من خفايا الصدام الناصرى- الشيوعى "١٩٥٩ -١٩٦٤"

، بقلم عمرو صابح

فى صيف عام 1996 سمح نظام مبارك بعرض فيلم "ناصر 56 " فى دور السينما، قوبل الفيلم بنجاح جماهيرى كاسح وحقق أعلى الإيرادات فى تاريخ السينما المصرية حتى تاريخ عرضه، أثار النجاح الجماهيرى للفيلم غضب الكثيرين من مؤيدى نظام السادات – مبارك، وكان منهم الراحل الدكتور عبد العظيم رمضان أستاذ التاريخ الذى بدأ يسارياً وانتهى كواحد من ذيول نظام السادات – مبارك بعدما تم طرده من حزب التجمع عقب تأييده لسلام السادات مع الصهاينة، انطلق عبد العظيم رمضان بعد أن نال رضا النظام ليخصص معظم وقته وجهده لمهاجمة جمال عبد الناصر وعهده، وأنعم عليه الرئيس مبارك برئاسة تحرير سلسلة تاريخ المصريين التى كانت تصدر من الهيئة العامة للكتاب، وعبرها نشر عبد العظيم رمضان عشرات الكتب له ولغيره التى تهاجم جمال عبد الناصر وثورته ونظامه.

أثار الاقبال الجماهيرى الواسع على فيلم "ناصر 56 " غضب عبد العظيم رمضان، ورأى ان الفيلم يزور التاريخ ويضفى أمجاداً وهمية على جمال عبد الناصر، ويشكل جزءً من مؤامرة ناصرية تهدف للتسلل للدائرة المغلقة المحيطة بالرئيس حسنى مبارك!!!

وكان من أشد ما أثار سخط عبد العظيم رمضان احتفاء حزب التجمع بالفيلم، لذا قرر رمضان ضرب عصفورين بحجر واحد عبر إعادة فتح ملف قصة صدام جمال عبد الناصر مع الحركة الشيوعية فى الفترة من 1يناير 1959 حتى الإفراج عنهم قبيل زيارة الزعيم السوفيتى نيكيتا خروشوف لمصر فى مايو 1964، قام رمضان بكتابة 95 مقال فى جريدة الوفد فى الفترة من 19 أغسطس 1996 حتى 29 يونيو 1998، ثم قام بجمع تلك المقالات فى كتاب من جزئين صدر فى نوفمبر 1998 بعنوان "قصة عبد الناصر والشيوعيين ... دراسة تاريخية" عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، وكان ثمن الكتابين 6 جنيهات فقط، رغم ان عدد صفحات الكتابين تزيد عن 700 صفحة.

فيما أسماه عبد العظيم رمضان دراسته التاريخية عن قصة عبد الناصر والشيوعيين، جمع رمضان العديد من الصفحات التى يروى فيها الشيوعيون المصريون ذكرياتهم عن تعذيبهم خلال فترة اعتقالهم فى عهد عبد الناصر، وخصص لكل حادثة مقال أو أكثر من دراسته، ولكنه ذلك على ما يبدو لم يكن كافياً له، فقام بنشر مقتطفات من خطاب مصطفى أمين -الصحفى اليميني المدان بالتجسس لصالح المخابرات المركزية الأمريكية- إلى الرئيس عبد الناصر بعد القبض عليه.

كان تفسير رمضان للصراع بين عبد الناصر والحركة الشيوعية هو رفض الشيوعيين للوحدة بين مصر وسورية، وان النظام الناصرى نظام فاشى نازى لا يقبل الاختلاف لذا قام بمطاردة وسجن وتعذيب الشيوعيين بلا رحمة لمعارضتهم للوحدة!!

ورغم ان رمضان كان كما يصف نفسه أستاذ تاريخ متخصص، إلا أنه وقع فى خطأ مضحك عندما اتهم الشيوعيين المصريين بالسادية لدفاعهم عن جمال عبد الناصر ونظامه، فالصحيح حسب تفسير رمضان لعلاقة الشيوعيين بعبد الناصر، أن يكون الشيوعيون مازوخيين وليسوا ساديين، لأن عبد الناصر هو الذى عذبهم بينما هم رغم تعذيبهم على يديه يدافعون عنه.

لأن السادى هو من يستمتع بتعذيب الأخرين، بينما المازوخى هو من يستمتع بتعذيب الأخرين له.

وعلى امتداد صفحات الدراسة الضخمة ورغم افتخار رمضان الدائم طيلة الدراسة بكونه أستاذ تاريخ محايد ومتخصص، لم يتطرق رمضان للأسباب التى يمكن أن تكون أكثر منطقية ووضوحاً لسبب الصدام الناصرى الشيوعى لمدة زادت عن 5 سنوات، والتى يمكننا بترتيب الأحداث والربط بينها الوصول إليها عبر السطور التالية:

فى 22 فبراير 1958 تمت الوحدة المصرية السورية، واندمج البلدان فى دولة واحدة تحت أسم "الجمهورية العربية المتحدة"، عارض الاتحاد السوفيتى قيام دولة الوحدة، وتبعه فى موقفه غالبية الشيوعيين فى مصر وسورية.

مما أدى لفتور فى العلاقات المصرية السوفيتية، وصل لدرجة ان الاتحاد السوفيتى كان من أواخر الدول التى اعترفت بدولة الوحدة.

فى 14 يوليو 1958 اندلعت الثورة فى العراق لتطيح بالحكم الملكى وتبيد الأسرة المالكة العراقية، جاءت الثورة العراقية بعد أقل من 5 شهور على قيام الوحدة المصرية السورية، وقادها عبد الكريم قاسم ذو الميول الشيوعية، وعبد السلام عارف القومى العربى.

فى البدء هاج الغرب لقيام الثورة، ونزلت قوات المارينز الأمريكية فى لبنان، والقوات البريطانية فى الأردن لحماية النظامين اللبنانى والأردنى من المد القومى الناصري الذى يهدد مصالح الغرب، خاصة بعد وصول الثورة للعراق أحد أهم منابع البترول فى العالم.

بعد أن هدأ الهياج الغربي، اتضح الانقسام السياسي بين زعيمى الثورة العراقية، وسرعان ما تخلص قاسم من عارف وألقاه فى السجن، متهماً إياه بالعمالة لعبد الناصر، والسعى لضم العراق للجمهورية العربية المتحدة، وبدأت حرب إعلامية ضروس بين نظام قاسم الذى سيطر عليه الشيوعيون فى العراق، وحظى للمفارقة بدعم سوفيتى وبريطانى فى مواجهة نظام عبد الناصر القومى العربي.

بدأ قاسم التنكيل بالقوميين العرب والناصريين فى العراق عبر سجنهم واغتيالهم بوحشية مفرطة، وللأسف فى خطوة تتسم بالغباء السياسي، تورطت معظم التنظيمات الشيوعية فى مصر، وفى سورية، فى مساندة وتأييد نظام قاسم، وانتقاد ومهاجمة النظام المصري، مما أدخل تلك التنظيمات فى أتون المعركة بين النظامين.

فى ليلة رأس السنة 1 يناير 1959، جاء الرد الناصري بحملة أمنية هائلة ضد كل الشيوعيين فى كلاً من مصر وسوريا.

صاحب تلك الحملة الأمنية حملة إعلامية ضخمة للهجوم على الشيوعية واتهام الشيوعيين بالعمالة والإلحاد، كما شارك الرئيس جمال عبد الناصر ذاته فى تلك الحملة عبر خطاباته الرسمية التى نعت فيها الشيوعيين بالعمالة وتلقى الوحى من الاتحاد السوفيتى، والتبعية.

كان لتلك الحملة الناصرية الشرسة على الحركة الشيوعية فى مصر وسورية صدى طيب فى الولايات المتحدة الأمريكية، فقد نشب صراع مرير ودموى بين نظام يقود حركة التحرر الوطنى فى أفريقيا وأسيا ويمتد تأثيره حتى أمريكا اللاتينية وبين قوة سياسية تنتمى لنفس حركة التحرر الوطنى وتتلاقى مع النظام الناصرى فى الكثير من أهدافه.

لذا يبدو لافتاً للنظر ان الولايات المتحدة الأمريكية وافقت على إدخال مصر لقائمة الدول المستفيدة من القانون 480 للحاصلات الزراعية مع بداية عام 1959، وعقدت مع مصر أول اتفاقية لتوريد القمح الأمريكى لمصر لمدة 3 سنوات

(1959، 1960)1961، وعندما انتهت الاتفاقية الأولى تم توقيع الاتفاقية الثانية لمدة 3 سنوات جديدة (1962، 1963 )1964.

وصل حجم الاتفاقيتين لمبلغ 900 مليون دولار، وهو مبلغ هائل بمقاييس هذا الزمان، وفرت الاتفاقيتان لمصر مبلغ ضخم من العملة الأجنبية لأن تسديد ثمن القمح كان يتم بالعملة المحلية وبتيسيرات واسعة فى السداد، تم استغلال ذلك فى تنفيذ الخطة الخمسية الأولى وتحقيق مشروعات التنمية المصرية، فضلاً عن ذلك سمحت تلك الاتفاقيات لمصر بالتوسع فى زراعة المحاصيل النقدية التى تدر عملات صعبة على حساب زراعة القمح، لأن تلك الاتفاقيات وفرت لمصر ثلث احتياجاتها من القمح.

وهكذا حققت حملة النظام الناصرى على الحركة الشيوعية فائدة مزدوجة للنظام وأيضاً للولايات المتحدة الأمريكية.

ظلت المعركة بين نظام قاسم ونظام ناصر مستعرة حتى نهاية نظام قاسم فى 8 فبراير 1963.

ساند ناصر انقلاب الشواف ضد قاسم عام 1959، وقد فشل الانقلاب بوفاة الشواف فى بدايته، كما تصدى لمحاولة قاسم ضم الكويت للعراق سنة 1961، مما جعل قاسم يقرر انسحاب العراق من جامعة الدول العربية.

لعب قاسم دور مهم فى الانقلاب ضد الوحدة فى 28 سبتمبر 1961.

فى 8 فبراير 1963 وقع انقلاب عسكرى ضد حكم عبد الكريم قاسم وتم قتله خلاله، والتنكيل بالشيوعيين فى العراق، وعاد عبد السلام عارف للسلطة.

رغم الخلافات بين النظامين المصرى والسوفيتى، ساهم السوفيت فى تمويل وتنفيذ مشروع السد العالى، كما واصلوا إمداد الجيش المصرى بأسلحتهم، كما دعموا الموقف المصرى تجاه ثورة اليمن سياسياً وعبر تسليح القوات المصرية فى اليمن.

فى مايو 1964 قبيل زيارة الزعيم السوفيتى خروشوف لمصر للاحتفال بالانتهاء من تنفيذ المرحلة الأولى من إنشاء السد العالى، قرر الرئيس عبد الناصر الإفراج عن الشيوعيين، وكانوا قد قضوا فى سجون نظامه أكثر من 5 سنوات.

وتم بالفعل تصفية المعتقلات من الشيوعيين المصريين، وحاول النظام دمجهم فى مؤسساته الثقافية والصحفية والسياسية.

فى 13 أكتوبر 1964 تم عزل الزعيم السوفيتى "نيكيتا خروشوف" من منصبه، وكان من ضمن أسباب قرار عزله، المساعدات الاقتصادية الضخمة التى يقدمها لمصر والتى فاقت المساعدات السوفيتية لأى نظام أخر فى العالم، رغم ان النظام المصرى يعادى الشيوعيين وينكل بهم، كما كان من ضمن الأسباب أيضاً، قراره بمنح الرئيس عبد الناصر والمشير عامر وسام بطل الاتحاد السوفيتى رغم ان كليهما من المعادين للشيوعية!!

فى نهاية عام 1964 كانت الاتفاقية الثانية لتوريد القمح الأمريكى لمصر سوف تنتهى، وكان المنتظر من الجانب المصرى أن يبدأ التفاوض بين الحكومتين لتوقيع اتفاقية جديدة.

على الجانب الأمريكى جاء التقارب المصرى السوفيتى، واطلاق سراح الشيوعيين المصريين، ورفض عبد الناصر مراقبة برنامجه النووى وبرامجه لصناعة السلاح خاصة فى مجالى الصواريخ والطائرات، والحرب فى اليمن، لتشكل كلها عوامل مجتمعة لكى تستخدم الولايات المتحدة الأمريكية سلاح القمح لتطويع جمال عبد الناصر.

رفضت الحكومة الأمريكية عقد اتفاقية جديدة مع مصر لمدة 3 سنوات، وقررت أن تقتصر الاتفاقية الجديدة على سنة واحدة، وجاء رد الرئيس عبد الناصر فى خطابه بعيد النصر ببورسعيد فى 23 ديسمبر 1964 عندما قال:

"امبارح السفير الأمريكى قابل نائب رئيس الوزارة للتموين وراح عنده مقموص وزعلان وقعد عنده دقيقتين، وكان مفروض حيكلمه على التموين - المواد التموينية اللى احنا بنجيبها من أمريكا حسب قانون الحاصلات - وقال له والله إن أنا ما باقدرش أتكلم أبداً دلوقت فى هذا الموضوع.. ليه؟ لأن سلوكنا يعنى - احنا - هنا فى مصر مش عاجبهم. أنا باقول له هنا اللى سلوكنا مش عاجبه يشرب من البحر وإن ماكفهوش... وقلت هنا اللى ما يكفيهوش البحر الأبيض بندى له البحر الأحمر يشربه كمان!".

مع بداية عام 1965 بدأت العلاقات المصرية الأمريكية تدخل لمرحلة من العداء ظلت تتصاعد حتى بلغت ذروتها باندلاع عدوان 5 يونيو 1967، والدور الأمريكى الكبير فيه، وعقب العدوان تم قطع العلاقات الدبلوماسية بين مصر والولايات المتحدة، وإثر هذا القرار المصرى قطعت معظم الدول العربية علاقاتها الدبلوماسية بالولايات المتحدة، وتم خروج 62 ألف أمريكى من العالم العربى فى مشهد مهين لهيبة الولايات المتحدة الأمريكية، وهاج الرئيس الأمريكى جونسون معتبرا ما حدث صفعة لمكانة الولايات المتحدة وتحريض شرير من الرئيس عبد الناصر.

استغل الرئيس جمال عبد الناصر تناقضات النظام العالمى ببراعة لفترة طويلة، وقد مكنه ذلك من الاستفادة الاقتصادية من المعسكرين الشرقى والغربى، لعب الشيوعيون دوراً فى خدمة مصالح النظام الناصرى وخططه رغماً عنهم خلال الفترة من 1959 حتى 1964، وعندما قرر عبد الناصر الإفراج عنهم، بدأت عجلة العداء الأمريكى المصرى السافر فى الدوران، ولم تتوقف حتى وفاة عبد الناصر.


عمرو صابح

كاتب مصري

من نفس المؤلف