رُقِيُّ الحِوَارِ

، بقلم رامز محيي الدين علي

الحوارُ فنٌّ من الفنونِ البشريَّةِ المنطوقةِ..

الحوارُ أجملُ شكلٍ من أشكالِ الدِّيمقراطيَّةِ في العالمِ..

الحوارُ أسلوبٌ حضاريٌّ لا تُجيدُ حبكتَه إلا الشُّعوبُ التي أودعَ اللهُ فيها عقولاً تعِي وتفهمُ بالحروفِ قبلَ ولادةِ الكلماتِ من رحمِ الُّلغةِ..

الحوارُ لسانٌ مصقولٌ بمطرقةِ الفكرِ وسِندانِ المنطقِ والحكمةِ..

الحوارُ سوَرٌ إلهيَّةٌ تخاطبُ مخلوقاتٍ بشريَّةً، لا رؤوساً منحوتةً من الصُّخورِ الصمَّاءِ..

الحوارُ لغةٌ يجيدُها حاكمٌ كرَّس حياته بكلِّ خصائصِها في رقيِّ شعبِه ورفعةِ وطنِه..

وليسَ من الحوارِ من يَشيْدُ أمجادَه على رغيفِ خبزِ فقرائِه ودماءِ معارضيه سرَّاً وجهراً.. فهذا طاغوتٌ شيطانيٌّ لا يفهمُ غيرَ حوارِ الطَّائرةِ والدبَّابةِ وقوَّةِ السِّلاحِ مع أبناءِ جلدتِه الذين نصَّبوهُ كلباً يرعى مصالحَهم لا فرعوناً يُعلي صروحَ أهراماتِه على جماجمِهم!

قد يكونُ الحوارُ بين الإلهِ وبعضِ مخلوقاتِه، وقد يكونُ بين الحاكمِ وشعبِه، إمَّا بالمودَّةِ والاحترامِ، وإمَّا بقوَّةِ السِّلاحِ والقمعِ والكبتِ والتَّجهيلِ؛ حتى يصيرَ حواراً بين الرَّاعي وأغنامِه، وقد يكونُ حواراً بين أناسٍ مثقَّفين أو عادييِّن، ولكَّن أرقى أشكالِ الحوارِ يأتي على ألسنةِ الحيواناتِ، حيثُ الحكمةُ والنُّبلُ والأخلاقُ والترفُّعُ عن الدَّنايا والتعايشُ السِّلميُّ والرِّضا بقسمةِ السَّماء!
ذاتَ يومٍ التقى كلبٌ أجنبيٌّ بكلبٍ عربيٍّ، وتبادلا التحيَّةَ والسَّلامَ، وكان الكلبُ الأجنبيُّ حذِراً وخائفاً، تظهرُ عليه علاماتُ الارتباكِ.

فسألَه الكلبُ العربيُّ: لماذا أنتَ في قلقٍ واضطِرابٍ يا صاحبِي!

الكلب الأجنبي: كنتُ أخشى أن تكونَ إرهابيَّاً تحملُ حزاماً ناسفاً، كما يفعلُ أصحابُكم العربُ، فيقتُلون الأبرياءَ، ويُقتلونَ حاملينَ معهُم مفاتيحَ الجنَّة في السَّماء!

الكلبُ العربيُّ: فهِمتُك يا صاحبي! ولكنْ ليسَ كلُّ عربيٍّ إرهابيَّاً، كما يتخيَّل أصحابُكم الغربيُّون، فعندَنا أناسٌ مسالمون يحبُّون الحياةَ لغيرِهم كما يحبُّونها لأنفسِهم، ويأبَون كلَّ مفاتيحِ الجنَّةِ على قتلِ إنسانٍ ولو كانَ كافِراً!

ولا تنسَ يا صاحبي أنَّ جميعَ الحيواناتِ عندنا لا ذنبَ لها فيما يحدثُ، ولايمكنُ أن تقتلَ آدميَّاً ولا حيواناً مهما كانتِ الأسبابُ!

فهلْ سمعتَ أنَّ كلباً في جميعِ أنحاءِ العالمِ قتلَ أخاهُ أو أباهُ أو ابنَه أو أصدقاءَه أو حتى كلاباً شاردةً، حينما تجتمعُ على فريسةٍ؟

ليس هذا منْ أخلاقِنا أو عاداتِنا، وإنَّما ديدنُنا حراسةُ المنازلِ والبشرِ حينما تهاجمُهم الوحوشُ الضَّاريةُ!

وكم من كلابِنا استُشهدوا في سبيلِ الدِّفاعِ عن طفلٍ أو شاةٍ أو حملٍ وديعٍ، حينما يتعرَّضون للخطرِ من وحوشِ الغابِ أو ذئابِها أو ملمَّة بيئيَّةٍ، مثلَ طوفانٍ مفاجِئٍ أو عاصفةٍ غادرةٍ أو نارٍ متأجِّجةٍ حمقاءَ!

هل سمعَتْ كلابُكم يوماً أن كلباً عربيَّاً أو غجريَّاً سمَّمَ رفاقَه من أجلِ التفرُّدِ بتاجِ الحراسةِ؟

هل نُبِّئتُم أنَّ كلباً تركيَّاً أو شيشانيَّاً قتلَ جميعَ أفرادِ ملَّتِه في سبيلِ لقبِ البطولةِ والخلودِ الأبديِّ؟!

ولكنْ وللتَّاريخِ أقولُ: ليستْ جميعُ كلابِنا على مستوىً واحدٍ من المسؤوليَّةِ والإخلاصِ والتَّفاني والمودَّة.

فثمَّة كلابٌ جبانةٌ، وثمَّة كلابٌ خائنةٌ، غادرةٌ، أنانيَّةٌ.. ولكنَّ الأمرَ لا يمكنُ أن يصلَ بها إلى القتلِ حبَّاً بالقتلِ، ولا يمكنُ أن تفكِّر يوماً بقتلِ حسَّادِها ومنافسِيها بالسُّمِّ او النَّفيِ والتَّشريدِ!

هل حدثَ شيءٌ من ذلكَ عندَكم في الغربِ؟!

الكلبُ الأجنبيُّ: حاشَا لله أن نفكِّرَ لحظةً واحدةً فيما تقولُ!

ونحنُ نتعلَّمُ من أصحابِنا البشرِ مهاراتٍ وقدراتٍ وطاقاتٍ، لم تكنْ في طبيعتِنا، فقدْ علَّمُونا فنَّ الضِّيافةِ وحسنَ الاستقبالِ، وطرقَ جذبِ الزَّائرينَ إلى المنتزهاتِ، وعلَّمونا فنَّ الموسيقا والرَّقصَ ومداعبةَ الأطفالِ والنساءِ.. حتى وصلَ الأمرُ بنا إلى النَّومِ في قصورِ الرُّؤساءِ، وتحتضنُنا زوجاتُهم حينما يكونُ الأزواجُ خارجَ البلادِ، ونرافقُ الأسرَ في استجمامِهم ورحلاتِهم، ونأكلُ ممَّا يأكلون ونتداوَى كما يتداوَون، وعندنا بطاقاتٌ وطنيَّةٌ وطبِّيةٌ مثلَما عندَهم!

الكلبُ العربيُّ عَاوِياً في غضبٍ: لقد أزعجْتَني يا صاحبي!

كلُّ هذا عندَكم من الرَّفاهيةِ والتَّقديرِ والمكانةِ المرموقةِ من الاهتمامِ وحسنِ المعاملةِ.. وليس عندنا شيءٌ ممَّا تتفوَّهُ به، ولم نفكِّر يوماً بغيرِ ما قُسِم لنا!

ولكنَّ سؤالاً يُلحُّ عليَّ أن أسألَك إيَّاه: لو أُعطيَ الإنسانُ العربيُّ تلكَ الرِّعايةَ التي مُنِحتْ لكلابِكم، هل يبقى في منطقتِنا إرهابيٌّ واحدٌ إلَّا مَن أعمَى بصيرتَه أسطورةُ الجنَّةِ الموعودةِ والدِّفاعُ عن الإلهِ الذي يقولُ للكونِ أفٍّ فتقومَ السَّاعةُ.. الآنَ عرفتُ لماذا يقتلُ النَّاسُ بعضُهم بعضاً.. ولماذا يقتلُ المجرمونَ شعوبَهم إمَّا بالطَّائراتِ، وإمَّا برغيفِ الخبزِ وحبَّة الدَّواءِ وفاتورةِ الماءِ والكهرباءِ!!

فتبَّاً لكلِّ هؤلاءِ الطُّغاةِ بشتَّى أشكالهِم وألوانِهم، وتبَّاً لمنْ سمَّانَا كلاباً وسمَّاهُم بشَراً!

ولكنْ لي رجاءٌ عندَك يا أخِي: هل يمكنُ أن تأخذَ حكوماتُكم البشرَ من بلادِنا لتعيشَ بنصفِ الخصائصِ المعيشيَّةِ الممنوحةِ للكلابِ هناكَ، ويُصدِّرونَ تلكَ الكلابَ إلى بلادِنا لعلَّها تقضي على كلِّ منابعِ الإرهابِ عندَنا، ويصبحَ الإرهابيُّون الذينَ يصنعونَ الإرهابَ، ويدَّعونَ محاربتَه حفنةً يقتلُ بعضُهم بعضاً.. فتحيا الأممُ في نعيمٍ، ويعيشُ الكونُ في سلامٍ؟!

الكلبُ الأجنبيُّ: وداعاً يا صَديقي، صحيحٌ أنَّك لستَ إرهابيَّاً مُدجَّجاً بالسِّلاحِ، لكنَّك إرهابيٌّ مُدجَّجٌ بالأفكارِ.. وداعاً إلى غيرِ لقاءٍ!

ويسمعُ الحوارَ كلبٌ حكيمٌ، فيقفُ دقيقةَ صمتٍ، ثمَّ يخطبُ قائلاً:

هناك فرقٌ كبيٌر وبونٌ شاسعٌ بين الكلابِ الإفرنجيَّةِ والكلابِ العربيَّةِ:

الكلابُ الإفرنجيَّةُ تموتُ، وتفنَى معَها كلُّ قصَصِها وحكاياتِها، بالَّرغمِ من سيرتِها الجميلةِ الحافلةِ بالودِّ والوفاءِ والإخلاصِ والمحبَّةِ والتَّواضعِ!

أمَّا الكلابُ العربيَّةُ، فإنَّ أجسادَها تفنى، وتظلُّ حكاياتُها وأساطيُرها خالدةً على مرِّ التَّاريخِ، رغمَ قذارتِها وخيانتِها وغدرِهاوتكالبِها على لحومِ فرائِسها الحيَّةِ والميتةِ!

ويظلُّ السُّؤالُ عالقاً على ألسنةِ حكماءِ الكلابِ: ما سببُ فناءِ تلكَ الكلابِ الإفرنجيَّةِ الطيِّبة.. وخلودِ الكلابِ العربيَّةِ الخبيثةِ؟!

لكنَّ الجوابَ يبقَى لغزاً في البيئاتِ الحاضنةِ لأنواعِ الكلابِ!!


رامز محيي الدين علي

كاتب سوري مقيم في الإمارات

من نفس المؤلف