نضج النحو حتى احترق

، بقلم باسم جبير

لاقت الدراسات اللغوية او الالسنية كما يفضلها البعض رواجا كبيرا في العقود الاخيرة واصبحت تضاهي العلوم المتقدمة اذ انها جزء لايتجزء منها حيث دخلت في التكنولوجيا وزمن السرعة والمعلوماتية وصار من الامكان التكلم للالات عن طريق حوسبة اللغة وادخال القواعد النحوية والصرفية والصوتية والدلالية بل وحتى المباديء التداولية التي لازالت تراوح في مكانها مستعدة لثورة من نوع ما. وما يثيرالاستغراب هو ان هذه الدراسات وغيرها تقلصت وصار جل اهتمامها على مايتداوله متكلمين اللغة داخل مجتمع معين قد لايستطيع فهمه المجتمع الاخر الذي يجاوره ذلك بسبب المساق الاجتماعي لاستخدام اللغة. وبقدر تعلق الامر بدراسة النحو فقد ضيق الخناق عليها كون قواعد مكونات اللغة تمت دراستها بالكامل ولم يبقى فيها اي مجال او ظاهرة غير مطروقة. فجاء الادعاء ان نحو اللغة لم يعد ذا فائدة من دراسته، يقابله تجاهل للحقيقة التي تقول ان اللغة كائن حي ينشأ ويكبر ويزدهر ويشيب ويموت، غير ان موته يتطلب فترة طويلة جدا وولادة لغات عديدة تنتمي الى تلك اللغة. فهل حقا هناك نحو ينضح ويحترق مادام هناك لغات تنبض؟

رغم وجود ذلك التطور السريع والمتزايد في علم اللغة الا ان الدراسات فيه سرعان ما تهاوت وتراجعت وتضائل البحث في مكونات اللغة الدقيقية او البحتة والمعروفة بالنحو وهي الصوت والصرف وتركيب الجمل والمعنى وصار من يغوص في اسبارها يتهم بالسطحية في علم اللغة ولا يريد سوى اسقاط الفرض البحثي والتعليل ان الدراسات اللغوية التي هي في اسمى مراحل التطور في الغرب ما عادت تهتم بهذه المكونات وعليه يجب ان نقلدهم ونتابع حذو القذة بالقذة كما في المجالات الاخرى. وان فحول علم اللغة في الغرب لم يتمكنو من اظهار او وصف اي قاعدة نحوية جديدة او المجيء باي قاعدة صرفية او صوتية جديدة، متغافلين اللغات ولهجاتها ومايطرأ من تغييرات دائمة عليها. ان هذه التغييرات هي بحد ذاتها ظواهر نحوية جديدة تستحق الدراسة قبل نضوجها وفسادها بلا فائدة او قبل البحث عن تبريرات ومسوغات للحد من ظاهرة قد لايعرفها بعض ممن ينظر لهم على انهم اصحاب الشأن اللغوي.

فلو تاملنا قليلا في تعريفات اللغة التي لازال العلماء يحاولون الولوج داخلها وايجاد تعريف شامل لها لوجدنا ان اللغة هي كائن حي وبلا منازع ولايمكن لها ان تموت دون ان تخلف ورائها كل اللهجات التي تصبح فيما بعد بمثابة لغات كلما زاد التعقيد داخلها وكلما تم استخدام مفردات غير مفهومة بالنسبة للهجات الاخرى وكلما تغيرت السياقات اللغوية والاجتماعية والعرفية. اننا وفي خضم الاحداث هذه يمكننا تقفي التحولات والظواهر النحوية التي تطرأ للغة ولهجاتها قبل ان تتحول اللهجات الى لغات وان مثل الحالات لها حديثها ودارسين علم اللغة الاجتماعي قد تطرقوا كثيرا في ابحاثهم لهذا الصدد وكانت هنالك نتائج ملموسة حينما درسو التغيرات اللغوية الاجتماعية حسب المنهج التارخي والوصفي معا. وبالتالي كل جديد ينتج في نحو اللغة او مكوناتها النحوية كان يتسببه التطور العلمي والتكنولوجي او تطور العادات والتقاليد التي تحتم على اللغة التغيير والتعديل حسبما يتطلب مستخدمو اللغة نفسها. كل هذا قابل للدراسة والبحث من اجل عكس وصف دقيق للظواهر اللغوية التي لاتنفك من ارتباطها بالمجتمع والتقدم التكنولوجي الذان يكسبانها رونقا جديدا.

وللنحوالاهمية الاكبر في دراسة علم اللغة وماهي الدراسات التدوالية والنفسية والحاسوبية وغيرها من دراسة علم اللغة واقترانه بهذه العلوم الا دراسات شابت على الحقائق النحوية من صوت وصرف وتركيب ومعنى. وبالنسبة للتداولية والالفاظ التي تستخدم في مساقات معينة ستظهر عليها اعراض نحوية بتكرار استخدامها حتى يصبح لفظها ومعناها وتركيبها مألوف لدى متكلمين اللغة وبالتالي يصبح جزء لا يتجزء من المكونات اللغوية ومن ثم توصف على انها قاعدة نحوية او صرفية او صوتية. ومن الناحية النفسية فالاعتماد على القواعد اللغوية ومكوناتها هو من يساعد علم النفس على دراسة كيفية اكتساب وتعلم اللغة حيث ان الباحثين في هذا المجال يبنواويطوروا نظرياتهم استنادا الى القواعد النحوية للغة. وكذلك ادخال اللغة في الحاسوب فهو لايتوقف على موجودات القواعد النحوية الموجودة في زمن معين فحسب بل يتعدى ذلك الى مواكبة التطور وحاجة مستخدمين اللغة وعليه يتطلب مزيدا من ادخال القواعد الصوتية والصرفية والدلالية. كل هذه تمثل حيوية واستمرارية اللغة ومنها نحوها.

وما حدانا ان ندرس هذا الجانب من الادعاءات هو ماتردد بين اوساط المثقفين اللغويين عن توقف وعقم الدراسات النحوية اي دراسة المكونات المباشرة لعلم اللغة كونها اشبعت وبانت قيمتها فجاء الدور للنظريات التي تتمثل بتداخل علم اللغة مع العلوم الاخرى. ان هذا الواقع المؤلم نم عن الهوة الكبيرة بين الدراسات اللغوية المتعلقة في المكونات المباشرة للغة ومناهجها التقريرية والوصفية وبين دراسات علم اللغة واقترانه بالعلوم الاخرى ومناهجها التطبيقية التجريبية التي تعد اكثر قبولا من سابقاتها. الا ان ولحسن الحظ لم يؤثر ذلك قيد انملة على تلك المكونات مادام كل ما يدرس من ظواهر لغوية لم يفطم عن التطرق لها بالبداية قبل الشروع بدراسة اي ظاهرة تتعلق بالمكونات الدقيقة او العامة للغة.


باسم جبير

كاتب عراقي

من نفس المؤلف