محاورةُ محمّد بدوي حجازي حول أقصوصته:

موتُ خديجة وانتحارُ الأنا المفرد

، بقلم فوزية الشطي

تمهيد:

اِطّلعتُ على أقصوصة الأديب السّودانيّ "محمّد بدوي حجازي" في مدوّنته الرّقميّة. شدّتني طرافةُ موضوعها وبراعةُ صياغتها. فاستأذنتُ صاحبَها كي أُدرّسَها لتلاميذي في مادّة المطالعة. اِخترتُ هذا النّصَّ لغايات محدّدة. أوّلا: دعوةُ التّلاميذ إلى استكشاف ما تعجُّ به النّات مِن إبداعات عديدة متنوّعة، ثانيا: التّكريسُ العمليّ لمبدإ حقّ المدرّس في اختيار ما يراه صالحا لمادّة المطالعة من نصوص، ثالثا: المناقشةُ مع النّاشئة حول العلاقات الافتراضيّة الّتي صارتْ أمرا واقعا بل مشكلا شديدَ التّعقيد. وحتّى أجعل الاستفادةَ من الأقصوصة أعمقَ ساءلتُ الكاتبَ. فكانتْ هذه المحاورةُ عبر الشّابكة (شبكة الأنترنات).

سؤال: كيف تُقدّم لنا نفسَك؟

جواب: خرّيج كلية القانون جامعة الخرطوم 1999م، أعملُ محاميا، كتبتُ الشّعرَ في فترة شبابي الباكر. بعدها تحوّلتُ إلى التّجريب في كتابة الرّواية. وأظنّ أنّ عودي اشتدّ فيها بعد العام 2000م. لديّ خمسُ روايات، فازت إحداها بجائزة الطّيّب صالح للإبداع الروائيّ عام 2006م، ، اسمها "بابُ الحياة". وهي الرّوايةُ الوحيدة الّتي نُشرتْ. تولّى مركزُ "عبد الكريم ميرغني" الثّقافيّ بالسّودان نشْرَها في العام 2007م. بعدها بدأتُ أكتبُ في القصّة القصيرة. نشرتُ بعضَ القصص والأشعار في الصّحف اليوميّة السّودانيّة. أخيرا لجأتُ إلى النّشر الإلكترونيّ في موقعي: http://mbhigazi.blogspot.com/

سؤال: حتّى تساعدَنا على تحليل معاني أقصوصة (موتُ خديجة وانتحارُ الأنا المفرد) بعمقٍ أكبر، أسألُك: لما الدّافعُ إلى تأليفها؟ ما الّذي وددتَ التّعبيرَ عنه فيها؟

جواب: رغم قناعتي بأنّ الكتابةَ فعلٌ واع ٍ ومقصود، وبالتّالي هناك (ما يُودّ التّعبيرُ عنه) أو هنالك حقيقةُ النّصّ الّتي من المفترض أن يكون الكاتبُ أدرى النّاس بها، فإنّ سؤالك فاجأني. لكنْ سأحاول أن أعكسَ لك حقيقةَ النّصّ كما أردتُه، وهي الحقيقةُ النّاتجة عن الوعي والقصد المفترضيْن. قد يحدثُ لهذه الحقيقةِ بالتّأكيد بعضُ التّشويش حين القراءة إمّا لعوامل تخصّ القارئَ نفسَه قد تُعيد إنتاجَ النّصّ لحظةَ قراءته بصورة مغايرة أو لضعفِ أدوات الكاتب. ومن هنا تبرز أهميّةُ سؤالك الجميل.

في العالم الافتراضيّ معنَى الحياة نفسُه يتبدّل. يصبح الدّليلُ على الصّحة والعافية والحيويّة عددَ المشاركات والتّعليقات والإعجاب. كلُّ ذلك دليلٌ على أنّ الشّخصَ بخير لا يشكو مِن شيء. وسيكون موتُه ، إنْ حدَثَ، مفاجئا يستوجب التّحسّرَ على شبابه وحسنِ صحّته وعافيته. والموتُ نفسه قد يعني انقطاعَ الشّخص عن (الفيسبوك) أو حذفَ حسابه لا الموتَ الحقيقيّ الّذي نعرف. وكلا الاحتمالين قائمٌ بذات الدّرجة من القوّة. وهذا يعني الشّكَّ في حقيقةِ ما حدث لـ(خديجة) وإفراغَ كلمة الموت مِن معناها الحقيقيّ الرّاسخ مع الاحتفاظ بذاتِ الدّلالة للكلمة. فالنتيجةُ واحدة، وهي غيابُ (خديجة). لقد رحلتْ، ولكنْ "إلى أين" لا يهمّ. فقط غابتْ عن حياتنا. وهذا الغيابُ هو ما لجأ إليه الرّاوي حالَ الشّكّ في جدوى تلك الحياة مستعيرا دلالةَ الانتحار من حياتنا الحقيقيّة بحذف حسابه لتصعدَ روحُه المفترضة إلى بارئها. والملاحظُ أنّ الانتحارَ نفسَه (بمعنى حذف الحساب) يتمّ تجريـمُه بمقاييس دينيّة راسخة في حياتنا الحقيقيّة تُجرّم ذلك الفعلَ وتُسنده إلى الشّيطان وتُبشّر فاعلَه بالجحيم. بل الرّاوي نفسُه رغم انحيازه إلى الحياةِ الطبيعيّة القديمة لم يصلْ إلى يقينٍ حول عدم حقيقيّةِ ما يعيشُه مِن حياة جديدة حتّى لحظاتِه الأخيرة حين اتّخذ قرارَ المغادرة أو الغياب. إذ يفاجئه الألمُ والشّعورُ بالإثم مثله مثل المنتحر في الحياة القديمة. يقول:

(وفي المساء كنتُ قد اتّخذت قراري الشّجاعَ بعد دهرٍ من الشّكّ والألم والإحساس العظيم بالإثم).

سؤال: لِمَ كان العنوانُ مزدوَجا: (موتُ الأنا أو موتُ الأنا المفرد)؟ مَن هذا "الأنا المفرد"؟
جواب: عنوانُها (موتُ خديجة وانتحارُ الأنا المفرد). كنتُ فرغتُ من كتابتها ونشرتُها في المدوّنة يومَ 17 فبراير 2014م. (النّصوصُ الموجودة في المدوّنة هي الأصلُ دائما. قد يحدث أحيانا أن أحذفَ بعض الفقرات من قصّة أو قصيدة حين إعادة نشرها على "قوقل بلس" أو "الفيسبوك" لأسباب عدّة من ضمنها خوفُ الإطالة).

كان اسمُها قبل النّشر (موتُ خديجة وانتحارُ الراوي). ولسببٍ لا أدريه لم استلطفْ كلمة "الرّاوي". فاستبدلتُها بـ(الأنا المفرد) لتحملَ ذاتَ الدّلالة وتدعمَ الجانبَ الشّكليّ التّجريبيّ حول الكتابة عن حياة (الفيسبوك) أو الحياة الإلكترونيّة في جانب العلاقاتِ الإنسانيّة.

والأنا هنا هو الرّاوي (الرّاوي العليم) كما هو مفترض في القصّة قديما. هو راوٍ ومشاركٌ أيضا في صُنع الحدث. ومن المفترض، في الأحوال العاديّة، أنّ الرّاويَ يعلم يقينا كلَّ شيء عمّا يرويه، بل قد يخبرنا حتّى بما يدور في ذهن أبطال قصّته. ولكنْ في حالتنا هذه وللطّبيعة الخاصّة للعالم الّذي تدور فيه أحداثُ القصّة فإنّ الرّاويَ يجهل الكثيرَ عن حقيقة ما يرويه أو على الأقلّ هو مشوّشُ المعرفة أو "يشوفه طشاش، طشاش"، كما نقول باللّهجة السّودانيّة، أيْ يراه غيرَ واضح المعالم. وذلك نابعٌ من شكِّه في حقيقيّة الحياة الّتي يعيشُها في ذلك العالم الافتراضيّ. ذلك الشّكُّ النّابع من أواصر لا زالتْ تربطه بالحياة الحقيقيّة وعلاقاتها الإنسانيّة الدّافئة الحميمة. وهذا يدعم ذاتَ الرّؤية الموضوعيّة الّتي تريد القصّةُ أن تؤكّدَها حول حالةِ القلق والشّكّ وانعدام اليقين الّتي تحكم حياةَ (الفيسبوك) وبقيّةَ المواقع الإلكترونيّة أو الحياةَ الجديدة والّتي تؤكّد هُلاميّةَ ذلك العالم أو تلك الحياة في جانب وخداعَها مِن حيثُ العلاقاتُ الإنسانيّة.
سؤال: أتعتقد أنّ للكتابةِ عن العالم الافتراضيّ أدواتٌ فنّيّة خاصّة؟

جواب: إنّ القصّةَ في أحد أبعادها تجريبٌ شكليّ حول الكتابةِ عن عالم افتراضيّ ومتطلبّاتِ ذلك شكلا وانعكاسِه على طريقة السّرد. فمثلا:

"ليأتيني ردُّ الفتاة يفيض باللّوعة والشّجن (كما خُيّل لي)".

"قالتها الفتاةُ وهي تنخرطُ في البكاء (كما هو مُتخيَّل)".

"تركتُها تمسح دموعَها (المفترضةَ)".

"وهتفت الفتاةُ والألم يخنقُ حروفَها (كما هو مفترض)"... إلخ.

لم يكنْ للكلماتِ بين الأقواس مكانٌ في النّصّ قديمًا. فالرّاوي كان يستعملُ كلَّ حواسّه في تبيّنِ حقيقة ما يحدث حوله ويعكسه لنا بكلّ يقين. يرى، ويشمّ، ويسمع، وقد يلمس، ويتذوّق. والحدثُ أمامه بكلّ أبعاده. ويتحاور مع الشّخصيّات مشافهة ووجها لوجه. فتأتي عباراتُه متيقّنةً وقاطعة في أغلب الأحوال تدعمها الحواسُّ جميعُها أو أغلبُها. أمّا هنا فإن الحواسَّ معطّلة. فقط هما عينان تحدّقان في شاشةٍ باردة، وأصابعُ تضغط على لوحة المفاتيح. فيعتمد الرّاوي على خبراته السّابقة في العالمِ الحقيقيّ ليعكس لنا (المفترَض) حدوثُه في مثل هذه الأحوال مِنْ مشاعر إنسانيّة ترافق أحداثا معيّنة أو عبارات معيّنة كالسّعادة أو الحزن. ولكنّها تأتي باردة مشكوكا في حقيقةِ حدوثها. فهذه الحياةُ الجديدة في جانبها الإنسانيّ تبدُو ككائنٍ طفيليّ يمتصّ بعضا من حياتنا الحقيقيّة القديمة ويعيش عليه. (بصورة فيها الكثير من التّجنّي والزّيف). وهي طفيليّة اعتماديّة، تكون نهايتُها ضعفَ العائل ومرضه ومن ثمّ موتَه، وتضخّمَ الكائن الطفيليّ وسرعةَ نموّه ومن ثمّ موتَه بالضّرورة بموتِ العائل.

رغم أنّ تلك الحياةَ الجديدة تستمدُّ قاموسها من حياتنا الحقيقيّة وتعتمد عليه فإنّ مفردات ذلك القاموس يتمّ تحويرُها بدرجة مّا لتبتعد قليلا أو كثيرا عن معناها الحقيقيّ ولتؤدّي ذاتَ دورها في اتّجاه آخر يعتمد مقاييس جديدة. وهذا يعني إفراغَها من محتواها الحقيقيّ الواقعيّ لتتغذّى بها الحياةُ الجديدة، بينما تفتقر الحياةُ القديمة بتمييع دلالة الكلمات والألفاظ والعبارات. من الشّواهد مثلاً:

(- نعم. لقد ماتت منذ أكثر من أسبوع. لاحظنا أنْ لا منشورات، لا تعليقات، لا إعجابات..!

اِرتسم ذلك الرّدُّ المتيقّن على الشّاشة أمامي مؤكّدا موتَ الفتاة. ولكنَّ شكّي القديم دفعني لأتساءل مرةً أخرى فضغطتُّ على الزّرّ لأقول:

- وهل هذا دليلٌ كافٍ؟!).

إنّ ما يجعل الرّاويَ غيرَ متوافق مع الاتّجاه السّائد هو (شكُّه القديم)، بقيّةٌ من حياته الحقيقيّة لا زالتْ عالقةً في ذهنه تعتمد مقاييسَه القديمة في تبيّنِ حقيقة الأشياء. فيأتيه الرّدُّ:

(وهل ينتابكَ شكّ بعد كلّ ما قلتُ لك؟! فلنتحلَّ بالإيمان، ونتقبّل الأمر. إنّا لله وإنّا إليه راجعون. اِرجعْ إلى صفحتها، وسترى أنّها قد ماتت منذ أسبوع دون أن يلاحظ أحدٌ ذلك. اِرجعْ إلى منشوراتها، وستلاحظ أنّها كانت تنعم بالصّحّة والعافية ككلّ الأحياء. عشرون مشاركة في اليوم ومئات التّعليقات والإعجابات، لم تكنْ تشكُو من شيء. كان موتُها فجائيّا... آهٍ يا قلبي).
هذه هي الحياةُ الجديدة المخادِعة الّتي بدأتْ تتسلّلُ بكلّ تفاصيلها الغريبة واللاّمعقولة لتحلّ محلَّ حياتنا القديمة الّتي عرفناها وألفناها. بل أخذتْ تسرق بعضَ تفاصيلها وتشوّهها وتحلّ محلَّها. تقوم على الإيحاء وانطلاق الخيال بما يتمنّى أكثر من اعتمادِها على واقع ماديّ محسوس. فنحن الّذين نصنعُها لأسبابٍ ذاتيّة وموضوعيّة في ذات الآن. إنّها دليلٌ على قصورٍ تعاني منه في الواقع تستنفره وتستمدّ منه قوّتها معتمدةً على الخيال. فالحياةُ الجديدة تقوم على الكثير من الخيال والأماني المجهَضة والأحلام الّتي لا سبيل لتحقيقها في الواقع أو حتّى رغباتنا الّتي نخجل من قولها. الأسماءُ الرّمزيّة الّتي نتعامل بها مع الآخرين نفسُها تُعطي صورةً للمقابل تتطابق في مخيّلتنا والاسمَ الافتراضيَّ. وهي الأساسُ لتصوّرنا للآخر المقابل وصفاته مِن تديّن وتقوى أو جمال أو رومانسيّة، وتشحذ خيالنا تجاهه. فيصدّقه، ويضخّمه، ويتعامل معه باعتباره حقيقةً. والصّورُ الشّخصيّة الرّمزيّة أيضا تبدو مُوحيةً بعالم جديد قد لا يطابق حقيقةَ الشّخصيّة. بمعنى أنّنا نعيش في الوهمِ الجميل الّذي نتوقُ إلى أن يصبحَ جزءا من حياتنا الواقعيّة. ثمّ إنّ هذه الحياةَ الجديدةَ توفّرُ لنا مساحةً من الحرّيّة تنقصنا. ولكنّها تسرقنا مِن حياتنا وتبتعد بنا عن الواقع بدرجات مختلفة. وكلُّ ذلك النّقص يمكن توفيرُه في حياتنا الحقيقيّة بقليلٍ من الجهد والصّدق والشّجاعة في مواجهة أنفسنا والآخر والتّصالح مع الحياة. وهذا ما سيظهر لاحقًا في أقصوصتي (سلمى حوريّةُ البحرِ الزّرقاءُ) الّتي تمّ فيها التّصالحُ بين الحياتين بإضافةِ إيجابيّةٍ تنقص حياتَنا القديمة الّتي هي الأصلُ. كان ذلك في نهاية مفاجئةٍ للقصّة تكشف جمالَ الوهم وسطوةَ الخيال، وجمالَ الواقع أيضا بعد إعادة اكتشافه وتصحيحه.


فوزية الشطي

شاعرة تونسية

من نفس المؤلف