الديموقراطية ونظام نقر الدواجن

، بقلم محمد زكريا توفيق

"السلطة مُفسدة، والسلطة المطلقة فساد مطلق. والرجال العظام غالبا ما يكونون رجالا سيئين". اللورد البريطاني "أكتون"

قصة اللؤلؤة للكاتب الأمريكي الكبير جون شتاينبيك، التي كتبها عام 1947م. هي بإيجاز.

كان يعيش "كينو" الرجل الفقير مع زوجته و ابنه الرضيع في كوخ على شاطئ البحر. كان الرجل سعيدا بأسرته الصغيرة، قانعا برزقه من استخراج اللآلئ، راضيا بحياته طالما يحصل على قوت يومه.

في يوم من الأيام، بينما الطفل يحبو على الرمال، لدغه عقرب سام. سارعت الأم عند سماع صراخ الطفل واكتشافها لما حدث، بمص السم من جسد الطفل بفمها. لكنها لم تكتف بما فعلت، فأسرعت هي وزوجها بأخذ ابنهما للطبيب. لكن الطبيب عند اكتشافه أن الأب كينو فقير دقة وليس لديه المال اللازم للعلاج، أنكر نفسه وتهرب من أداء واجبه.

عاد كينو مسرعا عاقدا العزم على استخراج بعض اللآلئ حتى يمكن إنقاذ حياة الطفل. بعد عدة محاولات للغطس والبحث، وجد لؤلؤة كبيرة لم ير مثلها من قبل. ظن المسكين كينو أن القدر تبسم له، وأن كل مشاكله قد انتهت، لكن تبين له فيما بعد أن هذه اللؤلؤة كانت هي بداية تعاسته الحقيقية.

انتشرت الأخبار في القرية بأن كينو وجد لؤلؤة اللآلئ، التي لا تقدر بثمن لجمالها وندرتها. حاول تجار اللآلئ خداعه وشرائها بثمن بخس. وعندما علم الطبيب بالخبر، هرول إلى الكوخ للكشف على الطفل. فوجده يتماثل للشفاء. لكنه طمعا في الحصول على اللؤلؤة، قام بحقن الطفل بسُم بطيء، حتى يظل الطفل مريضا وبذلك يستمر كينو في حاجة إلى خدمات الطبيب.

لم ينته الأمر عند هذا الحد. فقد حضرت اللصوص لسرقة اللؤلؤة أو لخطفها عنوة. عندما فشلوا في الحصول عليها، قاموا بإطلاق النار على كينو مما أدى إلى قتل الطفل وإشعال النار في الكوخ وإتلاف قاربه.

عندئذ، جن جنون كينو فقام بقتل اللصوص جميعا. وتنتهي القصة، بذهاب كينو وزوجته إلى الشاطئ، لكي يقوم برمي لؤلؤة اللآلئ بكل قوته، لتستقر في أعماق المحيط.

لا أدرى لمذا تذكرت هذه القصة العظيمة عند الحديث عن السلطة ونظم الحكم. وتساءلت هل يمكن أن تدمر السلطة حياة الناس، وتشوه نفوسهم مثلما دمرت اللؤلؤة حياة كينو؟

أوغسطس قيصر روما في آخر عهده، كان قد تملكه الشك فيمن حوله وخصوصا زوجته ليفيا. كان يعتقد أنها سوف تقتله بالسم حينما تحين لها الفرصة.

كان لا يشرب أو يأكل من يديها الطعام قبل أن يتذوقه أحد من الخدم. لا يأكل ثمار الفاكهة إلا ما يختاره ويقطفه من حديقة القصر بنفسه. فقامت زوجته بوضع السم في ثمار التين بالحديقة التي كان يأكل منها أوغسطس، ومن ثم نجحت في قتله. فعلت ذلك لكى يصبح تيبيريس، ابنها من زواج سابق، قيصرا لروما.

فهل كانت نهاية تيبيريس أفضل من نهاية زوج أمه؟ كلا. بعد فترة من حكمه، وبينما كان يرقد تيبيريس في فراش المرض، جاء كاليجولا حفيده بالتبني ووضع الوسادة على وجهه حتى يخمد أنفاسه ويخلفه في الحكم.

ماذا حدث لكاليجولا؟ مزق الحراس جسده بالسكاكين في دهاليز القصر، وقاموا بتنصيب كلوديوس المؤرخ والكاتب وأحد أفراد العائلة. فتأتى زوجة كلوديوس أجريبيا لتقوم بوضع السم له في الطعام لكي يؤول الحكم لابنها نيرون من زواج سابق.

نيرون تقوم الثورة ضده بعد المذابح التي اقترفها، وبعد حرقه لمدينة روما. فنجده يهرب من قصره ويختبئ في كوخ حقير. وعندما شعر بقدوم الجنود نحوه، انتحر ومات كما يموت الطغاة.

الخلفاء الأوائل، عمر وعثمان وعلي، قتلوا لأسباب سياسية. الحسن سمته زوجه عندما وعدها معاوية بالمال والزواج من ابنه يزيد، والحسين قتل وأهل بيته في كربلاء فيما يشبه الاغتيال. والمأمون يقتل أخاه الأمين. إلخ.

وتستمر تراجيديا قنص واختطاف الحكم في العالم الإسلامي، وتتحول الخلافة إلى ملك عضوض، يسلمه كل خليفة أو سلطان إلى ابنه من بعده. ويستمر مسلسل القتل والاغتيالات طلبا للسلطة.

لم نجد خلافة رشيدة سوى مدة 40 سنة من 1300 سنة هي عمر الخلافة الإسلامية. الباقي خلافة ليس فيها رشد أو عدل.

عدد الخلفاء والسلاطين الذين ماتوا ميته طبيعية يكاد يعد على الأصابع. أما الباقي فقد انتهت حياتهم حياة مروعة. منهم من قضى نحبه بالسم أو بالسيف أو بالخنق أو بالجوع أو بالتعذيب أو بالدفن أحياءً أو بالإلقاء في غيابات الجب.

من الخلفاء من سُمِلْت عيناه وألقي به في الحُفَر ليموت كما تموت الكلاب الضالة، ومنهم من سُمِلت عيناه وترك يتسول في شوارع بغداد عاصمة الخلافة. حتى رأينا الأب يقتل ابنه، والابن يقتل أباه وإخوته وأولاد إخوته. كل ذلك من أجل الحكم والقوة والصولجان، من أجل لؤلؤة اللآلئ، السلطة.

آل عثمان، الذين انتهى إليهم أمر المسلمين، كانت من عادتهم قتل آبائهم وخنق إخوتهم أو حبسهم داخل قصورهم حتى يؤمن شرهم وعدم مشاركتهم في السلطة.

السلطان مراد الثالث، له جارية كانت في الأصل أميرة من البندقية اسمها صفية، لها مسجد بمدينة القاهرة في شارع محمد علي. أعتقها السلطان وتزوجها وأنجبت له محمد الثالث.

عندما مات السلطان وقبل أن توارى جثته الثرى، قامت صفية وخدمها بخنق إخوة ابنها محمد الثالث الثمانية عشر واحدا بعد الآخر.

جلبي بن عثمان، قتل أخاه عثمان وأخذ جميع بلاده. مراد بن عثمان، أمر بقتل ابنه صوجي. ابن مراد بن عثمان الذي ترك أربعة أولاد، نجدهم قد تقاتلوا حتى لم يبق منهم إلا واحد ليستبد بالملك.

مراد صاحب برصا، قبض على أخيه أرضن بك وسَمَل عينيه بمسمار محمى وسجنه حتى مات في السجن. محمد الثاني الفاتح (فاتح القسطنطينية)، أمر بقتل أخ له رضيع اسمه أحمد.

سليم الأول، الذي غزا مصر سنة 1517م وقام بصلب سلطانها طومان باي على باب زويلة، نجده قد قتل والده بايزيد الثاني بالسم وخنق إخوته وأولادهم.

ويستمر مسلسل قتل الآباء وخنق الإخوة والأبناء بين السلاطين العثمانيين إلى أن ألغى كمال أتاتورك الخلافة العثمانية عام 1924م.

نظام السلطنة بالنسبة للمماليك في مصر لم يخل من القتل والغدر بأقرب الناس طلبا للسلطة، رغم الأعمال البطولية التي قاموا بها من صد هجمات التتار والصليبيين وبناء المساجد العظيمة والمدارس والمستشفيات وشق الترع، والحفاظ على استقلال مصر قرابة 300 سنة حتى انكسارهم على يد سليم الأول وفقد مصر استقلالها.

شجر الدر تقتل توران شاه ابن زوجها، وتقتل زوجها عز الدين أيبك التركماني. فيقوم ابنه على بالتحريض على قتل شجر الدر بالقباقيب وإلقاء جثتها من خلف أسوار القلعة لكي تلغ فيها الكلاب.

بيبرس البندقاري قام بقتل السلطان قطز وهو في طريق عودته من انتصاره على التتار لكي يستولي على السلطة. ثم يحاول بيبرس قتل أحد الأمراء المماليك بالسم، فيقوم الأمير باستبدال الكأس المسموم بكأس بيبرس دون أن يلاحظه أحد، فيقتل بيبرس نفسه بالسم وهو لا يدري.

يستمر هذا المسلسل المرعب في الصراع على السلطة وانتقالها من سلطان إلى سلطان، بنفس الأسلوب وبنفس الطريقة. فإما أن يُقتل السلطان ويتم الاستيلاء على الحكم بطريقة مباشرة.

وإما يموت السلطان في فراشه تاركا أولاده الصغار. فيقوم الرجل القوي من الحاشية المحيطة بالسلطان المتوفي بالحكم نيابة عن أحد الأبناء القصر الضعفاء، الذين ليست لهم دراية بطرق الحكم ومشاكله.

أول شيء يفعله الوصي الجديد، هو التخلص من رجال الأب بالقتل والتشريد ومصادرة الأموال. بعد ذلك يضع رجاله وموضع ثقته في المناصب الحساسة. ثم يقوم بخنق أولاد السلطان المتوفي وكل عائلاتهم أخذا بالأحوط.

ويستمر قنص السلطة والقتل والخنق والتشريد والمصادرة في الماضي والحاضر. فموت الملك فاروق والمشير عبد الحكيم عامر وحتى جمال عبد الناصر لا يخلو من الشكوك. ثم مأساة مقتل الرئيس السادات وهو في قمة مجده ووسط جنوده.

بالطبع لا يتسع المكان لسرد كل مآسي الصراع على السلطة وكيف تحول الإنسان الوديع المسالم المصلي وعارف ربنا إلى كائن بشع بكل المقاييس. فهي قصة دامية حزينة باكية، وموضوع شرحه يطول ويحتاج إلى عدة مقالات.

إذا وضعت مجموعة من الفراريج في حيز ضيق. فإنها تقوم على الفور بالهجوم على بعضها بالنقر ونتف الريش وفقع الأعين وإسالة الدماء في معركة حامية الوطيس.

يستمر الحال على هذا المنوال حتى يتحدد المركز الاجتماعي المناسب لكل فروج. أو بالبلدي المريح، كل واحد يعرف مقامه ومركزه. أنت عارف بتكلم مين؟

نجد في نهاية المعركة الفروج المفتري صاحب السلطة المطلقة. قد يكون أقرعا أو أعورا، لكنه يستطيع نقر كل الفراريج ولا يستطيع أن يقترب منه فروج آخر.

يليه الفروج الثاني في سلم السلطة، وهو الفروج الذى يمكنه نقر باقي الدجاج فيما عدا الفروج الأول. هكذا إلى أن نصل إلى الفروج المسكين، الذي تقوم كل الدواجن بنقره، دون أن يكون في مقدوره نقر أحد.

المثل الشعبي يقول: " ما يقعد على المدود إلاّ شر البقر" أو “ما يقعد على القور الاّ الفرخ الأعور". العور هنا لا يعني الضعف والعجز، إنما يرمز للقوة والجبروت ودلالة على خوض الحروب الطاحنة في سبيل السلطة، مثل موشى ديان.

هذه المعركة ضرورية لاستقرار الأمن الاجتماعي بين الدواجن، متى عرف كل منهم وضعه المناسب بين الرفاق. الدواجن، يا سادة، لا تعرف الديموقراطية، وليس لديها ميثاق اجتماعي وحقوق دواجن شبيه بحقوق الإنسان.

لكن الإنسان المتحضر، وجد بديلا لنظام نقر الدواجن هذا، وأطلق عليه اسم الديموقراطية. الديموقراطية وإن كانت لها بعض العيوب، إلا أنها أقل ضررا من قتل الآباء وخنق الإخوة والأخوات وبقر البطون وسمل العيون.

لكن في بلادنا، هل يختلف نظام الحكم عندنا كثيرا عن نظام نقر الدواجن؟ وهل نحن إلا ناقر أو منقور. وهل الفرخ المسكين المنقور والذي يُضرب من الجميع يختلف كثيرا عن الشعب المسكين الواقف في طوابير العيش. ومتى نرتقي في سلم التطور إلى شيء أفضل، ونحكم بنظام لا يشبه نقر الدواجن؟

السلطة مثل الوحش الضاري. إذا لم تروض، وإذا لم نخصيها ونضعها في قفص، تدمر الحاكم والمحكوم على السواء. هذا ما يقوله التاريخ.

إننا لا نتعلم من التاريخ ونكرر نفس الخطأ، وننتظر المهدي المنتظر، أو البطل العادل الذي سيرحمنا من الظلم الواقع علينا. لكى ينصف المظلوم وينشر العدل في ربوع البلاد.

هذا لن يحدث، على الأقل في زماننا هذا. لذلك روضت البلاد المتقدمة السلطة وقامت بتفتيتها، وحرمت أي مسئول من وضع كل السلطات في يده مهما كان شأنه وإخلاصه وحجم زبيبة الصلاة في وجهه.

قامت البلاد المتقدمة بفصل السلطات التشريعية والقضائية والتنفيذية. وأكدت سيادة القانون والحريات وحقوق الإنسان. ثم قامت بتفتيت كل سلطة من الداخل.

مثلا، السلطة التشريعية، قامت بتفتيتها إلى أكثر من مجلس نيابي. داخل المجلس النيابي الواحد، اختلف وقت انتخاب الأعضاء، حتى لا يتكتلوا جميعهم ويكونون سلطة قوية.

السلطة القضائية مفتتة أيضا إلى قاض ومحلفين. وأنشئت محكمة دستورية عليا لا سلطان عليها حتى لا يُستخدم الدستور والقانون في استعباد الناس. رئاسة الجمهورية حددت بفترة أو فترتين على الأكثر ولمدد محدودة. هذا كله لتفتيت السلطة وترويضها.

أما نحن، فبعد أن تخلصنا من الحكم الملكي والاستعمار، وبعد ما يزيد على 65 سنة، نصل إلى سلطة مكدسة في يد فرد واحد، وإلى نظام جمهوري بالاسم فقط، لكن ليس له علاقة بالجماهير.

نظام تحول إلى تكية أو أبعديه. وديموقراطية شكلية لا تنتمي إلى الديموقراطيات بصلة. وأحزاب هي في الواقع نوادي سياسية، يرأسها كهول يستميتون في طلب السلطة بكل السبل حتى لو أدى هذا إلى استخدام الأيدي والركل بالأرجل داخل الحزب.

ومجلس نيابي تفصيل ينوب فقط عن السلطة، ولا ينوب أو يمثل الغلابة والمساكين، المنقورين بمناسبة وبدون مناسبة. ورجال دين حاربوا العقل وشغلوا بالجان والشياطين والثعابين القرع، وحفظ الفروج وشرب بول الإبل على الريق، والدعاء لولاة الأمر بالتوفيق.

وجيش ترك مهامه القتالية من تدريب وخلافه، وتفرغ للحكم والمناورات السياسية. وشرطة تكرس كل جهودها لحماية الحاكم بدلا من حماية أرواح الناس وممتلكاتها. ونسيج وطن يكاد يتمزق بسبب ضيق الأفق والغباء والصراع على السلطة وعلى المناصب. وهو صراع ليس له علاقة بالديموقراطية، بل أشبه بعرك الدواجن وم نقر الفراريج.


محمد زكريا توفيق

كاتب مصري مقيم في نيويورك

من نفس المؤلف