السُّوقة

، بقلم فاروق مواسي

كنت أظن أن السُّوْقَة تعني الناس غير الحضاريين، أو غير المهذبين، وأن الكلمة نسبة إلى السوق*، حيث يكون فيه هرَج ومرَج، وأناس يساومون ويتصايحون ويتلاحَون.

بحثت عن الكلمة في المعاجم فإذا معناها (الرعيّة)، وسُموا بالسوقة، لأن الملك أو الحاكم يسوقهم إلى إرادته، فينساقون. (انظر مادة "سوق" في لسان العرب)،

فالسوقة هم الناس خلاف ذوي السلطان، والجمع هو "السُّـوَق".

قال زهير:

يطلب شأوَ امرأينِ قدّما حسَنًا
نالا الملوكَ وبذّا هذه السُّوَقا

(سوقة) تستعمل لجميع الضمائر، فهو سُوقة، نحو قول نهشَل بن حَرِّيّ:

ولم ترَ عيني سوقةً مثلَ مالك
ولا ملكًا تجبي إليه مرازبُه

وهي سوقة، وهما ، وهم، وهن سوقة.

قالت حُرَقَة بنت النعمان بن المنذر لسعد بن أبي وقّاص:

فبينا نسوسُ الناسَ والأمرُ أمرُنا
إذا نحن فيهم سوقةٌ نتنصّف
فأفٍّ لدنيا لا يدوم نعيمها
تَقَلّبُ تاراتٍ بنا وتَصَرَّفُ

(نتنصف= نخدُم الناس)

وأما أهل السوق فيسمون السوقيين، والواحد سوقِيّ، وليس شرطًا أن يكون للفظة دلالة سلبية.

(انظر الحريري: دُرّة الغوّاص، مادة 214، ص 270)

وردت كلمة (سوقة) بمعنى- من ليس له سلطان في عدد من النصوص، أشهرها هذه القصة:

"كان جبَلَة بن الأيهَم يطوف بالبيت محرِمًا، وعليه إزاران قد تردّى بواحد، واتّزر بالآخر إذ وطئ رجل من فَزارة طرف إزاره فانحلّ عنه حتى بدت عورته، فغضب ووثب على الرجل فلطمه، فتعلق به الرجل وجماعة معه وانطلقوا به إلى عمر، رضي الله عنه، وشهدوا عليه.

فقال عمر: أقِدِ الرجل أو استوهبه منه.

فقال جَبَلَة: وكذلك هذا الدين؟ ألا يفضل فيه شريف على وضيع، ولا ملك على سوقة؟
قال عمر: قال الله تعالى، وقوله الحق: "إن أكرمكم عند الله أتقاكم"، إن الناس شريفهم ووضيعهم في الحق سواء.

فانصرف جبلة، فلما جنّ عليه الليل خرج في حشمه وعياله حتى لحقوا بأرض الشام مرتدًا عن الإسلام".

(ابن عبد ربه: العقد الفريد، ج2، ص 56؛ البيهقي: المحاسن والمساوئ، ص 43- باب "مساوئ من ارتد عن الإسلام").

ملاحظات:

* السوق: السوق تذكر وتؤنث.

وقد وردت في صورة الجمع (الأسواق) في الذكر الحكيم:

"إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ"- الفرقان، 20.

** جدير بالذكر أن الأسواق كات سببًا في تفوق لهجة قريش، فقد كان الجاهليون يقيمونها للتسوق والتجارة، وينتقلون من سوق إلى آخر، فيتقارضون بالقول، ويتفاوضون في الرأي، ويرتجلون الشعر ويُحكّمون فيه، متباهين بالفصاحة، متفاخرين ومتنافرين، فكان ذلك عونًا على توحيد اللسان، وانتقاء الكلمات التي تفهمها القبائل.

أشهر هذه الأسواق عُكاظ ومَجَنّة وذو المجاز، والأولى هي الأشهر، حيث كانت تقام قرب الطائف في شهر ذي القعدة أي في شهر من الأشهر الحرُم.


فاروق مواسي

بروفيسور، أديب، وأكاديمي فلسطيني، دكتوراة في الأدب العربي

من نفس المؤلف