سيدتي= ستّــي!

، بقلم فاروق مواسي

وردت كلمة (ستّ) بمعنى السيدة في أدب العرب قديمًا، ولا أرى اليوم حرجًا في تقبل الكلمة، فهي ليست عامية تمامًا، وكما نخاطب الجد (سيدي) فلا بأس أن نخاطب الجدة (ستي).

أولاً- لأن الفيروز آبادي ذكرها في (القاموس المحيط) حيث يضع الاحتمالين:

"وستي للمرأة... أو لحن.." ويرى الزَّبيدي في (تاج العروس):

"يحتمل أن االأصل سيدتي، فحذف بعض حروف الكلمة، وله نظائر، قال الشهاب، ونقل شيخنا عن السيد عيسى الصفوي ما نصه: ينبغي ألا يقيد بالنداء... وأن الحذف سماعي".

بل يأخذ الزبيدي عن الأنباري أن (ستي) واردة تعني مالكة جهاته الست.

ثم إنها وردت في (الأغاني) لأبي الفرج الأصفهاني، وفي أكثر من موقع، وكأنها كانت تجري على ألسنة الأدباء والخلفاء، نحو:

"يا ستي إن الخليفة يمر ببابك" (الأغاني 17، ص 82- دار الفكر).

وفي أخبار عُليّة بنت المهدي نجد هذا الحوار:

فقال الرشيد: يا إبراهيم لمن الشعر؟ ما أملحه! ولمن اللحن؟ ما أظرفه!

فقال إبراهيم (المَوْصِلي): لا علم لي.

فقال للجارية، فقالت: لستي.

قال: ومن ستك؟

قالت: عُلَية أخت أمير المؤمنين.

قال: الشعر واللحن؟! قالت نعم!

(الأغاني، ج10، ص 215)

ثم إن المعري وهو اللغوي العلَم لا يتحفظ من الكلمة في كتابه المدهش (رسالة الغفران)، ففي فصل "عبور الصراط" يقول:

"فلما خلَصتُ من تلك الطُّموش، قيل لي: "هذا الصراط فاعبرْ عليه".

فوجدته خاليًا لا عَريب عنده، فبلوت نفسي في العبور، فوجدتني لا استمسك.

فقالت الزهراء – عليها السلام – لجارية من جواريها:

يا فلانة أجيزيه.

فجعلت تمارسني وأنا أتساقط عن يمين وشمال.
فقلت لها: يا هذه! إن أردت سلامتي، فاستعملي معي قول القائل في الدار العاجلة:
ستِّ إن أعياك أمري *** فاحمليني زَقَفونـه

فقالت: "وما زقفونة؟"
قلت: أن يطرح الإنسان يديه على كتفي الآخر، ويمسك بيديه ويحمله وبطنه إلى ظهره.
أما سمعت قول الجَحْجلول من أهل كفر طاب":

صلَحت حالتي إلى الخلف حتى
صرت أمشي إلى الورا زقفونة

فقالت: ما سمعت بزقفونة، ولا الجحجلول، ولا كفر طاب إلا الساعة"!

(المعري: رسالة الغفران، ص 82- شرح كامل كيلاني)

لنصحب الشعراء وهم يستخدمون (ستي) من غير التحرج منها:

أبو العتاهية:

يا عُتبَ ما شاني وما شانك
ترفّقي ستي بسلطانِكْ

ابن نُباتة المصري:

فهي ستّي من جهاتي ولديها
سيّدي من حيث ودّي وولائي
..
والجدير ذكره حقًا هنا هذا الرد على النحْويين الذي قام به بهاء الدين زهير، فهم يعترضون على لفظة (ستي) ويرون بها لحنًا.

يقول البهاء:

بروحيَ من أسميها بستّي
فتنظرني النحاة بعين مقتِ
يرون بأنني قد قلت لحنًا
وكيف وإنني لَـزهيرُ وقتي
ولكنْ غادةٌ ملكت فؤادي
فلا لحنٌ إذا ما قلت "ستي"!

(ديوان البهاء زهير، ص 49)

ثم هل نخطّئ كبار الكتاب وقد تكررت الكلمة في مؤلفات ياقوت والثعالبي والإتليدي وأبي حيان التوحيدي وغيرهم؟


فاروق مواسي

بروفيسور، أديب، وأكاديمي فلسطيني، دكتوراة في الأدب العربي

من نفس المؤلف