رُؤيا الْعالَمِ الشِّعْرِي

في ديوان «أنَا لا أريدُ قَصائِدَ مَنْفَى» مصطفى الشاوي

أنا لا أريدُ قَصائِدَ مَنْفى/ وَلَكِنّني/ أشْتَهي بَيْتَ شِعْرٍ لِأسْكُنَ فِيهِ.

خالد شوملي

على سبيل البدء:

ننطلق في البدء من فرضية كون أن أهم الأعمال الفنية التي يصدر فيها أصحابها عن رؤيا العالم تستبطن تصورا فكريا عميقا، وهي خاصية جمالية لا تكتسبها كل الأعمال الأدبية وإنما الراقية منها تحديدا. وأعمال الشاعر الفلسطيني خالد شوملي تمتلك هذه الخاصية لعدة اعتبارات تقترحها من داخلها. سنحاول في هذه المقاربة الكشف عن تجلياتها من خلال ديوانه الموسوم ب (أنا لا أريد قصائد منفى)، رغبة في استجلاء دوائرها التي يمكن أن تستوعب ثلاثة عناصر مركزية تشكل محورية رؤيا العالم الشعري والكوني عند الشاعر: دائرة الذات، دائرة الكون، دائرة الشعر.

يصدر العنوان عن حكم أولي يسعى الشاعر إلى تعديله، بل ورفضه من أساسه، باعتباره حكما قبْليا قد يصنف الشاعر وشعره ضمن شعر المنفى، فيأتي العنوان ليجيب جوابا فاصلا وحاسما عن سؤال مضمر، ويستند هذا الحكم القبلي الذي ينفيه الشاعر إلى اعتبارات خاطئة تحكم على الشعر من خارجه، من ضمن هذه المؤثرات الخارجية كون خالد شوملي شاعرا فلسطينيا، ويعيش في ديار الغربة بعيدا عن بلده ووطنه، مما يعضد احتمال وفرضية تصنيف شعره ودواوينه جميعها، وخاصة ديوانه المقروء ضمن هذا النوع من الشعر. ولا شك في أن النفي في تركيبة العنوان يفيد إثبات شيء آخر مضمر وبذلك يؤسس لأفق شعري مغاير في تجربة الشاعر خالد شوملي، ومخالف لما ألفه القارئ وتعود عليه. فأي نوع من الشعر إذن يراهن عليه الشاعر إذا كان لا يريد بالفعل قصائد منفى؟

ولعل المتأمل في لوحة الغلاف يدرك بالفعل أن اللوحة تتقاطع مع العنوان على عدة مستويات باعتبارها تنفتح على عناصر كونية كبرى تعكس جمال منظر الكون ليلا وتستحضر عناصر تشكيلية تتعالى عما هو مألوف وتترفع عما هو واقعي وتعانق الفضاء بأقماره ونجومه لتضفي خيالا من نوع خاص على اللوحة التي يتوسطها كوكب ينبعث منه نور وهاج يخترق ما يعيقه ويحيط به من سحب وغيوم وظلمة، مما ينم عن التفاعل الحاصل بين النور والظلام، والضياء والظل، يعكسه شكل اللوحة وهندستها وفق منظور تشكيلي يجعل العناصر المختلفة تنسجم وتتناغم في نسق متكامل لتؤدي وظيفة الخلق والإبداع والجمال.

ولا يَحْسِبنَّ القارئ أن نصوص الديوان كلها قصائد منفى كما لا يحسبن خلاف ذلك، خاصة عندما ينفي نفيا كليا هذا المدلول الشعري الذي يحضر بشكل أو بآخر في جل قصائد الديوان. وإذا كان عنوان الديوان هو عنوان إحدى القصائد المركزية المشكلة لمتنه فإن القارئ سيلاحظ أن نصوصه ذات مشارب مختلفة ومتعددة تأبى أن تنخرط في اتجاه محدد سلفا، ويكفي أن نقف عند عناوينها ليتبين أنها لا تتمحور فحسب حول دائرة مهيمنة من الدوائر المقترحة؛ (تَحْليقٌ/ أنَا لا أريدُ قصائِدَ مَنْفَى/ يَضيقُ قَلْبي/ يا شاعِرَ الْحُبِّ/ اَلْفَراشاتُ لا تَبْكي/ ما قَلَّ وَدَلَّ/ بِدايَةُ الْكَوْنِ/ بَيْنَ الْحِجَارَةِ قَلْبي/ جِسْرٌ/ يا زائِرَ الْقَلْبِ/ يا لَيْتَ أنْساهُ/ يا كُلَّ هذا الْحُبِّ/ تَلْميحٌ/ دائِرَةُ الْحُبِّ/ مُمْتَنِعٌ سَهْلُهُ/ دائي دَوائي/ قِراءَةٌ/ عَزْفٌ مُنْفَرِدٌ/ ما حالَ مَوْتٌ/ مَنْ رآها/ اَلْوَرْدُ بِالْوَرْدِ/ دَخَلْتُ قَلْبي/ بَراءَةٌ/ يَحْتاجُ الْعالَمُ إنْسانا مِنْ نَوْعٍ آخَرَ/ أنْشودَةُ اللَّيْلِ/ حَيْرَةُ الْكَلماتِ/ ضَياعٌ/ اَلْبَيْتُ يَبْكي/ وَلا يَجْرَحُ الْمَوتى/ عَدالَةٌ/ انْتِخابٌ/ تونُس/ شاطِئُ الْمَجْدِ/ حُلْمٌ/ إلى صديقٌ/ إلى روحِ شاعِرٍ/ أخي لا تَقُلْ/ أُمّاهُ/ إلَى ابْنَتي).

وإذ نحاول ملامسة بعض مظاهر رؤيا العالم الشعري من خلال ثلاث دوائر، لا ننكر منذ البدء التداخل الحاصل بينها، لأن الحديث عن كل منها منفردا عن الآخر أمر صعب، لذا نعلن منذ البدء بأن الفصل بينها على النحو الذي نهجنه يروم الوصف الإجرائي العام لهذه الدوائر فحسب، وتكمن صعوبة أجرأة الفصل بينها، على اختلافها وتجانسها، في جوهر وحقيقة وطبيعة المتخيل الشعري عند الشاعر خالد شوملي وفي النظام الدلالي الذي يصدر عنه في نصوصه الشعرية، فلا مناص إذن من أن نقارب هذه الدوائر ونحن نقر بتداخلها وتفاعل بعضها مع الآخر سواء مما ذكر أولم يذكر من الدوائر المضمرة.

دائرة الذات/ التفرد:

ومنذ البدء يعلن الشاعر عن موطن رؤياه الشعرية التي تحلم بعالم راق يتجاوز المرئي والمألوف والمحسوس عالم يصبح فيه الإنسان منيرا أكثر من القمر ومضيئا أكثر من الشمس انسجاما مع قوله تعالى﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاء وَالْقَمَرَ نُوراً﴾، وفي دعوة صريحة وضمنية إلى التجدد والتمرد والتعدد لبلوغ عالم المجد، وفي سبيل تحقيق ذلك يرقى الشاعر بالقصيدة إلى مقام طهراني حيث تتحقق كل الأحلام التي ينشدها، إنها دعوة للعودة إلى الجوهر والأصل في الكون والحياة. وينادي الشاعر كل من يبحث عنه قائلا:

يَا بَاحِثاً عَنّي هُناكَ/ أنا هُنا/ فَتِّشْ/ بِقَلْبِكَ كَيْ تَرانِي بِانْتِظارِكَ.

إن الرقي الذي ينشده الشاعر لا يخرج عن عالم الذات وليس بمنأى عنه ذلك أن الذات الشاعرة تشكل عالما يستوعب كل ما هو خارجي ليخضعه إلى عملية انصهار كلي، فالشاعر لا يتصور استحضارات لا تتناغم مع قانون عالمه الشعري المتفرد والمتعدد والمتجدد. لذا فعندما ينادي أو يناجي أطرافا خارجية يتخيل وكأنها تسكنه أو يسكنها لذا يدعوها إلى عالمه الداخلي ليحقق الوصال ويحصل التناغم والانسجام التامين وليبعث فيها الحياة عبر بلسم الشعر في زمن موسوم بالموت.

وفق هذا التصور يسعى الشاعر إلى كتابة نوع خاص من الشعر لا يقلد فيه أحدا ولا يَجْتَرُّ فيه ما كتبه سابقوه، ويراهن على قصيد حالم وكلام ساحر، وعلى شعر يستلزم التأمل لعُمقه ورقيِّه ورِقَّته، شعر يعدل سوء المزاج، ويعيد للحياة صفاءها ويطرح الأسئلة من جديد، لتتوافق مع تصورات الشاعر وأحلامه، لذا يسعى إلى اقتناص كل ما هو جميل في الكون وكل ما هو ساحر في الوجود من خلال الملاحظة الفاحصة لظواهر الحياة المادية والمعنوية، عازما على عدم اجترار الكلام الذي قاله من سبقه من الشعراء من الجاهلية حتى الآن لأنه لا يرقى إلى المقام:

فَلْتَعْذُرينِي/ إذا مَا الْتَزَمْتُ السُّكوتَ/ فَمَا قالَهُ الْآخَرونَ مِنَ الْجاهِلِيَّةِ حَتّى الْحداثَةِ/ لا يَرْتقى بمقامِكِ/ فَالسِّحْرُ في الْحَرْفِ عِنْدَ اجْتِرارِ الْكلامِ يَموت.

إن أفق العالم الشعري عند الشاعر ممتد وواعد ومنير؛ ممتد لأنه يتجاوز حدود الزمان والمكان ويتعالى عن كل القيود ولا يخضع لمنظور أحادي، وواعد لأن سماءه صافية لا تعكرها غيوم، ومنير لأن ليله مشع وأقماره مضيئة. من هذا المنظور يسكن الحب عالم الشاعر ليصبح بمثابة الهواء الذي يتنفسه الإنسان والذي بدونه تنعدم الحياة. وهو مفهوم تجسده كل عناصر الكون وجميع مخلوقاته. ووحده الظلام بكل معانيه الرمزية يعكر صفو مزاج الشاعر والعالم من حوله. ويعكر صفو وصال الشاعر بالآخر بمختلف تجلياته الحسية والمعنوية والرمزية، سواء كان إنسانا من جسد وروح أو قيمة إنسانية راقية أو فكرة يسعى إلى استنباتها في قصيده، وبالمقابل تجسد حالة الاتصال نوعا من التناغم في الكون ويقوم الشعر بهذا الدور الوظيفي الذي يعبر عن اتساع الرؤيا أو الرغبة في فك أسرها:

يَحْتاجُ الْعالَمُ إنْسانًا مِنْ نَوْعٍ آخَرَ/ أوْسَعَ لبّاً/ أكْبَرَ قَلْباً/ أَكْثَرَ حُبّا/ يَحْتاجُ الْعالَمُ إنْسانًا مِنْ نَوْعٍ آخَرَ/ أكْثَرَ عُمْقاً/ أكْثَرَ صِدْقاً/ أكْثَرَ رِفْقاً.

هذا الانسجام في الرؤيا يقابله العمق في التصور الفكري، وهما أمران لا ينفيان انشطار الذات الشاعرة وتأثرها بما تعايشه وتعاينه في الواقع، وتفاعلها تفاعلا إيجابيا مع ما يحدث مما يولد مخاضا داخليا، إلا أنه مخاض تنتصر فيه الذات في الغالب الأعم من النصوص الشعرية انتصارا وجدانيا وروحيا، تعكسه معنويات مرتفعة تعبِّر عنها الذات في سياقات متعددة، حيث تظل راقية متشبثة بالتفاؤل والحلم والأمل، وبكل ما هو مُفيد وفاعل وجاد، وتتشبث وتتعلق بكل ما هو إيجابي، بل إن الذات الشاعرة ترحل بحثا عنه في مختلف مظاهر الكون، إنها رحلة شاقة تعكس توقا إلى اعتناق المليح ونسيان القبيح.

يَا ليت أنسى مُرَّهُ/ حَتّى اسْمَهُ/ يَا لَيْتَ أنْسَى سُمَّهُ!/ هَيْهاتِ أنْسَى عِطْرَهُ/ أوْ شِعْرَهُ!/ يَا لَيْتَ أنْساهُ وَأنْسَى مَنْ أنَا!

تتسع دائرة الحب لتحتضن كل ما هو جميل في الكون، وتنبذ القبح بشتى أشكاله وألوانه، ولكن هذه الدائرة لا تكتمل إلا بالآخر الذي يحضر في بعده الرمزي كمعادل للذات وكامتداد لها لإيمانها المطلق بأن الأنا وحدها لا تشكل العالم ولا تكتمل إلا بالآخر الذي تتحقق في ضوئه الذات تحققا ماديا وروحيا. ولغايات فنية قد يتم تغييب الآخر فيَتَوَلَّدُ عن حالة هجْره اضطرابٌ نفسي يُفقد الذات توازنها في كثير من السياقات الشعرية، ذلك أن الآخر ينعكس في تجليات مختلفة فهو ليس بالضرورة أحد الزوجين الذكر أو الأنثى بقدر ما يأخذ معنى مجردا أو مفهوما يتوق الشاعر إلى تحققه على أرض الواقع ويتشوَّق إلى عناقه في دنيا الواقع ليجسد مفهوم الإنسان كتجلٍّ من تجليات الحياة الراقية وكمظهر من مظاهر الجمال والكمال.

الشوق والحنين إلى الأهل والوطن نبرة حزينة تسكن جل قصائد الديوان وتعكس البعد الإنساني والوطني عند الشاعر وتعلقه ببلده فلسطين وبكل من يحب، سواء الأقرباء أو أولائك الذين أبعدهم الموت عن الأنظار وبقيت أرواحهم حاضرة وذكراهم حية، والشاعر عندما يسري دبيب الشوق بين أوصاله يتخيل وطنه ساكنا قلبه متملكا جوارحه، كيف لا ومفهوم الوطن/ فلسطين عند الشاعر يتسع ليشمل العالم كله ويذوب في عين الشاعر وينصهر في قلبه الذي يسع الكون كله ويتجاوز خرائطه ليهتف بأعلى صوت:

هذي فِلِسْطينُ/ قد فاضَ الفؤادُ لها/ يا قدسُ/ أقْصاكِ مَحْفورٌ على الْجَسَدِ.

وما يدل على اتساع دائرة الذات وانفتاحها على كل مكونات الكون لتشكل مركزية في التصور الشعري الذي تصدر عنه نصوص الديوان احتفاء الشاعر بالأم، باعتبارها جوهر الوجود ومثالا لا نظير له في النبل والصمود والحنان، ورمزا للعطاء والتضحية والكفاح والجهاد والفخر والريادة، وكلها معاني تجعل مدلول الأم يتقاطع مع مدلولات إيحائية كثيرة، فيصبح دالا على الأرض والوطن وفلسطين وعلى الأمة جمعاء؛ فكيف لا تذوب الذات الشاعرة حبا في الأم كما في نص (أمّاهُ)، والأم ليس أم الشاعر فحسب بل الأم بمفهومها المطلق، وهو ما لا يحدث مع غيرها من العناصر الكونية العامة أو الأسرية الخاصة، ومن العناصر الأسرية التي تحضر في المتخيل الشعري عند خالد شوملي الأخ كما في نص (أخي لا تقل) والأبناء كما في نص (إلى ابنتي)، والصديق كما في نص (إلى صديق)، وهكذا تتسع دائرة الذات لتشمل الآخر، وهو في سياق استحضاره لأي مكون من مكونات عالمه الشعري ينظر إليه بمفهومه العام والمطلق، وانسجاما مع هذا التصور يخاطب الشاعر كل الأبناء بمخاطبة ابنته:

سيري إلى آخِرِ الدُّنْيا لِكَيْ تصِلي // وإنْ تَعَثَّرْتِ يَوْما يا ابْنَتي فَقِفِي

دائرة الكون/ التعدد:

في زمن الموت يبحث الشاعر عن مظاهر الحياة وأسرارها وظواهر الكون وتجلياتها عبر الحلم والأمل، وذلك بالاسترفاد من الذاكرة والنبش فيما راكمته، وبالانفتاح على الواقع ومظاهره المادية والمعنوية، وبالرجوع إلى عالم القصيد الذي يتيح للشاعر ما لا يتيحه غيره من حوله:
تَمَهّلْ قَليلاً/ لَعَلّي أبَلْسِمُ بِالْمِلْحِ وَالضَّوْءِ وَالشِّعْرِ بَعْضَ الْجِراحِ/ ألاَ أيُّها الطّيْرُ هَلْ تَتَجَدَّدُ في زَمَنِ الْمَوْتِ أغْنِيّةٌ لِلْحَياةِ/ وتَشْرقُ شَمْسُ الصّباحِ.

تنبني جل قصائد الديوان على ثنائية رمزية تؤثث بناء الرؤيا الفنية، وقد تشكل أطراف الحكاية الشعرية التي يعتمدها الشاعر للتعبير عن نسيج رؤياه، وتحضر قواها الفاعلة والتي على الرغم من واقعية الكثير منها تكتسب بعدا تخييليا يمنها جمالية من نوع خاص، وقد تتضمن قصة حب بين طرفين غير محددين، وتتدخل عدة عوامل لتعكر صفو اكتمالهما وتوحدهما، وينغص عليهما حياتهما، ويغار عليها من الشمس وكأنها امرأة أو حورية قُدَّتْ من خيال الشاعر:
هِيَ امْرَأةٌ كَالْمَلاكِ/ وَحورِيَةٌ مِنْ خَيالٍ/ نُبوءَتُها مِثْلَ حُلْمٍ/ عَلى وَشَكِ الْإِكْتِمالِ.

وعندما يرقى الشاعر بمقصده إلى مقام المتخيل ويرغب في الابتعاد عن الواقع أو النظر إليه من زاوية فنية فإنه يركب القصيدة ليعرج إلى السماء، حيث تصفو النفس وتعدِّل مزاجها بالبحث عن جوهر والأشياء والكون والحياة، من خلال رصد مكامن السحر فيها، لأن الحياة في منظور الشاعر هي الأصل أما الموت فشكل، وعلى هذا الأساس تسكن جل نصوص الديوان أنغامٌ تتغنى بالحياة وسحرها. هذا الوعي يقود الشاعر إلى التأمل في مظاهر الكون وآياته ويدعو القارئ إلى التأمل في أضعف خلق الله، وأخذ العبرة منها من حيث كونها تعكس أرقى مظاهر الجمال، وتجسد معاني الإحساس بالوجود:

ألا يَعْرِفُ الشّعَراءُ/ بِأنَّ الْحَياةَ هِيَ الْأَصْلُ/ وَالْمَوْتَ شَكْلٌ/ وَفاصِلَةٌ بَيْنَ عُمْرَيْنِ/ عُمْرٍ هُنا بَيْنَ مَنْ قَدْ نُحِبُّ/ وَعُمْرٍ هُناكَ/ بِدونِ حُدودٍ زَمانِيَّةٍ أوْ مَكانِيَّةٍ/ وَجَميعُ الْوُجوهِ رَمادِيَّةٌ.

وتتعمق نظرة الشاعر إلى الكون، فيتجدد فكره ويتسع إدراكه، فتتراءى له الأشياء على خلاف ما هي عليه في منطوق العوام من الناس، وعلى خلاف المفهوم المتداول عند الشعراء الذين غالبا ما ينسون ما هو أحلى وأجمل وأبقى ويتلهفون إلى ما هو عابر وشكلي، ويتهافتون على ما هو جاهز ويغفلون عن سحر الحياة وبهجتها وشهد القصيد ودهشته وجمال الكون وتجلياته. وبذلك يتجاوز الشاعر كل الحدود ويكسر كل القيود ويتعالى عن كل ما هو واقعي وملموس ليقيم عالمه الخاص عالم القصيدة الذي يجسد الجمال والكمال والنقاء والبهاء، عالم تسود فيه المحبة والوئام، عالم يسود فيه الوئام ولا يقتل فيه المرء أخاه، ويدعي جورا بأنه يقتل من أجل الإله. ولا مراء في أن الحلم بالرقي إلى هذا العالم يعكس الرفض المطلق للواقع بمختلف مظاهره السلبية وينم عن الرغبة الجامحة في التخلص من أسره وقيمه الدنيئة والرقي عبر القصيدة توقا إلى الحب وتجلياته المشرقة خارج حدود الزمان والمكان:

أنا لا أريدُ قَصائِدَ مَنْفى/ وَلَكِنّني/ أشْتَهي بَيْتَ شِعْرٍ لِأسْكُنَ فِيهِ.

هكذا يغدو الكون في المتخيل الشعري عند الشاعر خالد شوملي أكبر وأرحب وأجمل في حالة الاتصال مما هو عليه في حالة الانفصال، لأنه كون يتسع ليشمل في منظور الشاعر كل ما يتناغم مع رؤياه الشعرية والكونية. وهي في الأصل معادلة يعكسها الواقع وتتضمنها نصوص الديوان. على الشكل التالي: (رؤيا العالم الواقعي= البنية السطحية / الانفصـال) ≠ (الاتصـال / البنية العميقة = رؤيا العالم الشعري).

ولعل المعجم الشعري هو المادة الأولية الأساسية التي يشكل بها الشاعر عوالمه الشعرية وصوره المختلفة، ويتم ذلك وفق احترافية نادرة تستند إلى الاشتغال على المعجم الشعري والنحت من جذر لغوي واحد عدة مشتقات بل عدة معاني عن طريق تقنية الجناس بمختلف أشكاله، والأمثلة الدالة على هذه الخاصية كثيرة ومطردة في جل أشعار الشاعر خالد شوملي. بحيث يشتق من جذر لغوي واحد عدة صيغ تمنح الجملة الشعرية عمقا دلاليا وتولد نسيجا صوتيا متناغما، كقوله مثلا:

قَدْ كانَ يُمْكِنُ أنْ يَكونَ الْكَوْنُ أجْمَلَ مَا يَكونُ.

وقد يعتمد في كثير من السياقات كلمات تنتهي بحرف متجانس تتوالى بشكل مترادف وتولد صوتا معبرا فتؤشر على قوة المعنى وكثافة المدلول الشعري وثقله على نفسية الشاعر والقارئ على حد سواء، خاصة حروف القلقلة ومنها حرف القاف. يقول الشاعر في قصيدة (اَلْبَيْتُ يَبْكي):

ــ مُقَلْقَلٌ/ مُقْلِقٌ/ وَمُخْتَنِقٌ/ وَمُرْهَقٌ وَطَنِي/ وَيَحْتَرِقُ.

وتتسع دائرة الوطن عند الشاعر لتمتد ليس إلى البلد الأصلي فلسطين وحدها ولا الدول العربية أو الإسلامية فحسب وإنما تستوعب العالم كله، ذلك أن مفهوم الوطن عند الشاعر خالد شوملي يتعالى عما هو واقعي، لأن الواقع لا يستوعب الرؤيا الفكرية التي يصدر عنها الشاعر في ديوانه، ومن ثمة فهو يقلب المعادلة المتداولة عندما يجعل الوطن يسكن قلبه- وليس هو من يسكن الوطن- ويعيش مغتربا في كيانه ويراوده الإحساس بالتمزق. وهذا المعنى يبرهن على أن الشاعر عندما ينفي عن شعره صفة (شعر المنفى) لا يعني إقصاء الوطن وإقصاء القضية الفلسطينية، والدليل على ذلك أن مدلولها يسري كالدوالي في شرايين النصوص ويؤجج أشجانها ويضرم نار الشوق ولظى الحنين والتذكّر:

سَيّدتي ../ مُرْهَقٌ أنا/ تَعِبُ/ لي بَلَدٌ مَسْروقٌ وَمُنْتَكَبُ/ لي وَطَنٌ لا يَغيبُ عَنْ نَظَري/ أعيشُهُ/ وَهْوَ فِيَّ مُغْتَرِبُ.

واستنادا إلى هذه المعطيات نلاحظ أن الشاعر يراهن على رؤيا فكرية تؤمن بفلسفة التعدد والاختلاف، وهي فلسفة يسعى الشاعر إلى بلورتها على المستوى الفني، إذْ باستطاعة القارئ أن يقف عند جملة مؤشرات تعضد هذا الطرح على المستوى الشعري الذي ينخرط وفق منطوق الشاعر ضمن مظهرين؛ مظهر وجوهر، والشعر لا يخفي جوهره فحسب بل مظهره أيضا، على اعتبار جدلية العلاقة القائمة بين الظاهر والباطن وفرضية حتميتها. وهو ما يجعل الشكل الشعري ينم عن جوهره. وبالتالي لا يمكن في أي تحليل علمي وموضوعي في مجال الفن أن يقصي أحدهما على حساب الآجر؛ فما هو مذكور ليس له معنى إلا كمرجع لما لم يذكر. وما هو محدد يقرأ في ضوء غير المحدد من المنظور الجمالي لمفهوم القراءة:

كُلُّ ما لَمْ يَقُلْهُ قَلْبي صَحيحُ// إنَّهُ كَالزُّهورِ حِينَ تَفـوحُ

دائرة الشعر/ التمرد:

وتحضر القصيدة كعنصر شعري مفكرا فيه من داخل الديوان، وكأن الشاعر يُعْرِب عن رأيه النقدي فيما يكتبه من شعر ويكشف عن تصوراته النظرية التي يسعى إلى الالتزام بها وتحقيقها على المستوى الفعلي والتطبيقي والعملي، وهي آراء لا تقتصر على القصيدة وإنما تستحضر القارئ كبعد أساسي من أبعادها الجمالية. والشاعر يُقِرُّ بأن ظاهر الشعر لا يكشف بالضرورة عن جوهره:

ــ لا يَخْتَفي الشِّعْرُ/ بَلْ يُخْفى جَواهِرَهُ وَلا يَخافُ إذا يَخْفي ظَواهِرَهُ.

وتؤدي القصيدة عند الشاعر خالد شوملي عدة وظائف تتحقق على عدة مستويات تكوينية فكريا وفنيا وجماليا، ولا يتوانى في كثير من السياقات من التعبير عنها والكشف عن بعض مظاهرها للقارئ الفعلي الذي يحضر بقوة في نصوص الشاعر، بل إن المتلقي يجسد بعدا مكملا للنص الشعري في ذاته وفي تعامله مع المقروء، وفي وعي أو لاوعي الشاعر نفسه. وعندما يسعى الشاعر إلى تحطيم جدران البين فهو يفي بما دعا إليه قولا وشعرا، ولأنه يدرك أنه يرسم دائرة الذات التي لا تكتمل إلا بالآخر في علاقتها بالعالم، وهو رهان صعب يسعى إلى تحقيقه على عدة مستويات وخاصة اللغة الشعرية، فهي بدون شك المادة التي يشكل منها الشاعر عوالمه ورؤاه. وفي هذا السياق يوظف الشاعر عدة تقنيات تركيبية وأسلوبية في تأثيث الصورة الشعرية التي تعتبر قوام النص الشعري وصلبه المركزي.

ـ إنَّ الْقَصيدَةَ جِسْرٌ بَيْنَ قَلْبَيْنا/ إنّا بَنَيْناهُ حَتّى نَهْزِمَ الْبَيْنا/ وَبَيْنَ بَيْنَ/ يَبينُ الْبَيْنُ يُنبئُنا/ بأَّنَّهُ الْبَيْنُ/ وَهْوَ الْأصْلُ في بَيْنا/ لمْ نَكْتَرِثْ/ وَكَتَبْنا عِشْقَنا غَزَلاً/ وَكَمْ عَلَيْنا الْهَوى نادى فَلَبَّيْنا.

ويدخل هذا ضمن النسق المنظم لعالم النص الشعري عند الشاعر خالد شوملي، ويتأسس - كما قلنا آنفا - على اللفظ بالأساس، وفي كثير من السياقات على المفردة الذي لها جذر لغوي واحد، ويُوَلّدُ منها الشاعر عدة صور شعرية وأساليب فنية عبر تقنيات مختلفة، ورغبة في تحقيق هذا المقصد يلجأ إلى تحري الدقة في اختياراته بانتقاء اللفظ المناسب للسياق الملائم، فيجعل اللفظة الواحدة تؤدي مدلولات مختلفة ممكنة ومحتملة. من أمثلة ذلك قول الشاعر:

لا تَذْرفي الدَمْعَ يَوْمَ تَكْفيني
فَإنَّ حُزْنَ الْفُؤادِ يَكْفيـني
فَلَكِ الْفضاءُ مُعَطَّرٌ بِوُرودِهِ
أمّا أنا فَلَكي الْوَحيدُ النّارُ
أحَبَّهـــا دُونَ أنْ يَبوحَ لَهَا
وَازْدادَ في حُبِّهِ لَهَا وَلَهَــا

ولنا أن نلاحظ الجناس الحاصل عن الاتفاق في اللفظ والاختلاف في المعنى بين (تَكْفيني) و(يَكْفيني)، وبين (فَلَكِ) و(فَلَكي)، وبين (لَهَا) (وَلَهَا). ويتبن من خلال ما سبق كيف أن الشاعر يشكل عالمه الشعري وينحت صوره وفق التصور الذي يصدر عنه، والحلم الذي ينشده ويتوقعه، استنادا طبيعة المعجم الشعري الذي يمثل مادة تشكيلية تؤثث عوالم النصوص وترسم حقولها الدلالية. ويمكن للقارئ أن يؤطر المعجم ضمن عدة حقول دلالية محددة مع إمكانية هيمنة بعضها وهي الخاصية المشَكّلة للمتخيل الشعري عند الشاعر خالد شوملي الذي يتسم بالغنى والعمق والامتداد. وغالبا ما يقود التأمل في الكون إلى استنباط حكم نادرة يصوغها الشاعر لتغدو أقوالاً سائرة ومأثورة على لسان القارئ، وفي أحايين كثيرة يعتمد الشاعر صيغة توجيهية مباشرة رغبة في وضع المخاطب على المسار الصحيح والمنهج القويم والرأي السديد والحكمة المنشودة التي تغدو ضالته:

أخي لا تَقُلْ:/ إنَّني مُعْدَمُ/ وَكُلُّ الذي ذُقْتُه عَلْقمُ/ وكُلُّ حَياتي أسىً وعَذابٌ/ وذئْبُ الطَّبيعَةِ لا يَرْحَمُ/ تَأمَّلْ أخي سِحْرَ هَذا الْوُجُودِ/ تَمَهَّلْ:/ مَتَى الرُّوحُ تَسْتَسْلِمُ؟ وَقُلْ أنَا مَازالَ لي قارَبٌ/ بِرُغْمِ الْعَواصِفِ بي تَلْطِمُ.

ويلاحظ القارئ أن الشاعر عندما يريد أن يصور الائتلاف بين عناصر الصورة الشعرية يعتمد نظام الشطرين الشعريين الموازيين، ويكسر عمودية البناء الفني عندما يصور حالة الانشطار وحالة الانكسار وحالة البين. وينسحب هذا الملمح التشكيلي على قصائد الديوان جميعها كما ينسحب على بعض مقاطع القصائد التي تزاوج بين المظهرين مما ينم على أن الشاعر يصدر عن وعي قبلي بهذا الأمر. وكما يعتمد تقنية التقابل والتوازي ليركب صوره الشعرية مختلفة ومنسجمة في آنٍ واحد، استنادا إلى انتقاء دقيق لمعجم خاص وكلمات ذات بنية نغمية متواترة ومتشاكلة لكنها تولد مدلولات مختلفة ومتباينة. فيحقق الشاعر التشاكل والتباين في الشعر التفعيلي والعمودي، كأن يقول مثلا:

وَأَخْجَلُ مِنْ مَوْجَةٍ/ تُبْطِئُ النَّبْضَ كَيْ تَتَلاشى/ عَلى صَخْرَةِ الْخَوْفِ في ساحِلِي = وأخْجَلُ مِنْ فَرَحٍ/ يُخْطِئُ الدَّرْبَ كَيْ يَسْتَقِرَّ/ على وَتَرِ الْحُزْنِ في داخِلي
يــا حَيْرَةَ الْكَلِماتِ مِنْ أقلامها // يَـــا حَيْرَةَ الأوْطانِ مِنْ حُكّامِها
هو الْهَواءُ الَّذي تَحْتاجُهُ رِئَتي // هو الضِّياءُ الذي تَشْتاقُهُ مُقَلِي

تخضع القصيدة لتأثيث فني محكم، بحيث ينظر الشاعر إلى القصيدة من منظور نسقي كلي، يجعل الشكل موضوعا في ذاته أو مؤشرا من المؤشرات الدالة عليه، ويجعل الأشكال الشعرية على اختلافها منفتحة على بعضها، وفي هذا السياق يلجأ الشاعر إلى تطوير الشكلين معا العمودي والتفعيلي، فيوزع البيت الشعري أوالشطر الشعري على أسطر شعرية بشكل أفقي مما يجعل الأسطر الشعرية تختزل في كثير من النصوص لتتفرد بكلمة واحدة، إلا أنها تأتي دائما في بداية السطر ولا يتم إقصاؤها عن هذا الموضع. كما يتفنن الشاعر في الفصل بين مقاطع القصائد، إذ يجعل في كثير من الحالات البيت الشعري المطور مقطعا مستقلا يفصل بينها بعلامات طباعية.

وهكذا يلاحظ القارئ أن الشاعر يلجأ إلى تنويع صوره الشعرية، لا من حيث مدلولها فحسب بل من حيث شكلها وتقنياتها اللغوية والأسلوبية أيضا، ويعتمد على هندسة محكمة تشد انتباه القارئ، وغالبا ما يقحم الصورة الشعرية في حركية السرد الشعري ليمنها دينامية من نوع خاص. كما ينفتح النص الشعري عند الشاعر خالد شوملي على الرموز والأقنعة الفنية وعناصر الكون وآياته، مما يمنح القصيدة عمقا دلاليا وانسجاما فنيا وبعدا جماليا. وتأتي نصوص الشاعر محَمَّلةٌ بقيم إنسانية راقية تدعو المتلقي إلى تشَرُّبها قصد بناء الذات وبناء المجتمع كليهما، والتأسيس لنهضة واعدة للأمة والإنسانية جمعاء بزرع بذور النمو والرقي الفكري والفني والحضاري.

نخلص إلى القول بأن ديوان (أنا لا أريدُ قَصائِدَ مَنْفى) للشاعر خالد شوملي يسعى إلى تعديل أفقِ انتظار قارئٍ يكتسب مفهوما مسبقا وتقليديا عن شعر المنفى، وذلك من خلال المراهنة على أفق انتظار مغاير يصدر عن رؤيا العالم الشعري والكوني تتميز بالعمق والتجدد والتمدد، ويطرح بديلا لما هو سائد، ويسعى إلى تأسيس منظور متفرد وترسيخ مفهوم جديد من الشعر في الثقافة العربية والعالمية، وهو يزيد المتخيل الشعري الذي دأب عليه الشاعر امتدادا ورحابة، وباعتباره يعالج قضايا كبرى من منظور شعري كلّي، ويسعى من جديد إلى ترسيخ خاصية الكونية التي تحضر في أعماله الشعرية السابقة، وتترسخ بقوة في هذا الديوان على مستويات متعددة منها اللغة والإيقاع والبناء المعماري والخيال الشعري.