الخميس ١٥ آذار (مارس) ٢٠١٨

التحليل النفسي لبطلة رواية فيتا

فيتا، رواية للكاتبة ميسون الأسدي، صدرت حديثا، 2018م، دون ذكر اسم دار نشر 142 صفحة من الحجم المتوسّط.

نفسية امرأة:

عندما قرأت رواية فيتا، أحببت أن أُصنّف الرّواية تحت أيّ مسوّغ يمكّنني أن أتحاور به، وأُناقشه، من خلال شخصيّة الرّواية الرّئيسيّة فيتا؛ فوجدت بأنّ الحالة النّفسيّة الّتي رافقت شخصيّة الرّواية حتّى نهايتها، بحاجة إِلى تحليل ومناقشة.

فقد تشابكت عدّة خيوط، واندمجت عدّة عناصر في بناء شخصيّة المرأة فيتا، وصقلت شخصيّتها. يرى أخصّائيو علم النّفس بأنّ الحياة الّتي يعيشها الطّفل في صغره لها الأثر الأكبر في بناء شخصيّته. لم تحيَ فيتا حياة طفوليّة سعيدة في مدينة (خيرسون) موطنها الأصلي، جنوب أوكرانيا. حياة الفقر المدقع الّذي كانت تحياه عائلة فيتا، وسط بيئة فقيرة معدومة، ينقصها الكثير من مقوّمات الحياة المحترمة؛ ممّا كان له الأثر الكبير في شعورها بالخجل، والتّردّد. شعرت فيتا دائما بالخجل؛ بسبب اسم عائلتها- تنئيل- حيث يظهر هذا الاسم بأنّ أُصولها يهوديّة، وهذا الاسم غريب ومستهجن وسط البيئة الّتي تعيش بها في روسيا.

إِن تصرّفات والد فيتا- سلافا- غير السّويّة، حيث الادمان على شرب الكحول، حتّى السّكر وفقدان القوّة للعطاء لأُسرته، جعلت من فيتا طفلة خائفة فقدت الأمان، بعد أن كان والدها هو قدوتها في حياتها. لقد تولّد من الخوف الّذي تأصّل في داخلها شعور آخر جديد، ألا وهو الكراهية. نعم لقد أصبحت فيتا بعيدة عن والدها، وربّما تكرهه، كما لا تتقرّب من والدتها؛ لأنّها امرأة سلبيّة في نظرها، حيث لم تردّ على أيّ رسالة من رسائلها زمن غربتها عن مدينة خيرسون.

إِنّ الغيرة الّتي بدت على سفيتا الأُخت أثّرت على فيتا تأثيرا سلبيّا بشكل مباشر إِثر تصرّفاتها غير الطبيعيّة في البيت؛ حيث كانت تكسر الزّجاج وترميه بالأرض، كما أنّها احتلّت بيت الأُسرة مع زوجها وأبنائها وخلقت جوّا خانقا في الأُسرة، لضيق مساحة البيت أيضا. كانت الأُخت توهم فيتا بأنّها كانت ترعاها في صغرها. كلّ هذه الأُمور جعلت من فيتا امرأة غير واثقة بنفسها، لا تشعر بالانتماء لأيّ فئة، حتّى أنّ فنّها الّذي أبدعت به، وهو الرّسم، لم تكن واثقة ولا مرّة بأنّها الأفضل، بل على العكس تماما، كانت تشعر بالإحباط وشعرت دائما بأنّها أقلّ قيمة من الآخرين، رغم علاماتها المتميّزة في كليّة الفنون.

عندما هاجرت فيتا إِلى اسرائيل اثر تضليل الوكالة اليهوديّة في أوكرانيا لكلّ من له صلة بالأصول اليهوديّة. اعتقدت فيتا بأنّها ستحقّق طموحاتها بعد الهجرة، وتبني نفسها من جديد؛ لكنّنا نكتشف بأنّ شخصيّتها قد تضعضعت، وأصبحت امرأة هشّة من النّاحية النّفسيّة، حيث اكتشفت ما لا تتوقّعه عن أرض الحليب والعسل. توتّرت أعصابها وتشتّتت أفكارها حين رأت العنصريّة والتّفرقة بين العربي واليهودي، الشّيء الّذي لم تره أبدا في الاتحاد السوفييتي، الانسان هو انسان مهما كانت قوميته، ودينه، ولونه... اكتشفت الغلاء وحاجتها للعمل كالآلة، قالت لزوجها صفحة 97" إِنّ الحياة الّتي نحياها ليست ملائمة لنا"..." الكلّ يطالب بقواك الجسمانيّة، وأمّا قواك الرّوحيّة فلا أحد يحتاجها" لذلك شعرت بأنّ وقتها ضائع سدى، لم تشعر بالانتماء، حتّى لأيّ شيء. وصلت بها الأُمور درجة الانتحار، لكنّها عدلت؛ كي لا يقال عنها بأنّها ضعيفة.

الحالة النّفسيّة

حدثت تطوّرات على نفسية فيتا في اسرائيل، وخاصّة بعد ولادتها ابنتها كاميليا، وشعورها بالخوف بأن لا تكون أُمًّا صالحة، وقد ازداد الأمر سوءا بعد حملها بتوأم من الذّكور، وشعورها بالارتياح بعد وفاتهما.كان هذا نوعا غريبا من الشّعور. تعلّق فيتا بحياة الآخرين وتأثّرها بأطفال كمبوديا مثلا، وعدم تناولها الطّعام تضامنًا معهم، وبكاؤها بشكل متواصل دون داع لذلك؛ كان سلوكا غريبا ينمّ عن اصابة المرأة بمرض نفسيّ، حتّى أنّها شخّصت مرضها بمرض" سبيرغر" وذهبت للطبيب النّفسي، وانعكس مرضها النّفسي على صحّتها الجسديّة، الجلد والأسنان.

في نهاية الرّواية نرى كيف تطوّرت شخصيّة فيتا من امرأة مريضة، إِلى امرأة معطاءة، ترسم قصص الأطفال، تربح المبالغ وترحل لبلدها الأصلي مع زوجها العربي وابنتها، وتعمّر بيوت الأجداد، وتغفر لوالديها وتشعر تجاههما بالنّدم لتركها لهم. كذلك رسالتها الوديّة لأُختها وصديقتها من خلال الرّسائل في نهاية الرّواية نشعر بأنّ هذا التّغيير المفاجئ أحدث انقلابا في شخصيّة الرّواية فيتا، ولم يكن متوقّعا، ولم يمهّد له مسبقا.

نزهة أبو غوش

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى