من أعجب الوفاء

وفاء المرأة لزوجها- بعد وفاته

، بقلم فاروق مواسي

من آيات الحب العميق هذا الوفاء الذي يكنّه الزوج لزوجته والزوجة لزوجها:

أحببت أن أسوق لكم قصصًا من وفاء الزوجة- إلى درجة أن الواحدة منهن أبت أن يبني بها زوج
آخر – بعد وفاة زوجها، رغم أن ذلك كان متيسرًا ومألوفًا في عصرها.

من أحب أن يجد مادة حول هذا الموضوع فعليه بـكتاب الراغب الأصفهاني (محاضرات الأدباء- ج3 ص – 221. باب"امتناع أحد الزوجين من التزويج بعد موت صاحبه".

في كتاب (الأغاني) لأبي الفرج الأصفهاني حكاية طريفة أوردها في حديثه عن هُدبة بن الخَشْرَم، وكانت له امرأة جميلة.

حُكم على هّدبة بالإعدام، فلما أخرج من السجن ليُقتل جعل الناس يتعرضون له ويخبرون صبره ويستنشدونه، فأدركه عبد الرحمن بن حسان فقال له:

يا هُدبة، أتأمرني أن أتزوج هذه بعدك- يعني زوجته وهي تمشي خلفه؟

فقال: نعم إن كنت من شرطها.

قال: وما شرطها؟

قال: قد قلت في ذلك-

فلا تنكحي إن فرّق الدهر بيننا
غمَّ القفا والوجهِ ليس بأنزعا
وكوني حبيسًا أو لأروع ماجد
إذا ضن أعشاش الرجال تبرَّعا

(أغم القفا والأنزع- كناية عن البلادة، أعشاش الرجال= قليلو المعروف)

فمالت زوجته إلى جزار، وأخذت شفرته، فجدعت بها أنفها، وجاءته تدمَى مجدوعة.
فقالت: أتخاف أن يكون بعد هذا نكاح؟

فرسف في قيوده، وقال: الآن طاب الموت.

وفي رواية أخرى- قال النوفلي عن أبيه:

فلما مُضي به من السجن للقتل التفت فرأى امرأته وكانت من أجمل النساء، فقال:

أقلّي علي اللوم يا أمَّ بَوزَعا
ولا تجزعي مما أصاب فأوجعا
ولا تنكَحي إن فرق الدهر بيننا
أغَمَّ القفا والوجهِ ليس بأنزعا
ضروبًا بلحييه على عِظم زَوره
إذا الناس هشوا للفَعال تقنعا
وحلي بذي أكرومة وحميّة
وصبر إذا ما الدهر عض فأسرعا

يخاطب امرأته ويقول: إن هلكت فلا تنكحي رجلاً لئيمًا، أغم- والغَمَم هو سيلان شعر الرأس، وهذا عندهم مذموم، وخاصة في القفا- أي مؤخر العنق، ولهذا يقال في المدح رجل واضح الجبين، وفي كناية الذم- أغم القفا.

حيث كان عندهم أن بعض الخَلْق يدل على الكرم، وبعضها يدل على اللؤم.

ومعنى "أنزع" انحسر شعره عن جبينه وقفاه.

و"اللحيان" العظمان من جانبي الفم، و"الزَّور" الصدر.

يريد ألا يكون قصير العنق، فلحياه يصيبان صدره لقصر عنقه.

وهشوا- ارتاحوا أي أرتاحوا لفعل المعالي، فعند ذلك هو لا يظهر لأنه ليس أهلاً لذلك.
في البيت الأخير مجال لأن تكون زوجة لرجل كريم ذي حمية وهمة وصبر، وصاحب مُروءة ينجد المحتاجين مسرعًا إذا عض الدهر بنابه.

إنه يريدها ألا تتزوج رجلاً غبيًا لئيمًا بخيلاً فلتكن إذن حبيسة، أو لتكن مع أروع ماجد تجده عندما يقل الرجال.

بمعنى آخر هو لا يمنعها من الزواج بعده، ولكنه يشترط ألا يكون بصفات مذمومة، وقد غمز هدبة إذ أجاب عبد الرحمن بن حسان وعرّض به.

ويفصل النوفلي في روايته كيف شوهت وجهها:

"إنها فعلت ذلك بحضرة مروان بن الحكم، وقالت له إن لهدبة عندي وديعة، فأمهله حتى آتيه بها!

قال: أسرعي، فإن الناس قد كثروا. فمضت إلى السوق، فانتهت إلى قصاب، وقالت أعطني شفرتك وخذ هذين الدرهمين، وأنا أردها عليك، ففعل فقربت من حائط، وأرسلت ملحفتها على وجهها، ثم جدعت أنفها من أصله، وقطعت شفتيها، ثم ردت الشفرة وأقبلت حتى دخلت بين الناس. وقالت يا هدبة: أتراني متزوجة بعد ما ترى؟

قال: لا، الآن طابت نفسي بعد بالموت.

(الأغاني، ج21، ص 271- 272 دار الفكر)

من قصص (محاضرات الأدباء) في هذا الباب:

تزوج رجل بابنة عم له يقال لها رباب، وتعاهدا على أن لا يتزوج أحدهما بعد موت الآخر، فمات الرجل، وأكرهت المرأة على التزويج، فلما كان ليلة الزفاف رأت في منامها أن ابن عمها آخذ بعِضادتيِ الباب، فأنشد:

حييت سكان هذا البيت كلهم
إلا الربابَ فإني لا أحييها
أمست عروسًا وأمسى منزلي خربًا
ولم تراع حقوقًا كنت أرعيها

فانتبهت مذعورة، وحلفت أن لا تجمع رأسها ورأس الرجل وسادة.

مما رُوي عن شيرويه لما قتل أباه كسرى أراد أن يتزوج بشيرين امرأة أبيه، فقالت له:
على ثلاث شرائط:

- أن تحضر الحكماء، فأخطّئهم في معاونتهم إياك على قتل أبيك حتى لا يجرؤوا على مثله فيك،

- وأن تستحضر لي نساء الكبار لأشتفي بالبكاء عليه،

- وأن تأذن لي في حضور المكان الذي مات فيه.

فقال: كل ذلك لك!

فلما خطّأتهم وبكت عليه وحضرت المكان الذي مات فيه، أخرجت فَصًا مسمومًا، فمصته، فماتت مكانها.

وكانت قد عمدت إلى سم فوضعته في بعض الخزائن وكتبت عليه:

إن من تناول منه وزن دانق أعانه على الجماع، فلما ظفر به تناول منه فمات في مكانه.

روى الأصمعي أن رجلاً من ضبّة أعجب بامرأة جميلة بمنظرها وبمنطقها، فسألها هذا:

- ألك بعل؟

كان فدُعي إلى ما خُلق له، فنِعم البعل كان.

قال: فهل لك من بعل لا تُذم خلائقه، ولا تُخشر مواقفه؟

فأطرقت، وقالت وهي تذرف دموعًا:

كنا كغصنين في أصل غذاؤهما
ماء الجداول في روضات جنّات
فاجتث خيرَهما من جنب صاحبه
دهرٌ يكرّ بفرحاتٍ وترحات
وكان عاهدني إن خانني زمني
أن لا يضاجع أنثى بعد مثواتي
وكنت عاهدته أيضًا فعاجله
ريب المنون قريبًا مذ سُنيات
فاصرف عنانك عمن ليس يردعها
عن الوفاء خلاف في التحيات

(ابن طيفور: بلاغات النساء، ص 58؛ بشير يموت: شاعرات العرب، ج1، ص 208)

هذا الوفاء وجدناه في بعض المراثي، حيث رثت نساء شاعرات أزواجهن، من ذلك ما أنشدته أعرابية وقد رفضت الزواج بعد زوجها، فخرجت في حليها وحللها إلى قبر زوجها، وكانت تبكي بعين غزيرة، وتردد رثاءها بصوت شجي، وكان مظهرها لا يلائم هذا الحزن العميق الذي أصابها، فقالت تسوّغ مظهرها "الاحتفالي":

يا صاحب القبر يا من كان ينعم بي
عيشًا ويكثر في الدنيا مواساتي
قد زرت قبرك في حَليي وفي حُللي
كأنني لست من أهل المصيبات
أردت آتيك فيما كنت أعرفه
أن قد تسر به في بعض هيئاتي
لما علمتك تهوى أن ترانيَ في
حَليٍ وتهواه من ترجيع أصواتي
فمن رآني رأى حيرى مولهة
عجيبة الزي تبكي بين أموات

(القصة وردت باختلاف بعض الكلمات في:

ياقوت: معجم البلدان، مادة "حوضى"؛ ابن عبد ربه، العقد الفريد، ج3 ، ص 278؛ و كتاب بشير يموت، شاعرات العرب، ص 438، ونسبت الأبيات في هذا المصدر كذلك للطيفة الحدانية (ص 344).

فهل رأيتم أو سمعتم عن مشهد رثائي كمشهد هذه الأعرابية عجيبة الزي تنشد وهي تبكي على قبر زوجها؟

إنه تريد أن تسره كما كان يسر في حياته، وهو يراها في حليها وفي حللها، وفي ترجيع صوتها.

وفاء وكأنه جنون.


فاروق مواسي

بروفيسور، أديب، وأكاديمي فلسطيني، دكتوراة في الأدب العربي

من نفس المؤلف