الفِِـراسة

، بقلم فاروق مواسي

الفِراسة علم من علوم العرب في عصورهم الأولى، ويعني الاستدلال بهيئة الإنسان وشكله ولونه وقوله على أخلاقه وفضائله ورذائله، وقد نبغ من العرب من لهم نوادر شتى في ذلك.

معنى "الفِراسة" في المعاجم النظر والتثبّت والتأمل للشيء والبصر به، يقال إنه لفارس بهذا الأمر أي عالم به، وفي حديث شريف ورد "اتقوا فِراسة المؤمن"- انظر مادة فرس في (لسان العرب).

انتبه إلى أن الفَراسة (بفتح الفاء) تعني ركوب الخيل. ورد في الحديث: "علموا أولادكم العَوم والفَراسة"!

من الشعر الذي أشار إلى هذه الفِراسة:

قال سَـلْم الخاسر:

لا تسأل المرء عن خلائقه
في وجهه شاهد من الخبر

وقال عبد الله بن رُواحة في وصف الرسول الكريم:
لو لم تكن فيه آيات مبيَّنة
كانت بداهته تنبيك بالخبر

رأى بُـكَـير بن الأخنس المهلّبَ وهو غلام، فقال متوسمًا:

خذوني به إن لم يسدْ سَرَواتِهم
ويبرعَ حتى لا يكون له مثلُ

(الجاحظ: البيان والتبيين، ج3، ص 234 )

ونحو هذا البيت ما قيل إن أحدهم قال عن معاوية وهو مع أمه وهو صغير:

"إني أظن أن هذا الغلام سيسود قومه.

فأجابته هند- أم معاوية:

ثكلته أمه إن كان لا يسود إلا قومه".

(ابن قتيبة. عيون الأخبار ج1، ص 326)

من قصص الفِراسة ما يقال إن أولاد نزار بن معد بن عدنان ذهبوا إلى الأفعى الجُرهُمي ليحكم بينهم في ميراث أبيهم.

ركبوا رواحلهم قاصدين “الأفعى” تنفيذا لوصية والدهم، فلما كانوا من نجران على مسافة يوم اذا هم بأثر بعير.

فقال إياد: إنه أعور. (يرى بعين واحده).

فقال أنمار: وإنه لأبتر. (مقطوع الذيل).

فقال ربيعة: وإنه لأزْوَر. (أعرج مائل الجسم).

وقال مضر: وإنه لشرود لا يستقر. (هارب هائم على وجهه)

فلم يلبثوا حتى جاءهم راكب، فلما وصلهم قال: هل رأيتم بعيرًا ضالا؟

فوصفوه له كما تقدم (أعور، أبتر، أزور، شرود).

فقال الراكب: إن هذه لصفته عينًا، فأين بعيري؟

قالوا: مارأيناه.

فقال:أنتم أصحاب بعيري، وما أخطأتم من نعته شيئًا.

فأكملو طريقهم ليحتكموا الى رأي الملك، فلما أناخوا بباب الأفعى و أستأذنوه، فدعا به “الأفعى”، وقال له ما تقول يا هذا؟

قال: أيها الملك، ذهب هؤلاء ببعيري.

فسألهم الأفعى عن شأنه فأخبروه.

فقال لإياد :ما يدريك أنه أعور؟

قال: رأيته قد لحس الكلأ من شق والشق الآخر وافر- (يأكل العشب من ناحية دون الأخرى).
وقال أنمار: رأيته يرمي بعره مجتمعًا، ولو كان أهلب لمصع به فعلمت انه أبتر. (يخرج الروث متجمعًا، وليس متفرقا يمينًا و يسارًا).

وقال ربيعة: أثرُ إحدى يديه ثابت، أما الآخر فاسد، فعلمت أنه أزور.

وقال مضر: رأيته يرعى الشقة من الأرض، ثم يتعداها، فيمر بالكلأ الغض فلا ينهش منه شيئًا فعلمت أنه شرود.

فقال الأفعى: صدقتم، وليسوا بأصحابك، فالتمس بعيرك يا رجل!
ثم سألهم الأفعى عن نسبهم فأخبروه، فرحب بهم وحيّاهم، ثم قصوا عليه قصة أبيهم، فقال لهم:

كيف تحتاجون إليّ وأنتم على ما أرى؟

(ابن الجوزي، الأذكياء، ص 53؛ ابن حِجّة الحَمَوي: ثمرات الأوراق، ص 174- مكتبة الخانجي).

وللقصة تتمة فيها هذه الفِراسة التي برزت لدى الأخوة.

(ابن الجوزي، الأذكياء ص 55 وما بعدها).

ثم إن (القِيافة) ضرب من الفراسة منشؤها قوة الخيال والحافظة والذكاء، وهي الاهتداء بآثار الأقدام على أربابها أو الاستدلال بهيئة الإنسان وأعضائه على نسبه، ولا يزال هذا العلم قائمًا في مضارب البدو.

مما ذكر أن قائفًا كان يعرف أثر الذرّة الأنثى من الذرة الذكر على الصفا- أي على الصخرة، والذر صغار النمل، وقد ورد في (الكامل في اللغة والأدب، ج2، ص 743) للمُبرِّد:

"ومن ذلك ما يحكون في خبر لقمان بن عاد، فإنهم يصفون أن جارية له سئلت عما بقي من بصره، لدخوله في السّنّ؟

فقالت: والله لقد ضعف بصره، ولقد بقيت منه بقيّة؛ إنه ليفصل بين أثر الأنثى والذكر من الذرّ إذا دبّ على الصّفا".

ويعلق المبرد في التتمة: "...في أشياء تشاكل هذا من الكذب".


فاروق مواسي

بروفيسور، أديب، وأكاديمي فلسطيني، دكتوراة في الأدب العربي

من نفس المؤلف