سركون بولص

شاعر حمل غربته في حرفه

، بقلم سلوى أبو مدين

صباح الاثنين22 من أكتوبر لعام 2007 طوى الموت الشاعر العراقي الكبير ، سركون بولص ، والذي قضى حياته فوق أرجوحة الغربة التي حملته بعيداً عن وطنه وكأنه يختار تلك النهاية في برلين بعد صراع مرير مع المرض عن عمر يناهز الثالثة والستين .
ولد سركون بولص عام 1944 قرب بحيرة الحبّانية غرب بغداد .. بيد أنه اختار أن ينتقل بين أمريكا ، وأوروبا ، كما أفادت المصادر ، وترك وراءه إنتاجاً عربياً غزيراً ، منه ديوانه الأول " الوصول إلى مدينة أين ، الحياة قرب الأكروبول ، حامل الفانوس في ليل الذئاب ، والعقرب في البُستان ، إذا كنتَ نائماً في مركب نوح ، و مختارات قصصية نُشرت بالعربية والألمانية بعنوان " غرفة مهجور ، سيرة ذاتية بالألمانية بعنوان شهود على الضفاف، ترجمة لكتاب إيتيل عدنان "هناك في ضياء وظلمة النفس والآخر" وسيصدر له قريبا ديوان بالانجليزية بعنوان «شاحذ السكاكين ، ولديه قصائد متنوعة ، كما صدر له ثلاثة كتب بالألمانية ، وقد عرج على ترجمة كتب الشعر وكتابة القصائد .
في إحدى قصائده بعنوان المرأة الجانحة مع الريح يقول :

لو رأيتَها، تلك المرأة
الجانحةَ مع الريح
وفي عينيها علائمُ زوبعة قادمة
وشعرها، منذ الآن، ينتفش في دواماتها،
لا تترددْ
وخبّرني، فهي قد تكون ضالتي
قد تكون من ذهبتُ أبحث عنها في القرى
والأرياف البعيدة
حالماً أن أجدها في زقاق
مقفر، ذات يوم، تحمل طفلا بين
ذراعيها أو تطل من نافذة
أو حتى أن أعرف أنها هي
في ثمّة صوت، في ثمة أغنيةٍ على
الراديو
أغنية تقول أشياء جميلة
عن الحزن
أو الهجرة
وقد لا تراها
سوى في جناحي فراشة
ترفرف لازقةً في قار الطريق
عينيها الملطختين بمكحلة التاريخ العابثة
نهديها المثقلين بأنداءِ حزن أمة
وفاكهتها اليتيمة
كبضعة أحجار في سلة
تعود بها من سوق أقفلت دكاكينُها تصفر في أخشابها الريح
على أطراف بلدة
ولدنا فيها، وحلمنا أحلامنا الصغيرة
ثم هجرناها

لوحة تنزف ذكرى وألم لمدينته التي أقفلت دكاكينها باكراً ، الريح تصفر في خشبها تلك مدينته التي وُلد فيها وحلم ولكن أحلامه لم تكبر معه بل تركها وراءه ومضى .
ثم ينقلنا إلى رحلة أخرى ربّما ساعة ينتظرها ، وما تحويه الحياة القصيرة رحلة الموت أقل مما يكفي ، وأكثر مما يحتاج ، فالوقت الذي يشكو منه الشاعر ليس سوى مبضع في يد طبيب لا يتقن مهنته ، وتلك المرأة التي يبحث عنها في زقاق مقفر تحمل طفلاً هي البلاد التي نأت به وابتعد عنها .

صور الهجر والحزن ، والمدينة الملطخة بمكحلة التاريخ كلّها استعمرت مساحة كبيرة في نفس الشاعر ، لغة الاقتدار على صياغته .

حمامة مسافرة .. إليك

لك كل الدفء،
هذه الساعة التي ستدنينا
أو تفرقنا، أو تذكرنا بأن ليلتنا هذه
قد تكون الأخيرة، وتعرف أنها خسارة أخرى
سيعتاد عليها القلب مع الوقت
فالوقت ذلك المبضع
في يد جراح مخبول سيعلمنا ألا ننخدع
بوهم الثبات:
أقل مما يكفي، أكثر مما نحتاج
أقل مما يكفي هذا الإرث الفائض من مكمنه
في صيحة الحب الأولى
أولى في كل مرة
أكثر مما نحتاج طعم الرغبة هذا
كما لم نذقه من قبل
لم نذقه من قبل
براعة بولص في تدشين الحبّ ( في صيحة الحب الأولى ) ( أولى في كل مرة ) كما يتقن التقاط الصور بمهارة تقترب لتبتعد ( كما لم نذقه من قبل ) ( لم نذقه من قبل )
فهو يكتب ما تراه ذاكرته بكل ما فيها من اغتراب الروح والاحتياج , أشياء قابعة في داخله ، في قصيدة الحمامة المسافرة ، تقرأ لوحة سريالية مفعمة بالحبّ ، الجوع إلى الحياة التي يجرها وراءه ، الحب ، المدينة ، المكان ، وتبقى قصيدته حصنه ضد الزمن ، فغربته هي من كتبته شعراً ، غربة الروح و المكان والمنفى الذي ذاق مرارته وكأنه اختار تلك النهاية بعيداً عن وطنه ، فهو يكتب من أجل ألا يموت على حد تعبير كارلوس فنتينونس . فشعره يعزف عن الوطن والموت المؤجل ، فالفقد والغربة أنبتت شعره .

بوتريه للشخص العراقي في آخر الزمن

أراه هنا، أو هناك
عينهُ الزائغة في نهر
النكبات، منخراه المتجذّران
في تُربة
المجازر، بطنه التي طحنتْ
قمحَ
الجنون في طواحين بابل
لعشرة آلاف عام
أرى صورتَهُ
التي فقدت إطارها
في انفجارات التاريخ
المستعادة
تستعيد ملامحها كمرآةٍ
لتدهشنا في كل مرة
بمقدرتها الباذخة على التبذير

نصٌ يقبض على اللحظة الوطن و الإنسان الذي فقد معنى الحرية ، وبقى مهمشاً يتألم في وطنه وصادروا أحلامه ، تلك الأثقال والتراكمات بدءاً من المواطن الذي تجرع من كأس الحرب والقسوة التي فرضت نفسها والخسائر والشعور بعدم الأمان امتزجت بسمات شعره ، وتداخل ناتج عن غربة عانى منها الشاعر وأصبحت حميمة فانعكست على قصيدة النثر في النهاية .
بولص ينأَى بحرفه بعيداً تلك الشمعة التي أضاءت له مرارة الغربة ، قصائده تشبه الزجاج الذي يشف عن ملامح كثيرة حولنا بلا ديباجة أو تكلف .
فهو مبدع لم يلهث وراء ضجيج الشهرة بل كان يكتب إبداعه بصمت ، ويحلق وحيداً عن سرب الشعراء .

يذكرني بأسطورة طائر الايكاروس الذي طار في الفضاء بأجنحة من شمع وحين اقترب من الشمس انصهر .
فهذا الشاعر بجسده وأخذ يمتطي الغربة حتّى أعياه التنقل . تقول الدكتورة هدية الأيوبي " سقط سركون في عز الكتابة.تعبت قدماه ويداه.. تعبت روحه. ليس العراق وحده هو السبب ..إنما هي روحه القلقة فسقط. من العراق..إلى سوريا..إلى بيروت..حيث قطف أزهار الحداثة بشغف الأطفال وهدوء الفلاسفة.. ثم إلى سان فرانسيسكو حيث تذوق عطوراً وأزهاراً جديدة.. هو الطفل الباحث عن قصبة الدهشة ليمتطيها مسابقاً أفراس النهر... وفي برلين كانت الرحلة الأخيرة للعلاج...تعب الفارس الخجول من حمل أسفار الكلام.. فرحل إلى موت غير مفاجئ، ليرتاح قليلاً.. قبل أن يوقظ عصافيرَ خبّأها في سطوره..بعيداً عن ذاكرتنا المشوّشة بهموم العصر. سركون بولص..هل وصلتَ إلى مدينة " أين"؟

كما قال : عنه الشاعر محمد على شمس الدين " سركون بولص المتطوح في الآفاق كان يحمل في داخله صبايا عراق في أي مكان حل فيه، في الولايات المتحدة الأميركية حيث يموت الشجر ويزدهر الحجر. سركون بولص من الأساس حمل أشلاءه، مزق يديه وعينيه ومشى، ولكن ليصــل إلى مدينة ليس ثمة ما هو أكثر غموضا منها، لا هي بغداد ولا سامراء ولا نيــويورك ولا واشنطن، ولا حتى ما أوحى لنا به من إقامة إلى جانـب الأكروبــول. إنها مدينة سركون الغامضة الصعبة التي سماها «مدينة أين»؟ لأنها تقيم في اللإمكان ، تقيم في لغة سركون بولص التي هي مزيج من أشلاء وحرية، دم وبلاد. عاد بولص إلى أصله " .


سلوى أبو مدين

كاتبة وشاعرة

من نفس المؤلف