إنها الأم

، بقلم إبراهيم خليل إبراهيم

الأم أعظم مدرسة وجامعة وأكاديمية وفي وصية أمامة بنت الحارث الشيباني لابنتها ليلة زفافها قالت:

أي بنية: إن الوصية لو تركت لفضل أدب لتركت ذلك لكِ،ولكنها تذكرة للغافل ومعونة للعاقل.. ولو أن امرأة استغنت عن الزوج لغنى أبويها وشدة حاجتهما إليها كنتِ أغنى الناس عنه،ولكن النساء للرجال خلقن ولهن خلق الرجال.

أي بنية: إنك فارقت الجو الذي منه خرجتِ،وخلفتِ العش الذي فيه درجتِ إلى وكر لم تعرفيه،وقرين لم تألفيه،فأصبح بملكه عليكِ رقيبا ومليكا،فكوني له أمة يكن لكِ عبداً وشيكا.. واحفظي له خصالاً عشراً يكن لك ذخراً..

أما الأولى والثانية فالخشوع له بالقناعة وحسن السمع له والطاعة.

وأما الثالثة والرابعة فالتفقد لموضع عينه وأذنه..فلا تقع عينه منكِ على قبيح ولا يشم منكِ إلا أطيب ريح..

وأما الخامسة والسادسة فالتفقد لوقت منامه وطعامه.. فإن تواتر الجوع ملهبة،وتنغيص النائم مغضبة..

وأما السابعة والثامنة فالاحتراس بماله والإرعاء على حشمه وعياله..وملاك الأمر في المال حسن التقدير،وفي العيال حسن التدبير.

وأما التاسعة والعاشرة فلا تعصين له أمراً ولا تفشين له سراً..فإنك إن خالفت أمره أوغرت صدره وإن أفشيت سره لم تأمني غدره..ثم إياك والفرح بين يديه إن كان مهتما والكآبة بين يديه إن كان فرحاً.

والزبير ابن العوام حين حاصره بنو أمية قال لأمه أسماء بنت أبي بكر الصديق: لم يبق معي إلا اليسير ومن لادفع عنده أكثر من صبر ساعة من النهار وقد أعطاني القوم ماأردت من الدنيا فمارأيك ياأمي ؟ فقالت أمه: ياولدي.. إن كنت على حق تدعو إليه فأمض عليه وإن قلت أني كنت على حق فلما وهن أصحابي ضعفت نيتي فليس هذا فعل الأحرار والله لضربة بالسف في عز أحب إلى من ضربة بسوط في ذل وأعلم أنه لايضر الشاع سلخها بعد ذبحها.

والكاتب الكبير توفيق الحكيم عندما أرسله والده المستشار في محكمة الجنايات إلى فرنسا للدراسة ونيل الدكتوراه في الحقوق أتجه توفيق الحكيم إلى الأدب والمسرح فغضب والده وقال: ولد خائب وسيلوث الأسرة بانشغاله بالأدب والفنون ولكن أم توفيق الحكيم كانت فرحة باتجاه توفيق الحكيم الفني وقد ذكرت أنها شعرت وأحست منذ طفولة توفيق الحكيم أنه سيكون شيئا مهما وبالفعل أصبح توفيق الحكيم من أعظم كتاب الشرق وعاش أسم الأسرة بفضل توفيق الحكيم ولم يعرف أحدا أن توفيق الحكيم له أخ.

وقد أورد الأدب العربي أن جنديا هرب من الميدان إلى البيت وطرق باب البيت فقالت الأم: من الطارق ؟ فقال: أنا ابنك.. فعرفت الأم صوت ابنها فغضبت وقالت: كلا لايمكن أن تكون ابني لأن ابني في الميدان يحارب بشجاعة وبسالة وهو ليس من الجبناء أو الخونة فخجل الابن من نفسه وعاد مسرعا إلى الميدان وحارب بشجاعة وبسالة حتى كان النصر ثم عاد إلى أمه ففرحت به وقبلته واحتفلت به مع الأهل والجيران.

وإحدى الأمهات ذهبت مع ابنائها الثلاثة لتسجيل اسماءهم في سجل المتطوعين للدفاع عن الوطن فقيل لها: ألا تستبقين أحدهم ليرعاك ؟ فقالت: هل تكون حياتي سعيدة إذا هزم وطني وابني بجانبي ؟ وبعد أيام جاءها خبر استشهاد أحد أولادها فدمعت عيناها وقالت: لقد حرم وطني من جهاد ابني الشهيد وأدعو الله أن يكون في جهاد أخويه مايرد العدوان عن الوطن وبعد أيام جاءها نبأ استشهاد ولديها فأقبل الناس يعزونها قائلين: لاتحزني فقد نال أبناؤك شرف الشهادة والشهداء عند ربهم يرزقون فقالت الأم: أنا لاأبكي حزنا على استشهاد أبنائي بل لأنني لن أستطيع بعد اليوم أن أقدم للوطن أولادا آخرين يدافعون عنه ويحمونه.

من نفس المؤلف