أوديسة هومير ١

، بقلم محمد زكريا توفيق

الأساطير اليونانية القديمة وصلتنا عن طريق السماع عبر القرون العديدة، مرورا بالقرون المظلمة (400م-1400م). هذه الأساطير تصف لنا حقبة من الزمن، كان أبطالها ذو الطبيعة الخارقة، من رجال ونساء، يمشون على الأرض، يطوفون البوادي والقفار، يصعدون الجبال و يعبرون الأنهار، يصارعون الوحوش المفترسة، ويقبلون التحدي حتى من الآلهة نفسها.

قدماء الإغريق كانوا يؤمنون بتعدد الآلهة. كبارهم يعيشون على قمة جبل الأوليمبوس. لكنهم لم يكونوا بعيدين عن الإنسان وباقي المخلوقات الأرضية. يتواصلون مع الإنسان عن طريق رسول أو هاتف أو وحي أو عراف أو كاهن، ويقبلون النذور والقرابين.

يجيبون السائل عن طريق عراف المعبد فيما يشبه الأحاجي. أهم عراف كان في معبد ديلفي. الآلهة هي التي تحدد نتيجة المعارك الحربية. كما إنهم يمدون المحاربين بالأسلحة أنفسهم أو يمنعونها عنهم.

البطل في الأساطير القديمة، له قوة خارقة للعادة منذ البداية. قد يكون أو لا يكون من نسل الآلهة. بعضهم تُرك بعد ميلاده منبوذا في الغابات. أوديب وأتالانتا، نشئا هكذا.

أوديب، وجده راعي غنم وأنقذه من الموت. أتالانتا، وجدتها دبة فقامت بتربتها كأحد أشبالها. عندما كبرت، كانت تستطيع التغلب على أي شاب أو بطل في العدو أو رمي الشهاب أو المصارعة الحرة.

أبطال الأساطير دائما ينالون تعليما خاصا. بعضهم تعلموا على يدي القنطور العظيم كيرون. القنطور كائن أسطوري، نصف إنسان ونصف حصان. يتسم معظم القناطير بالهمجية وعدم التحضر. مشهورون بمهاجمة الأفراح وخطف العروس ليلة زفافها.

لكن القنطور كيرون يختلف عن باقي جنسه. فهو طبيب متحضر ومثقف، عليم بالعقاقير والأعشاب كدواء. كما أنه خبير بتربية وتعليم الصغار، خصوصا أبناء الآلهة والأبطال.

قبل العصور المظلمة، كانت هناك ممالك تزدهر بالعلوم والفنون. الأساطير يرجع تاريخها إلى هذه الممالك اليونانية القديمة، وإلى هذه الفترة التي كانت تعرف بالعصر الذهبي، عصر الملاحم والأبطال.

مع مرور الوقت، جاءت العصور المظلمة، ومعها الحروب والفوضى والخراب والضياع. فحل بالحضارة نكسة عظيمة. أودت بالعقلانية والعلوم والفلسفة.

لكن عندما بدأت الرغبة في المعرفة يشتعل أوارها، بدأ الناس ينظرون عبر العصور الغابرة إلى هذه الفترة التي كانت توصف بالعصر الذهبي. وبدأوا ينسجون القصص والحكايات حول أبطالها. بعض هذه الحكايات منقول سماعي عن قصص أخرى لأشخاص حقيقيين. هذه هي أساطير أبطال الإغريق.

خلفية:

انتهت حرب طروادة. أوديسيوس، بطل الإغريق، خدع الطرواديين وجعلهم يسحبون الحصان الخشبي ضخم الحجم إلى داخل أسوار حصونهم. لم يكن الطرواديون يعلمون أن الجنود الإغريق يقبعون داخل التمثال بقيادة أوديسيوس.

ظل الإغريق يحاصرون أسوار طروادة من الخارج قرابة تسع سنوات كاملة. بعد ذلك، أخذ أسطول الإغريق في الانسحاب فجأة وبدأت سفنهم في الإقلاع من الميناء تاركة الحصان الخشبي وحيدا.

بعد مغادرة جيش الإغريق، سحب الطرواديون الحصان الخشبي إلى داخل الأسوار. ظنوا أن الإغريق قد تركوه لصعوبة العودة به إلى ديارهم ثانية. فقرروا الإبقاء عليه رمزا لنصرهم وصلابة دفاعهم عن مدينتهم أثناء الحصار.

أثناء الليل البهيم، وبينما كان الطرواديون يغطون في سبات عميق، خرج أوديسيوس ورفاقه من رحم الحصان. تسللوا في جنح الظلام، وفتحوا أبواب المدينة لرفاقهم جنود الإغريق الذين رجعوا من سفنهم أثناء الليل.

سرعان ما بدأ السلب والنهب. دمرت المدينة بكاملها. قتل رجالها وسبيت نساؤها وحرقت بيوتها وقصورها. الآن، على أوديسيوس العودة، هو ورفاقه، إلى مملكته عبر البحار. هنا تبدأ قصة الأوديسة، كما كان ينشدها ويتغنى بها الشاعر الإغريقي الأعمى هومير.

الكتاب 1:

"يا إلهة الإلهام، ساعديني على شدو حكاية الماكر أوديسيوس، صاحب الخطط والتدابير الذكية."

هكذا بدأ هومير ملحمة الأوديسة. بطل الملحمة نفسه، أوديسيوس، في البداية كان بعيدا عن مسرح الأحداث.

وقفت الإلهة أثينا، صاحبة العيون الرمادية، وسط آلهة الأوليمبوس أعلى الجبل، حيث كانوا يجتمعون برئاسة كبيرهم زيوس، لتقول:

"مع أننا جميعا معشر الآلهة نحب أوديسيوس حبا جما، إلا أنه الوحيد بين أبطال الإغريق الذي تاه وضل طريقه، ولم يستطع العودة إلى وطنه بعد طول غياب، وبعد نهاية حرب طروادة. السبب هو فقعه للعين الوحيدة التي يملكها العملاق سيكلوبس. مما تسبب في غضب إله الزلازل والبراكين والبحار والمحيطات، بوسيدون."

لم يكن بوسيدون حاضرا هذا الاجتماع. وتستمر أثينا في خطابها:

"الآن نجد أوديسيوس قابعا ذليلا، مذبولا فاتر الهمة، على جزيرة معزولة، جزيرة الحورية كاليبسو. فهل هذه هي إرادتك يا أبي زيوس؟"

"أنت تعلمين جيدا أنها ليست إرادتي" أجابها زيوس، كبير الآلهة.

"إذن، ابعث رسولك هيرميز طائرا إلى الحورية كاليبسو، وأمرها بترك أوديسيوس وشأنه، لكي يعود إلى وطنه. أما أنا، فسأحث ابنه على البحث عن أبيه"

هنا تركت الإلهة أثينا الاجتماع، وذهبت لتحقق هدفها في المساعدة على عودة أوديسيوس إلى وطنه سالما.

تخفت الإلهة أثينا في صورة إنسية، وظهرت أمام بوابة قصر أوديسيوس في جزيرة أيثاكا. تيليماكوس، ابن أوديسيوس، لم يستطع التعرف على الإلهة أثينا وهي في صورتها الإنسية. لكنه دعا الزائر الغريب لضيافته.

أثناء الضيافة ومع تناول الغذاء والشراب، تحدث تيليماكوس ابن أوديسيوس مع الضيف عن أمه بينيلوبي، وعن خطّابها الكثر وما تلاقيه من مضايقات منهم.

كل نبلاء جزيرة أيثاكا والجزر المجاورة، كانوا يعتقدون أن أوديسيوس قد مات وشبع موت، ويريدون الزواج من أرملته، بينيلوبي.

بينما كانوا ينتظرون معرفة أيهم سيقع عليه اختيارها، كانوا يستمتعون بكرم ضيافتها، بما لذ من الطعام والشراب. تيليماكوس، الشاب الصغير عديم الخبرة، لم يكن يدري ماذا يفعل بهؤلاء. ثم جاءت النصيحة من أثينا لتيليماكوس:

"ألقي بهم خارج القصر، وابحث عن سفينة تأخذك للبحث عن أبيك، فهو لايزال حيا"

البقية تأتي تباعا.


محمد زكريا توفيق

كاتب مصري مقيم في نيويورك

من نفس المؤلف