أم رامز

، بقلم زهير كمال

محمد بوعزيزي

محسن فكري

أم رامز

وغيرهم كثير لا نسمع عنهم

يتكرر المشهد المؤلم نفسه في كيفية التعامل مع الفقراء في الوطن العربي من محيطه الى خليجه، هؤلاء الفقراء الشرفاء الذين يحاولون تحصيل لقمة عيشهم بعرق جبينهم وبشرف ويبذلون كل ما يستطيعون وكل ما تتفتق عنه أذهانهم من أجل البقاء على قيد الحياة في مجتمعات لا تعرف الرحمة، مجتمعات انقلبت فيها الموازين تسودها شريعة الغاب ويأكل القوي فيها الضعيف .

دول سُنت قوانينها من أجل خدمة الأقوياء والأغنياء، تدوس بقدمها الثقيلة فوق رؤوس الفقراء والمستضعفين ثم عندما تقوم الثورات يدهشون ويحتارون ويلومون كل شيء إلا انفسهم وما فعلت أيديهم على مر السنين . لقد بلغ الطمع فيهم أنهم لا يريدون حتى ترك الفتات للناس يقتاتون به.

صادرت البلدية عربة خضار محمد بوعزيزي ولم يجد هذا الفقير أية بارقة أمل له في هذه الحياة القاسية فأحرق نفسه فكانت الشرارة التي أشعلت الثورة في المجتمع العربي ، فأمثال الشاب بو عزيزي هم الغالبية من المحيط الى الخليج .

لقد أحسن من أطلق على ما حدث اسم الربيع العربي فهو اعتراف ضمني بأن المجتمع العربي واحد وأن حاله واحدة . وبالطبع فإن الكثير يصبون جام غضبهم على الربيع العربي حيث ينظرون بعين واحدة الى النتائج المأساوية التي تمخضت عما حدث وينسون أو يتجاهلون السبب الحقيقي في لماذا حدث ما حدث.

تفكير المثقفين بهذه الطريقة مريح لهم فبما أن النتيجة مأساوية إذاً فالحدث مأساوي وخاطئ وعفا الله عما سلف.

لم يتغير شيء في الوطن العربي بل زاد القهر والظلم بعد انتصار الثورة المضادة ، فجاء محسن فكري بائع الأسماك الفقير الذي أراد إنقاذ بضاعته فتبعها الى داخل جامعة القمامة فطحنته ماكنة الدولة فهو بالنسبة إليها مجرد رقم وشيء تافه سيّان إن عاش أو مات .

انطلقت انتفاضة الغلابة مرة ثانية في الوطن العربي وفي أقصى الغرب منه ، وكان الحل بالنسبة للدولة طرد بعض الموظفين من الوزراء بحجة التقصير في أداء عملهم وتم استبدالهم بوجوه جديدة وعفا الله عما سلف مرة ثانية .

يتم محاكمة قادة الانتفاضة الآن فقد كدروا الصفو العام والسلم الاجتماعي ولكن ترجمة ذلك الى اللغة العربية هي تكدير راحة الحاكم فقد انزعج أيما انزعاج مما حدث وعلى أجهزة الدولة إعادة الصفو والهدوء الى نفسه .

هل تعلّم شرق الوطن مما حدث في غربه؟ ما حدث مع أم رامز في عمان يثبت أن الدول العربية لا تتعلم من أخطاء غيرها.
أم رامز بائعة ساندويتشات على عربة صغيرة في أحد شوارع عمان الغربية حيث تعيش الطبقة المتوسطة والغنية ، وهي المعيل الوحيد لثمانية أطفال ومصدر رزقها عربتها اليدوية هذه.
جاء موظفوا البلدية وصادروا عربتها وبعثروا محتوياتها على الرصيف وجلست مدهوشة لا تدري ما تفعل أو تقول بعد أن ضاعت تحويشة العمر ومصدر الرزق وتواجه مستقبلاً مجهولاً.
وحتى لا نضيع الوقت لنتخيل المشاهد التالية:
المشهد الأول: في دولة تحترم مواطنها - قد تكون مثالية بالنسبة لنا في العالم الثالث - تدفع الدولة لهذه العجوز راتباً شهرياً يكفيها هي وأولادها ، وتؤمن لهم التعليم والرعاية الصحية وتوفر عليها التعب والمشقة لتركز همها في رعاية أولادها. دول كهذه موجودة على خارطة الأرض فمواطنيها يدفعون الضرائب من أجل غاية مثل هذه، أن تحقق الدولة التكافل الاجتماعي وتضمن السلم الأهلي ، فهذه مسؤوليتها الأساسية .
أثناء جولاته اليومية رأى عمر بن الخطاب شيخاً كبيراً يعمل وقد ظهر عليه الوهن والتعب ، لفت هذا المشهد عمر فالمفترض أن لا يعمل بعد أن خصصت الدولة راتباً لكبار السن، سأله لماذا يعمل فقال إن عليه دفع الجزية لبيت المال، سنّ عمر قانوناً جديداً بإعفاء غير المسلمين من الجزية وتخصيص راتب لهم أسوة بكبار السن من المسلمين . وقال قولته المشهورة : ما أنصفناه أن أكلنا شبيبته، ثم نخذله عند الهرم.
والكلام هنا عن دولة ما زالت تتشكل ولم يكن فيها قوانين تنظم الحياة الاجتماعية. ولكن الفقر والجوع والعجز لا تميز البشر حسب الدين أو الطائفة او العرق.
المشهد الثاني:
تدرك الدولة التي تحترم نفسها أن هناك مواطنين لا يستطيعون فتح محال تجارية ولكن يستغلون مهاراتهم الفردية وقدرتهم على العمل في الارتزاق وهم الباعة المتجولون ، تقوم الدولة بتنظيم المهنة وتراقب البضاعة خاصة إذا كانت طعاماً فمهمتها الحفاظ على صحة المواطنين ، تراقب الأسعار وتمنع الغش والتلاعب.
هؤلاء الباعة المتجولون تجدهم في كل مدن العالم الكبرى في طوكيو وباريس ونيو يورك ولندن ولم يقل أحد إنهم يشوهون وجه المدينة الحضاري وغير ذلك من الترهات ، بل على العكس فهم يلبون حاجات المواطنين الذين يبحثون عن خدمة سريعة.
المشهد الثالث:
وهو ما حدث عندنا في تونس والحسيمة وعمان على التوالي، وهو يعبر عن التخلف المريع في مفاهيم المواطنة وفي تطبيق قوانين عفا عليها الدهر بدون استيعاب لروح القانون ، دولة خلقت لتحافظ على مصالح الأغنياء وراحتهم ولا تراعي الأغلبية من الفقراء والمعوزين ، دولة ليس فيها عقل مفكر فيعدل ويحسن وينظم بعد أن يلاحظ ويدرس ويفكر فيما ينبغي عمله. دولة غبية تتميز بالترهل، وعدم الفاعلية هي السمة الغالبة فيها ، ليس فيها مساءلة أو محاسب ، دولة يأتي فيها الموظف ليجلس على كرسيه يقضي نهاره ويقبض راتبه آخر الشهر ، وهذا ليس ذنبه، دولة لا تعمل بل تسير بالقصور الذاتي فقط.
المشهد الرابع:
ماذا يمكن توقعه لو وصلت أم رامز الى مرحلة اليأس الكامل بعد أن فقدت مصدر رزقها وقامت بحرق نفسها مثلما فعل محمد بوعزيزي ، هل يمكن لأحد أن يتخيل رد فعل الجماهير الأردنية التي تحتاج شرارة لتشتعل وهي التي تتظاهر في كل المدن الأردنية احتجاجاً على رفع الأسعار .
في تونس لم يكن هناك احتجاجات سابقة قبل حرق محمد بوعزيزي نفسه، مصر كذلك لم تشهد احتجاجات قبل أن تسلم الشرطة جثة الشاب خالد سعيد وعليها آثار التعذيب المروع الى ذويه .
كذلك المغرب لم يكن فيها ما يشير الى انتفاضة قبل طحن محسن فكري. ولكن في الأردن الجالس على صفيح ساخن، كان متوقعاً أن يكون المشهد بمنتهى العنف والدمار.
ولكن في العموم فإن تحمّل المرأة للمصاعب والشدائد أقوى من تحمل الرجل ، وإحساسها بثقل المسؤولية الملقاة على عاتقها يمنعها من ترف التخلص من مسؤوليتها وإنهاء حياتها.
وهذه الحكمة هي التي حمت الأردن من دمار شديد.
وصفها محمد بن عبدالله ص قبل أربعة عشر قرناً إن المجتمع مثل السفينة المبحرة يتكافل فيها المجتمع للوصول الى بر الأمان، ولا يستطيع أحد أن يخرق السفينة فتغرق كلها.
أنظمة حكمنا بلا استثناء تقوم بخرق السفينة كل يوم بالفساد والنهب وعدم التفكير في عواقب أفعالها وبعد هذا يتساءلون لماذا تثور الشعوب.


زهير كمال

كاتب فلسطيني مقيم في نيو يورك

من نفس المؤلف