أحد.

لذلك، قررا العودة وحدهما إلى اللوكاندة في القاهرة، ولا ندري كيف نجحا في ذلك. النتيجة طبعا علقة ساخنة، تخللها الضرب بالشلاليل ولعن سلسفين الجدود. مسؤولية ضياع تلميذين مسؤولية كبيرة بدون شك، تذكرنا بفيلم نور الشريف "آخر الرجال المحترمين".

حلوان كانت في الأصل مدينة فرعونية، بها سد مائي بمنطقة وادي حوف. يرجع تاريخه إلى ما قبل عصر الأسرات. أعاد بناءها عبد العزيز بن مروان والي مصر في العصر الأموي.

يقول المقريزي، إن الطاعون وقع بمصر، فخرج منها عبد العزيز ونزل بحلوان. أعجبته فسكنها وعمرها أحسن عمارة، وغرس نخيلها وكرومها. ولم تزل العمارات تزداد مدة إقامته بها، التي دامت خمسة عشر عاما.

في عام 1849م، أرسلت الحكومة، في عهد عباس الأول، بعض الجنود للاستشفاء بالمياه الكبريتية بحلوان. كان لنجاح التجربة، أثر عظيم في لفت الأنظار إلى عيون حلوان الكبريتية. من ثم بدأ الأوربيون والمصريون يتوافدون على المياه الكبريتية.

في عام 1868م، أمر الخديوي اسماعيل ببناء حمام في موقع العيون الكبريتية. أثناء وضع الأساس، تم اكتشاف آثار حوض قديم يجمع أربعة عيون، يُعتقد أنه الحمام الذي ذكره المقريزي في خططه.

في عام 1871م، تم افتتاح الحمام الجديد للاستفادة من المياه الكبريتية. سرعان ما تدفق الزوار المصريون والأجانب على العين بأعداد فاقت كل التوقعات. زادت شهرة حلوان بسبب تحسن صحة زوجة الخديوي اسماعيل عند علاجها بالمياه الكبريتية. مما دعا الخديوي إلى تحويل المنطقة إلى منتجع صحي سياحي.

في عهد الخديوي توفيق، اهتم بصفة خاصة بحلوان. بنى قصرا هناك، وبنيت معظم عمائر حلوان في عصره. من الشخصيات العالمية التي كانت تتردد على حلوان: الأمير ليو بولد الوصي على عرش بافاريا، وملكة النمسا والمجر، وملكة السويد، وأمير ويلز، واللورد كرومر حاكم مصر الفعلي أيام الاستعمار البريطاني.

في عام 1917م، أنشأ ذو الفقار باشا في حلوان الحديقة اليابانية. في عام 1934م، تم نقل متحف الشمع من القاهرة إليها. في عام 1939م، انفجرت بها عين أخرى طبيعية.

الحديقة اليابانية كانت تمتاز عن باقي الحدائق المصرية باحتوائها على مجموعة من تماثيل بوذا الشهيرة. من الأساطير المضحكة التي يطلقها أطفال حلوان على هذه التماثيل، هو أنها تمثل "على بابا والأربعين حرامي". جاءوا لسرقة مستشفى حلوان واختبأوا في الجنينة اليابانية. فسخطهم الله في صورة تماثيل. حتى يكونوا عبرة لأمثالهم من الحرامية.

الحديقة اليابانية كانت لها شهرة عالمية بسبب إقامتها على الطراز الياباني. لكن الحديقة عانت، كباقي حدائق مصر التاريخية، من التجاهل والإهمال، حتى وصلت إلى حالة يرثى لها. مما دعا حكومة اليابان إلى التدخل وعرض تجديد الحديقة على نفقتها في بداية التسعينات.

بعد الحركة المباركة، تحولت حلوان إلى مدينة صناعية. تم هدم الكثير من شواهدها وقصورها الخالدة. بعد أن كانت مدينة الرقي والجمال، ابتذلت وأضحت مدينة التلوث والعشوائية والتيبس الصدري، بسبب مصانع الأسمنت والحديد والصلب والمصانع الحربية ومصنع النصر للسيارات.

بذلك أصبحت حلوان أكبر مناطق التلوث في العالم بدون منافس. ما الضرر في بناء المصانع في الصحراء، بعيدا عن المنتجعات السياحية والكنوز التي ليس لها مثيل في العالم؟ لماذا لا تكون المصانع بعيدة عن المدن الآهلة بالسكان وفي عكس اتجاه هبوب الريح؟ عاوزين فهامة صلاح جاهين تفهمنا السبب.

في اليوم التالي، ذهبنا إلى ميدان الجيزة لكي نركب الترام الذي يسير بطول شارع الهرم حتى الأهرامات. ما أتذكره من شارع الهرم في ذلك الوقت، هو خلوه من السيارات والمارة. أشجار وزهور على الجانبين وأراضي زراعية. لا كباريهات ولا عربات ولا ازدحام مروري أو اختناق.

كل ما رأيته في هذه الرحلة جديد ومبهر. لا تستطيع أن تستوعبه عقولنا المتواضعة. نحن تلاميذ الأرياف والمدن الصغيرة، قد أصابتنا القاهرة بجمالها وجلالها بالصدمة الحضارية. منظر الأهرامات من بعيد، والأصابع تشير إليها لا يمكن أن ينسى.

لحسن الحظ كان معنا مدرس تاريخ. لشرح ما يستغلق علينا من فهم. الهرم الأكبر طوله كذا وارتفاعه كذا وبه كم حجر وتم بناؤه في كام سنة. القاضي أفندي شغال وأنا عمال أبحلق في هذا البناء الجبار الذي لا يشبهه شيئا رأيته من قبل.

قاطع أحد التلاميذ المدرس قائلا: "قدماء المصريين دول راحوا فين يا أفندي؟ انسخطوا؟". أجاب القاضي أفندي بعصبية: "إلهي ربنا يسخطك ويسخط الحمير اللي زيك. دول يا غبي جدودنا العظام". فأجاب التلميذ ببراءة: "أمال راحوا فين؟"

ليس هذا سؤال ساذج من صبي صغير. لكنه سؤال أسأله لنفسي مرارا وتكرارا. هم راحوا فين؟ هل نحن حقا أحفاد هؤلاء الناس؟ وهل العمال والمهندسون الذين قاموا ببناء الأهرامات، يمتُّون إلينا بصلة القرابة ولو من بعيد؟ هل المرأة المصرية بحليها وزينتها وعطرها وملابسها وآلاتها الموسيقية، تمت إلى المرأة المصرية الحالية المنقبة، التي تشبه أكياس الدهن السوداء، بصلة قرابة من أي نوع؟

ما هي علاقة الهرم بالشمس؟ عندما تشرق الشمس في الأفق، تبدأ أشعتها الذهبية في تسلق وجه الهرم الشرقي، كأنها تصعد الدرج إلى السماء. عندما تبدأ في الغروب، ترى شعاعها القرمزي يهبط الوجه الغربي للهرم إلى أن يختفي رع في الأفق البعيد.

كيف وضعت هذه الأحجار مع بعضها بحيث لا يضغط ثقلها الرهيب على الغرف والنوافذ والممرات الموجودة داخل الهرم؟ كيف تتخيل ستة وربع مليون طن من الحجارة صنعت بمهارة الجواهرجي؟

نظرة إلى تمثال خفرع الموجود في دار الآثار المصرية بالقاهرة والذي لا يضاهيه شيء، أو إلى تمثال منقرع وزوجته الموجود بمتحف بوسطن بالولايات المتحدة، توضح كيف كان الفنان والصانع في المملكة القديمة.

إذا كانت دقة بناء الهرم تعتبر معجزة، فما بالك بعظمة الإدارة التي استخدمت لتشغيل هذا الجيش الغفير من العاملين في مشروع واحد، لكي تجعلهم يعملون في توافق وتجانس تامين دون تخبط أو تعارض في القرارات والأوامر.

القدرة على العمل الجماعي كانت من سمات أجدادنا قدماء المصريين. هي سمة تظهر لحسن الحظ من حين لآخر. ظهرت عندما حفرنا قناة السويس، وعندما بنينا السد العالي، وعندما عبرنا إلى سيناء في حرب 1973م.

ظهرت هذه الروح في ثورة 25 يناير، قبل أن يسرقها الخونة النصابون، وستظهر عندما نبني بلادنا من جديد على أسس صحيحة في القريب العاجل، بعد أن نستردها من المخادعين وتجار الوطنية والدين.

في بداية ولاية الخديوي اسماعيل، قام الخديوي بزيارة باريس. أعجب إعجابا بالغا بالحضارة والعمران الباريسي. من ثم، عاد إلى مصر عاقدا العزم والنية على أن يجعل من القاهرة باريس أخرى على النيل.

طبعا القدر يلعب دورا هاما في حياة الشعوب. في هذه الأثناء، كانت الحرب الأهلية على أشدها في الولايات المتحدة، بسبب قضية تحرير العبيد. بالتالي كانت هناك أزمة في إنتاج القطن العالمي نظرا لغياب القطن الأمريكي.

اتجهت الأنظار إلى القطن المصري وغلا سعره. زادت صادرات القطن المصري إلى السوق العالمية من 16 مليون دولار عام 1862م إلى 56 مليون دولار عام 1864م. القطن كان بالنسبة لمصر في ذلك الوقت، مثل بترول دول الخليج بعد حرب 1973م.

مما جعل حجم الأرباح التي توقعتها مصر مبالغاً فيه. في غضون هذه النشوة، كان حلم اسماعيل باشا هو تغيير مصر وتحويلها إلى بلد أوروبي، وبناء امبراطورية قوية تمتد جذورها إلى عمق أفريقيا. كان هذا الحلم يفوق الواقع، وخصوصا مع تربص قوتين عظمتين يراقبان مصر ويقفان لها بالمرصاد، هما انجلترا وفرنسا.

الفلوس موجودة، والنية معقودة، والأيدي العاملة رخيصة ومتوافرة، والخديوي كان يقول: "هوايتي الطوب والمونة". فماذا ينقصنا الآن؟ الذي ينقصنا هو الخبرة. فلنستورد الخبرة اللازمة. لذلك تطلعت الأنظار إلى خبرة المهندسين الإيطاليين والفرنسيين في تخطيط المدن والمعمار.

اقترض اسماعيل باشا كثيراً، حتى يسرع في عملية البناء، وتحويل مصر من دولة متخلفة إلى مصاف الدول الأوروبية، جمالا وروعة، في أقصر وقت. على أمل أن الدخل من حصيلة القطن وقناة السويس مستقبلا، كفيلان بسداد تلك الديون.

بدأ حركة البناء على قدم وساق، مما جعل الخديوي اسماعيل عام 1879م، يقول: "إن بلدي لم تعد في أفريقيا، نحن الآن أصبحنا جزءاً من أوروبا.

لذلك، أسس الخديوي اسماعيل مدرسة الري والمهندسخانة في العباسية، التي أصبحت فيما بعد كلية الهندسة بجامعة القاهرة. وأسس أيضا مدرسة الفنون والحرف ببولاق، التي صارت نواة لكلية الهندسة جامعة عين شمس فيما بعد.

ميدان العتبة وكذلك باقي منطقة وسط البلد، كانت أرضا بلقعا وبركا ومستنقعات حتى نهر النيل. تغمرها مياه الفيضان معظم الوقت. يرجع الفضل في تعمير منطقة وسط البلد للخديوي اسماعيل ووزيرة علي باشا مبارك.

قام الخديوي بتجفيف أكثر من نصف مليون فدان من المستنقعات، وتحويلها إلى أراضي زراعية وسكنية. وأنشأ كورنيش النيل، وعمل مجرى للسيول، حتى لا تتعرض القاهرة للفيضان سنوياً.

قام علي باشا مبارك بتعيين الأوروبيين، وخصوصا الإيطاليين منهم، في وزارة الأشغال وفي المشاريع الخاصة بالبناء وتخطيط القاهرة الجديدة، وبناء قصور الخديوي والفيلات الخاصة.

بعض الأسماء التي لمعت هي: فرانسيسكو باتيجيللي، كارلو برامبوليني، برتو أفوسكاني، كارلو فيرجيليو سيفاجني، لوجي جافاس، أوجستو سيساري، وجوزيب جاروزو، الذي قام ببناء متحف الآثار المصري، وقصر عابدين، وفندق شبرد، ومبنى المطافي في ميدان العتبه الخضراء.

معظم المباني التي بناها الإيطاليون كانت على غرار مباني عصر النهضة في إيطاليا. حيث الأعمدة "التوسكان" والدعامات "الأيونية" والشبابيك والأبواب المزينة بالتماثيل.

أما المهندسون الفرنسيون، فكانوا مشهورين بالطراز "الباروكي" الفرنسي، الذي ظهر في بعض مباني القاهرة وحي جاردن سيتي والظاهر. حيث البلكونات الرقيقة، وشغل الحديد و"الفرجيه" في الأبواب والشبابيك ومداخل الرخام والمشايات.

قام "باريليه ديشامبز" المهندس الفرنسي مع "ديلشيفاليريه"، بتصميم حديقة الأزبكية على نمط الحدائق الفرنسية. ونقلت إليها مجموعة أشجار ونباتات نادرة الوجود من كل أنحاء العالم. عملت بها بحيرة صناعية صغيرة بها قوارب للنزهة تعمل بالبدال مثل الدراجات.

أنشئت فوق البحيرة عدة كباري. وبنيت على ضفافها استراحات شرقية لتناول الشاي، ومطاعم لتناول الوجبات الخفيفة واستديو للتصوير الفوتوغرافي، وسرادق على النمط الصيني، ومدرسة للتدريب على رياضة الشيش، ومسرح (مسرح الأزبكية) ومول تجاري.

كان الخديوي يعرض الأراضي الفضاء في منطقة وسط البلد للبيع بثمن بخس بشرط أن تقوم بالبناء في خلال 18 شهر، وأن لا تقل التكلفة عن 30 ألف فرنك للمبنى الواحد.

أمر الخديوي ببناء دار الأوبرا الخديوية في الأزبكية عام 1868م، على نمط دار أوبرا "لاسكالا" في ميلانو. بناها الإيطالي "بيترو أفوسكاني" في خمسة شهور. لكي تعرض فيها أوبرا عايدة لفيردي، والتي كتبها مدير المتحف المصري جان فرانسوا شامبليون.

لكن الأوبرا لم تكن مكتملة عند افتتاح قناة السويس، بسبب تأخر المركب التي شحنت عليها الملابس والديكورات. لذلك عرضت بدلا منها الأوبرا الإيطالية "ريوجوليتو" وهي أيضا لفيردي.

تم أيضا بناء كوبري قصر النيل في عصر الخديوي اسماعيل عام 1871م. وهو أقدم الكباري التي انشئت في القاهرة. يقع بالقرب من ميدان التحرير، ويتميز بتماثيل الأسود الأربعة، القابعة عند مدخلي الكبري. قامت ببنائه شركة فرنسية. وتم إعادة بنائه عام 1932م في عهد الملك فؤاد.

حديقة الحيوان بالجيزة، أمر بإنشائها الخديوي اسماعيل. تم افتتاحها عام 1891م في عهد الخديوي توفيق. كانت توجد بها زهور ونباتات وأشجار مستوردة. بها قرابة ستة آلاف حيوان، تمثل 175 نوعا مختلفا. بينها أنواع نادرة من التماسيح والأبقار الوحشية. كانت تقع على مساحة 80 فدان.

كانت توجد بها جداول مائية وكهوف بشلالات وجسور خشبية. وبحيرات للطيور المعروضة. وكان بها أيضا مجموعة نادرة من الطيور والزواحف ومتحف للحيوانات والطيور والفراشات المحنطة.

سرعان ما أصبحت القاهرة مدينة لا تضاهيها مدينة أخرى. لا في الشرق ولا في الغرب، لا يوجد مثلها في أوروبا ولا في أمريكا.

كان على باشا مبارك يشرف بنفسه على تصميم شوارعها وميادينها، وكان مصرا على أن تكون شوارع وميادين القاهرة أفضل من شوارع وميادين مدينة باريس.

أحد قصور الخديوي اسماعيل، الذي خصص سابقا للزوار الكبار وملوك ورؤساء الدول الأجنبية، أصبح فندق شبرد فيما بعد. شارع الهرم المزين بالأشجار على الجانبين، كانت به استراحة للخديوي تحولت إلى فندق ميناهوس.

القصر المخصص للملوك وكبار الزوار في افتتاح قناة السويس، الذي كان يقع في أرض الجزيرة، المعروفة حاليا بالزمالك، والذي نزلت به الامبراطورة أوجيني من فرنسا، وولي عهد بروسيا، وغيرهم من الزوار. هذا القصر أصبح الآن فندق ماريوت.

في شارع شبرا، كانت أشجار الأكاسيا والجميز على الجانبين. وكان من أهم شوارع القاهرة. لأن علية القوم حذت حذو الخديوي في بناء الفيلات والقصور الفارهة على الجانبين.

بدأت السياحة تزدهر في مصر بشكل كبير. وكانت السائحة تذهب من الإسكندرية إلى أسوان وحدها، لا يرافقها سوى صبي صغير، تتنقل على ظهر دابة في أمان، دون خوف من اللصوص وقطاع الطريق. ذلك بفضل نظام العمد والخفر الذي كان يطبقه اسماعيل باشا بصرامة.

قبل ظهور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، حظر اسماعيل باشا العبودية وتجارة الرقيق في مصر، وكان يقوم بفتح أماكن كثيرة في أفريقيا لمنع تجارة الرقيق بها.

كان يؤمن بحرية العقيدة الدينية. حث الأغنياء على التبرع للمؤسسات الخيرية، بالنسبة لجميع الأديان والمنظمات الدينية. عين القساوسة الأقباط في عمليات تعليم وتثقيف أفراد الجيش المصري.

أدخل اسماعيل باشا الديمقراطية إلى مصر في 26 نوفمبر 1866، ولأول مرة تم تكوين مجالس القرى المحلية، حتى وصل بها الأمر إلى أن يكون لهذه المجالس تأثير هام على الشئون الحكومية، لاسيما في مجالات ملكية الأراضي والامتيازات الضريبية والإصلاح القضائي.

في عهده، تم حفر قناة السويس. وتم حفر 112 ترعة بطول 8400 ميل. شبكة الخطوط الحديدية، زادت في عهده من 275 إلى 1185 ميل. خطوط التلغراف زادت بمقدار 500 ميل. أقام 430 كبري وقنطرة على النيل وفروعه.

شيد ميناء الإسكندرية وميناء السويس. بنى 15 فنارة لإرشاد السفن. وأقام 64 مصنعا للسكر. في عهده، تم استصلاح مليون وربع مليون فدان من الصحراء. ما بين عامي 1862م و 1879م، ارتفع تصدير الورود المصرية من 4.5 إلى 13.8 مليون جنيه استرليني. بدأ في تحسين مياه الشرب وإنارة الشوارع وإمداد الغاز.

قام بإصلاح الجهاز الإداري والقانوني للدولة. الجمارك والبريد حدث لهما تطوير كبير. كما زادت ميزانية التعليم في عهده، وسمح لأول مرة بإنشاء مدارس للبنات وهي الأولى بالنسبة للإمبراطورية العثمانية كلها. وأنشأ دار العلوم لتخريج المدرسين، وأعاد تنظيم التعليم العام.

في عام 1863م، كان عدد المدارس الأولية 185 مدرسة، زادت في عهد إسماعيل إلى 4685 مدرسة، عام 1875م. مما جعل مراسل التايمز في الإسكندرية يكتب لجريدته بأن مصر تشاهد تقدما حضاريا رهيبا. فهي قد حققت تقدما عظيما منذ حكم محمد علي، يزيد على التقدم الذي حققته دول أخرى في 500 سنة.

وفر التعليم للجنود المصريين وأبنائهم. عين خبراء أجانب لتدريب الضباط عل فنون الحرب الحديثة. أسس جيشا قويا، نجح في ضم دارفور عام 1874 إلى امبراطورية مصر والسودان، وحاول ضم جنوب أفريقيا.

حث الأرستقراطيين في مصر على إرسال أبنائهم للتعلم في أوروبا، وعندما عادوا إلى بلادهم جلبوا معهم الحضارة، وزرعوا البذور التي أثمرت مصر الليبرالية وثورة 1919 وإنهاء الاحتلال البريطاني.

أصر على إلغاء نظام السخرة، في مفاوضاته بشأن الدين المصري، الذي كانت تتبعه شركة قناة السويس في جمع المصريين للعمل في الحفر بدون أجر.

لكن، أين ذهبت هذه الكنوز التاريخية الفنية المعمارية؟ أين ذهب هذا التراث؟ كيف تثنى للفرنسيين الحفاظ على ثروة باريس المعمارية وتحويلها إلى أسطورة، بينما كنوزنا المعمارية بوسط البلد، قمنا بتحويلها إلى عيادات مهملة وورش ودكاكين وبوتيكات قبيحة المنظر.

كيف أضاع حكم الجيش والإهمال والغباء وعدم الوعي وربما الخيانة، أعمالا تاريخية حضارية فنية شديدة الخصوصية والرقي والروعة. كانت في يوم من الأيام آيات للفن والتاريخ والثقافة والحضارة.

ما يقرب من ثلاثمائة قصر وعمارة ومبنى وسط القاهرة، تترك للقذارة والزبالة والحشرات والقوارض والرطوبة. تحول معظمها إلى ورش وعيادات ومحلات حلاقة وقهاوي بلدي. لا تلقى الحد الأدنى من العناية والصيانة اللازمة. ذاكرة تتآكل لبلد يتحلل وينتحر.

حديقة الحيوان التي كانت تصنف من أجمل حدائق الحيوان في العالم، اقتطع جزء كبير من أرضها لبناء كلية الهندسة بكافة مساحاتها ومبانيها ومعاملها. لكي تتقلص مساحتها من 80 فدان إلى 357 ألف متر فقط.

مع استمرار التدمير والتشويه للحديقة، تراجع التقدير العالمي لها، وأصبحت من أسوء حدائق الحيوان في العالم. وهذا وسام يجب أن يعلق على صدور من حكموا مصر من العسكر.

حديقة الأزبكية التي أنشأها المهندسون الفرنسيون، والتي كانت بها 800 شجرة نادرة وكشك للموسيقى الحية، تم اغتصابها واغتيال نضرتها وقتل نباتاتها وردم بركتها وتقليص مساحتها حتى لم يبق منها شيء الآن.

تم تقسيم ميدان الأزبكية إلى أربعة أماكن. تضم حاليا مبنى البنك المركزي الجديد ومحطة بنزين وجراج الجمهورية ومبنيين لوزارة الشئون الاجتماعية والتأمين الصحي.

أما الحديقة نفسها، فقد قسمت وشيد على جزء منها سنترال الأوبرا، واخترقها شارع 26 يوليو فقسمها نصفان. فلم تعد حديقة وميدان الأزبكية كما كانت، وأصبحت ذكرى من هذا الزمن الجميل الذي لن يعود.

حديقة التحرير، هي الأخرى تم تحويلها إلى مواقف أوتوبيسات. حديقة قصر محمد علي بشبرا، التي كانت تبلغ مساحتها 50 فدان، كانت تعتبر من روائع القاهرة ومن أندر حدائقها. أين هي الآن؟ القصر نفسه كان من أندر القصور في العالم.

لكن دوام الحال من المحال، انتهت الحرب الأهلية الأمريكية عام 1865م، وبدأت تضخ كميات كبيرة من القطن الأمريكي في السوق العالمية. فانخفض تبعا لذلك دخل مصر من حصيلة بيع القطن المصري انخفاضا كبيرا. وبدأت متاعب الخديوي اسماعيل الاقتصادية.

ظلت الديون تتراكم، إلى أن اضطر الخديوي في صيف عام 1875م، إلى بيع نصيبه من أسهم شركة القناة. وكان اسماعيل يمتلك 176602 سهما من مجموع الأسهم الذي بلغ 400 ألف سهم. حصيلة بيع أسهم الخديوي كانت 4 مليون جنيه استرليني.

لم تكن مصر وحدها في ضائقة مالية في ذلك الوقت. كانت الامبراطورية العثمانية على وشك الإفلاس. وكانت أيضا إسبانيا والعديد من دول أمريكا اللاتينية، وكانت بريطانيا ترفض التدخل لحماية المستثمرين البريطانيين وأصحاب الأسهم والسندات في هذه الدول. لكن مصر كانت مختلفة. لأنها تقع وسط الطريق إلى مستعمرات بريطانيا في الهند.

مع انهيار سوق الأوراق المالية المصرية، طلب الخديوي النصيحة من بريطانيا. أرسلت بريطانيا بعثة برئاسة "كيف" في ثوب ناصح أمين، ولكن الهدف كان التفاوض على سيطرة بريطانيا على الاقتصاد المصري نظير المساعدة.

كان اسماعيل باشا، لتحقيق مشروعه الحضاري، يقترض أموالا من البنوك والشركات المصرفية الأوروبية بأسعار فائدة مركبة وعالية، الأمر الذي أدى إلى ازدياد التدخل الأوروبي في الشئون المالية لمصر، بالرغم من قيام مصر بدفع الديون وفوائدها في مواعيدها. لكن لم تكن الديون هي السبب الرئيسي للاحتلال البريطاني والوصاية البريطانية –الفرنسية على مصر.

بريطانيا وفرنسا كانتا من الدول الاستعمارية مصاصة الدماء، التي تهدف إلى السيطرة على مقدرات الشعوب الضعيفة. لقد كان هدف بريطانيا هو احتلال مصر سواء كانت مديونة أم لا. هذا يذكرنا بقصة أيسوب. "الذئب والحمل، وتعكير صفو ماء الجدول الصافي من المصب، لا المنبع"

لكن ما قد بناه وأنجزه الخديوي اسماعيل في فترة حكمه القصيرة نسبيا، لا ينكره إلا جاحد أو مكابر. ثم يأتي مسلسل سراي عابدين، على نمط مسلسل حريم السلطان التركي. لكي يصور لنا الرجل في أسوأ وأحط صورة. دون وازع أخلاقي أو وطني أو حتى إنساني. ولكي يضع في أذهان المصريين والعرب المشاهدين، صورة كاذبة سيئة لرجل عظيم، باني مصر الحديثة، هو وجده محمد على باشا الكبير.

فهل من حق صناع الدراما، تشويه التاريخ باسم الفن؟ هذا سؤال يترك للسادة القراء.


محمد زكريا توفيق

كاتب مصري مقيم في نيويورك

من نفس المؤلف