السبت ٢٤ آذار (مارس) ٢٠١٨
جولة أدبية
بقلم فاروق مواسي

الغول

كم كانت قصص الغول والغولة تتردد في تراثنا الشعبي، وكانت الأجيال السابقة تحكي حكايات عن الغول وتحولاته، وتخاف منه- "واللي بيخاف من الغول بيطلع له".

تروي الحكاية أن قتل الغول يتم بضربة واحدة، فالشاطر حسن قتل الغول بضربة، فقالت له الغول: "ثنِّ يا أخو الـ..."، فيجيبها: "ما علمتني أمي". ذلك لأن الضربة الثانية تحييها من جديد.
هكذا كانت شقيقتي الكبرى تحدثني وأنا صغير.

من الطريف أن الجاحظ أتى على ذكر ذلك، فذكر قول شاعر:

ضُربتْ فردةً فصارت هباءً
في مَحاق القُمَير آخر شهر

وقال شاعر آخر ضَرب الغول ثانية، فندم:

فثنّيتُ والمقدار يحرُس أهله
فليت يميني قبل ذلك شُلّتِ

سأصحبكم إلى ما روي عن الغول في كتب الأدب.

ورد في (لسان العرب):

"الغُول أَحد الغِيلان، وهي جنس من الشياطين والجن، كانت العرب تزعم أَن الغُول في الفَلاة تتراءَى للناس فتَتَغَوّل تغوّلاً- أَي تتلوَّن تلوّنًا في صُوَر شتَّى، وتَغُولهم أَي تضلهم عن الطريق وتهلكهم. ورد في حديث شريف "لا غول..."، وقيل: قوله لا غُولَ ليس نفيًا لعين الغُول ووُجوده، وإِنما فيه إِبطال زعم العرب في تلوّنه بالصُّوَر المختلفة واغْتياله، فيكون المعنيّ بقوله "لا غُولَ" أَنها لا تستطيع أَن تُضل أَحدًا.

ومن معاني الغُول: الحيَّة، والجمع أَغْوال؛ قال امرؤ القيس:

ومَسْنونةٍ زُرقٍ كأَنْياب أَغْوال

(قال أَبو حاتم في شرح ذلك: يريد أَن يكبر بذلك ويعظُم؛ ومنه قوله تعالى: كأَنه رؤوس
الشياطين؛ وقريش لم تَرَ رأْس شيطان قط، إِنما أَراد تعظيم ذلك في صدورهم، وقيل: أَراد امرؤ القيس بالأَغْوال الشياطين، وقيل: أَراد الحيّات)

وقال ابن شميل: الغُول شيطان يأْكل الناس. وقال غيره: كل ما اغْتالك من جنّ أَو

شيطان أَو سبع فهو غُول، وفي الصِّحاح: كل ما اغْتال الإِنسان فأَهلكه فهو

غُول. وذكرت الغِيلان عند عمر، رضي الله عنه، فقال: إِذا رآها أَحدكم فليؤذِّن، فإِنه لا يتحوّل عن خلقه الذي خلق له.

ذهب العرب إلى أن الغول يتغول لهم في الخلوات في أنواع الصور، فيخاطبونها وتخاطبهم. وزعمت طائفة من الناس أن الغول حيوان مشؤوم، وأنه خرج منفردًا لم يستأنس، فتوحش وطلب القفار. وهو يشبه الإنسان والبهيمة، ويتراءى لبعض السفار في اوقات الخلوات وفي الليل.

وحكي أن عمر بن الخطاب- رضي الله تعالى عنه- رآه في سفره الى الشام، فضربه بالسيف.

وقال الجاحظ الغول كل شيء يتعرض للسيارة ويتلون في ضروب من الصور والثياب وفيه خلاف، وقالوا إنه ذكر وأنثى الا أن أكثر كلامهم أنه أنثى.

قال أبو المطراب، عُبيد بن أيوب العنبري:

وحالفني الوحوش على الوفاء
وتحت عهودهن وَبَا البعاد
وغولا قفرةٍ ذكرًا وأنثى
كأن عليهما قطع النجاد

(انظر الأبشيهي: المستطرف في كل فن مستظرف، الباب 59، ص 416)

وورد في (مروج الذهب):

العرب يزعمون أن الغول يتغول لهم فيِ الخلوات، ويظهر لخواصهم في أنواع من الصور، فيخاطبونها، وربما ضيَّفوها، وقد أكثروا من ذلك في أشعارهم: فمنها قول تأبط شرًا:

فأصبحْتُ والغول لي جارة
فيا جارتي أنت ما أهْوَلا
وطالبتها بُضَعهَا فالتوت
بوجه تغوّل فاستغولا

ويزعمون أن رجليها رجلا عنز (صوبها المحقق إلى عَير- أي حمار)، وكانوا إذا اعترضتهم الغول في الفيافي يرتجزون ويقولون:

يا رجل عنز (عَيْر) انْهَقِي نيقا
لن نترك السبسب والطريقا

الغول تتلون وتضلل، وذلك أنها كانت تتراءى لهم في الليالي وأوقات الخلوات، فيتوهمون أنها إنسان فيتبعونها، فتزيلهم عن الطريق التي هم عليها، وتتيههم. وكان ذلك قد اشتهر عندهم وعرفوه، فلم يكونوا يزولون عما كانوا عليه من القَصْد، فإذا صيح بها على ما وصفنا شردت عنهم في بطون الأودية ورؤوس الجبال.

وكانت العرب قبل الإسلام تزعم أن الغيلان توقد بالليل النيران للعبث والتخيل، واختلال السابلة، قال أبو المطراب:

فللَّه در الغول، أي رفيقةٍ
لصاحب قفر حالف وهو معبر
أرنَتْ بلحن بعد لحن وَأوقدت
حواليً نيرانًا تلوح وتزهر

(المسعودي- مروج الذهب، ج2 – تحقيق شارل بلا- ص 289 وما بعدها)

أما الجاحظ فيضيف:

السِّعْلاة اسم الواحدة من نساء الجن إذا لم تتغول لتفتن السفار.

قالوا: وإنما هذا منها على العبث، أو لعلها تبغي أن تفزع إنسانًا جميلا فتغير عقله، فتداخله عند ذلك.

وقد فرق بين الغول والسِّعلاة عُبيد بن أيوب، حيث يقول:

وساخرة مني ولو أن عينها
رأت ما ألاقيه من الهول جنت
أزلٌّ وسعلاة وغول بقفرة
إذا الليل وارى الجن فيه أرنت

(أزلّ= صغير العجُز، من صفات الذئب الخفيف، أرنّت= صوّتت)

وهم إذا رأوا المرأة حديدة الطرف والذهن، سريعة الحركة، ممشوقة ممحَّصة قالوا: سِعلاة.
(الجاحظ: الحيوان، ج6، ص 160)

ذكر الجاحظ أن رجلي الغول رجلا حمار وليس عنزًا كما ذكر أعلاه (الحيوان، ج6، ص 220)،
وذكر الجاحظ كذلك أبياتًا لأبي البِلاد الطُّهَوي:

لهان على جهينة ما ألاقي
من الرَّوعات يوم رَحى بطان
لقيت الغول تسري في ظلام
بسهب كالعباية صحصحان
فقلت لها كلانا نِقضُ أرضٍ
أخو سفر فصدّي عن مكاني
فصدت وانتحيت لها بعَضب
حسام غير مؤتشَب يماني
فقدَّ سَراتَها والبَرْك منها
فخرّتْ لليدين وللجِران
فقالت زدْ فقلت رويدَ إني
على أمثالها ثبتَ الجَنان
شددتُ عِقالها وحططتُ عنها
لأنظر غُدوة ماذا دهاني
إذا عينان في وجه قبيح
كوجه الهر مشقوق اللسان
ورجلا مُخْدَج ولسان كلب
وجلد من فراء أو شِنان

(رحى بطان- موضع، السهب= ما بعد من الأرض واستوى، العباية= العباءة، سهب= سهل واسع، الصحصحان= ما استوى من الأرض، النِّقض= المهزول قد نقضه السفر، عضب= سيف، المؤتشَب= المخلوط عنى أنه خالص الحديد، الجِران= مقدم العنق، البرك= الصدر، المخدج= الناقص الخلق، فراء جمع فرو، وشنان جمع شن= جلد)

الجميل أن الجاحظ يصفه بالكذب، فيقول:

"وأبو البلاد هذا الطهوي كان من شياطين الأعراب، وهو كما ترى يكذب وهو يعلم، ويطيل الكذب ويحبّره، وقد قال كما ترى:

فقالت زد فقلت رويد إني
على أمثالها ثبت الجنان

لأنهم هكذا يقولون، يزعمون أن الغول تستزيد بعد الضربة الأولى لأنها تموت من ضربة، وتعيش من ألف ضربة.

(الجاحظ: الحيوان، ج6، ص 234)

إذا أجيز لي أن أضيف من شعري عن الغولة أقول إن شقيقتي الكبرى كانت وأنا طفل تخوّفني بقصص الغول، فتروي لي أن الغولة تظهر في صور وتحولات مختلفة، حتى إنها جعلتني أشك بأختي الطفلة في مهدها، فمن يدري فلعلها هي الغول.
قلت في قصيدة وأنا أتحدث عن معاناة، فاستذكرت:

"كِدْتَ يا غولُ تَبينْ
كدت تظهرْ
إبْرَةً أَو طِفْلَةً أَو أيَّ مَنْظَرْ
كِدْتَ يا بَحْرُ تُعادَى ثُمَّ تُقْهَرْ
(يَرَى الشاعِرُ قَلَمَهُ غُولاً، والغِيلانُ
تَتَسارَعُ وتَتَلاشَى ثُمَّ ما تَلْبَثُ أَن
تَتَكَوَّن، والعَجيب أَنَّ الخَوْفَ اخْتَفى)

هذه التحولات سبقني في ذكرها كعب بن زهير في "البردة"- قصيدته المشهورة:

فما تَحُومُ على حال تكون بها
كما تَلًؤنُ في أثوابها الغولُ


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى