قصة سيناريو

، بقلم محمد متبولي

قصة قديمة ومكررة، اعتاد البطل لفترة طويلة المرور بجوار البطلة محاولا بذلك لفت انتباها لكى تراه، فعل ذلك بشكل منتظم خلال عدة أشهر دون جدوى، فجأة شعر البطل بالخطر، ماذا لو فقد البطلة، كيف سيتصرف، وماذا سيفعل، فكر فى وسيلة لكى تراه بها، أرسل إليها رسالة فصدته على الفور، شعر البطل بحالة من الضيق الشديد والإحباط، فكيف للبطلة أن تصده بتلك الطريقة دونما أن تعطى لنفسها حتى فرصة للاستماع أو التفكير، لكنه قرر تقبل الأمر، فمن المؤكد أن البطلة حسمت موقفها منذ زمن بعيد، وكانت فقط تنتظر أية إشارة منه لتنهى الأمر، فذهب إليها ثم سلم عليها معبرا لها عن إمتنانه لتلك الفترة القصيرة التي عرفها فيها، ورحل، ثم سار كل منهما فى طريقه.

نظر كاتب السيناريو للقصة السابقة للفيلم، فلم يجد فيها مبتغاه، فكيف أستسلم البطل بتلك السهولة، وكيف لم يقف ليواجه، وكيف فرط فى البطلة التى أراد الارتباط بها منذ زمن بعيد، فحتى لو أراد كتابة السيناريو لتلك القصة فلن يخرج سوى فيلم قصير من عشرة مشاهد، ولو حاول إطالته فسيكون فيلما مملا، وبفرضية أنه سيجد الجهة الإنتاجية، فمن هو ذلك الجمهور الذى سيذهب ليدفع ثمن تذكرة سينما ليشاهد مثل هذا الفيلم، خطر خاطر بباله فقرر استكمال القصة بطريقة أخري، بادئا من نهاية القصة السابقة.

ذهب البطل للبطلة، ثم سلم عليها، ورحل، ولكنه بعد أن رحل، أخذ يفكر، لماذا لم تراه البطلة كل تلك الفترة الطويلة، ولم تشعر بمحاولاته المضنيه فى الوصول إليها، ربما كانت طريقته خاطئه، أو ربما شعرت البطلة بكل ذلك ولم يعجبها، حينها عاوده الإحباط وقرر أن يستسلم تماما، فالبطلة لم تتفهم جيدا أنه ربما أراد أن يقول لها الكثير ومستعد ليفعل من أجلها الكثير، ولكنه لا يستطيع أن يعبر عن ذلك، خاصة وقد أمضى وقتا طويلا من عمره، كلما وقف وتحدث مع أى إمرأة ولو كانت تستوقفه سائلة عن عنوان شارع، يصيبه التوتر والقلق.

صحيح أن تلك العقدة قد فارقته منذ زمن بعيد لكن على ما يبدو أن البطلة أيقظتها، فأصبح يمكنه التعامل دون قلق أو حرج مع نساء العالم أجمع عدا البطلة، فما إن يقترب منها حتى يحاول تقصير الثوانى التى تراه فيها كي لا ترى وجهه المتعرق أو عينيه الزائغتين، فلم يكن البطل يرغب فى أن تشعر البطلة بضعفه أمامها، خاصة وأنها لم تطمأنه قط، وفضلت دائما بناء سور عال بينهما وأخذت كل يوم تعلي ذاك السور درجة.

ومع شعوره بمرارة الهزيمة، وعدم القدرة على المواجهة، طفق إلى ذهنه خاطر غريب، كيف له أن يقدم على إقتحام حصن منيع، ويهرب مع أول طلقة مدفع توجه إليه، وكيف يفرط فى حلمه بتلك السهولة، كيف سينظر لنفسه بعد ذلك، وكيف تنظر هى إليه الان، ربما كانت تلك هى المشكلة من الأصل، فهى تراه مترددا دائما، وترى تردده مخيفا لها، فماذا لو منحته الفرصة وخذلها، هنا قرر البطل أن يوجد وسيلة جديدة للتحدث مع البطلة بشكل مباشر، فكر فى أن يذهب ويقف أمامها ويخبرها بما يريد، ولكن ماذا لو حلت عليه عقدته القديمة حينها، قطعا سيخسر كل شئ، قلب في كل وسائل وطرق التواصل المعروفة فلم يجد وسيلة تناسبه.

فكر مليا وسأل نفسه سؤالا غريبا، لماذا يريد أن يفعل الأشياء على طريقة الآخرين، لماذا لا يفعلها على طريقته الخاصة، فعليه أن يعبر عن مشاعره بالطريقة التى تريحه حتى يخرج كل شئ صادقا، ولكن ماذا لو لم تتفهم البطلة تلك الطريقة، وهنا تجمعت أمامه الأفكار، فشاء أم أبا فهو ليس كمن حوله لكي يفكر مثلهم ويتصرف مثلهم، لا لأي شئ سوي لأنه مختلف، فقط إنسان مختلف، فلماذا يتعامل العالم مع اختلافه علي أنه تمرد عليه، ويحاول بشتي الطرق الممكنة إخضاعه، صحيح أنه كثيرا ما ينجح العالم في ذلك، لكن ليس معني هذا أنه يتقبل، ولكن أيضا ماذا لو أصر هو علي طريقته هذه المره ولم تتفهمها البطلة، فنظرت إليه علي أنه شخص غريب الأطوار،أو كائن منقرض كالديناصور مثلا، أو خرافي كالتنين أو حتى خيالي كالكائنات الفضائية، فمن الوارد جدا أن تعجب البطلة بكائن فضائي ولكن من شبه المستحيل أن ترتبط به، فمن المؤكد أنها لن يخطر ببالها أن البطل يحمل في جنباته معاناة الإنسانية منذ ملايين السنين وحتي ساعته وتاريخه، وأنه كان معهم.

كان معهم وآلاف البشر البدائيين يموتون من الصقيع لأنهم لم يكتشفوا النار بعد، وأنه كان يقف بجوار أول إنسان بدائي يحك الحجر ببعضه، ورآه وقد خاف وأرتعد، ثم أرتد للخلف مذعورا وهو يري حفنة من قش تشتعل، ثم تقدم نحو النيران ببطئ فشعر بالدفئ، حينها أطمئن لأنه عرف أن أبناءه الصغار لن يحدث لهم كما حدث لسابقيهم الشتاء الماضي، فلن يموتوا من البرد، وأنه يستطيع أن يحميهم الان، كان معهم ومئات العبيد يساقون بالسياط ليباعوا ويشتروا كالأنعام، كان معهم والملايين تباد وتشرد عبر العصور والزمان، كان معهم وهم يفرحون بما أنتجه العلم، وكان معهم وهم يستغلونه في القتل والتدمير، كان معهم فى كل مآسى الانسانية وأفراحها.
لماذا كان معهم ولماذا ذهب هناك من الأصل، ربما تسأل البطلة عن ذلك، ولكن الإجابة بسيطة، كان وذهب هناك لأنه إنسان، ولكنها كإنسان مثله تماما لم تكن هناك هكذا ربما تقول، ولكن ذلك ليس صحيحا، فالكل كان هناك لكن البعض تذكر والبعض نسى أو تناسى، فربما لأنه علي البعض أن يفكر في مصير الانسانية حتي ولو لم يكن لهم دور في صنعه كان عليهم أن يتذكروا، فماذا لو لم ترد البطلة أن تتذكر، هو أيضا لم يختر أن يتذكر ولكنه المصير، وهنا ومع تلك الأفكار المتدفقه، أنهي البطل كتابة القصة، تاركا نهايتها مفتوحة لكي يقرر كل بطل وبطلة يقرآنها في المستقبل النهاية الملائمة لهما، ثم طوي الورقة وكتب عليها إهدائه للبطلة.

جلس كاتب السيناريو حائرا، أى قصة سيكتب، قصة البطل والبطلة، قصة البطل الحائر الذى يحاول العالم قمعه، أم قصة البطلة الخائفة من تردد البطل، أم قصة ذاك الانسان البدائى المسكين وتلك الانسانية المعذبة، أم قصة البطل معهم، أم يا ترى يكتب قصة أخرى ليس لها علاقة بكل ذلك، ثم أبتسم وترك الورق وقام ليصنع لنفسه فنجان من القهوة حتى يستطيع أن يفكر، فقد أصبح أمامه الان عدة قصص خرجت من قصة قديمة مستهلكة، فأحيانا تكون أهمية القصص القديمة أنها تتولد منها قصصا جديدة لم تكن تخطر ببال أحد من قبل، وكلها قصص تصلح لكى تكون فيلما روائيا طويلا، يمكن أن يجد طريقه بسهولة إلي قلب الجمهور.
تمت


محمد متبولي

مهندس ميكانيكا وكاتب مصري مقيم بالقاهرة.

من نفس المؤلف