في ذكرى الشاعر الدكتور إبراهيم ناجي

، بقلم إبراهيم خليل إبراهيم

الشاعر الدكتور إبراهيم ناجي من مواليد 31 ديسمبر عام 1898 في حي شبرا بالقاهرة وفي عام 1922 تخرج من كلية الطب وعين في القسم الطبي لمصلحة السكك الحديدية بمدينة سوهاج بصعيد مصر وافتتح عيادة هناك وكان يعالج مرضاه الفقراء بالمجان ثم نقل إلى المنيا ثم المنصورة عام 1927 والتقى بالشعراء علي محمود طه وعبد المعطي الهمشري وصالح جودت وانضم الشعراء الأربعة بعد ذلك إلى جماعة أبوللو الأدبية التي أسسها الشاعر الدكتور أحمد زكى أبو شادى فى القاهرة عام 1932 واختير أمير الشعراء أحمد شوقى كأول رئيس لها ثم تلاه فى رئاستها الشاعر خليل مطران وأصدرت جماعة ابوللو مجلة تحمل أسم (مجلة أبوللو) وتعد أول مجلة خصصت للشعر ونقده فى العالم العربى وانضم لجماعة أبوللو الكثير من الشعراء وأصبح لهم مدرسة متميزة فى الشعر المعاصر لها خصائصها وأطلق على هذه المدرسة اسم (مدرسة أبوللو).

صدر للشاعر الدكتور إبراهيم ناجي ديوانه وراء الغمام عام 1934 وليالي القاهرة عام 1944 وفي معبد الليل عام 1948 والطائر الجريح عام 1953 وصدرت أعماله الشعرية الكاملة في عام 1966 بعد وفاته عن المجلس الأعلى للثقافة.

كما قام الشاعر الدكتور ناجي بترجمة بعض الأشعار عن الفرنسية لبودلير تحت عنوان أزهار الشر وترجم عن الإنجليزية رواية الجريمة والعقاب لديستوفسكي وعن الإيطالية رواية الموت في إجازة كما نشر دراسة عن شكسبير.

وللشاعر الدكتور إبراهيم ناجى العديد من المؤلفات الأدبية وبخاصة في الفن القصصي منها مدينة الأحلام وأدركني يادكتور وقد أحصى له أحد الباحثين خمسين قصة نشرت في المدة الواقعة بين عامي 1933و 1953 كما قام بإصدار مجلة حكيم البيت وألّف بعض الكتب الأدبية مثل مدينة الأحلام وعالم الأسرة وغيرهما كما أن له مؤلفات أخرى في مجالات متعددة كعلم النفس وعلم الاجتماع وفن التراجم والسير والخواطر العامة.

الشاعر الدكتور إبراهيم ناجي أصيب بمرض السكر في بداية شبابه فتألم كثيرا لذلك وفاضت روحه إلى بارئها يوم 24 مارس عام 1953 وهو في عيادته الكائنة في شارع ابن الفرات بشبرا.
لم تغن أم كلثوم قصيدة الأطلال في حياة كاتبها الشاعر الدكتور إبراهيم ناجي حيث قد عرضها عليها لكن اندلاع ثورة يوليو 23 يوليو عام 1952 أوقف هذا العمل.

قصيدة الأطلال المغنّاة 32 بيتًا منها 25 من قصيدة الأطلال الموجودة في ديوان ليالي القاهرة للشاعر إبراهيم ناجي والصادر عام 1950 م وقوامها 134 بيتًا والأبيات السبعة الأخرى من قصيدة الوداع الموجودة في ديوان (وراء الغمام ) وهو الديوان الأول للشاعر إبراهيم ناجي وصدر عام أبريل 1934 وقد غنت نجاة علي أبياتا من قصيدة الوداع بألحان محمد فوزي في 7 مارس عام 1954 قبيل مرور الذكرى الأولى لرحيل الشاعر الدكتور إبراهيم ناجي.

تردد أن الشاعر الدكتور إبراهيم ناجي كان يحب الفنانة زوز حمدي الحكيم ولكن نقول أنه لم يحبّ أية ممثلة وهو كان طبيب نقابة الموسيقيين وعندما كانت الفنانات يذهبن إليهِ للكشفِ من الطبيعي أن تسأله كلّ منهن: ألم تكتبْ فيَّ شعرًا؟ فيسحب ورقة الروشتة ويكتب لها ماتجود به قريحته الشعرية وعندما غنت أم كلثوم قصيدة الأطلال وأحدثت جماهيرية غير مسبوقة طلعت كلّ الزوزوات لإعلان أنهن الملهمات!!! لكن الملهمة الوحيدة للدكتور إبراهيم ناجي هى (ع م ط ) وكانت إحدى قريباته وحبّه الأول ولم تنتظر حتى يتخرّج وتزوجت فظل يبكيها في كلّ قصائده وكان يراها في كلّ جميلة يشاهدها!! ونجد في ديوانه تكرارًا إلى من (ن) إلى (ع).

الأطلال كتبها الشاعر إبراهيم ناجي عندما فارقته حبيبته فقد غادر إبراهيم ناجي لدراسة الطب وعندما عاد علم أن حبيبته تزوجت وذات ليلة سمع طرقًا شديدًا على باب منزله فقام من سريره ليعرف من الطارق فكان رجلا يريد طبيبًا لمساعدة زوجته التي كانت في حالة ولادة متعسرة فأخذ ناجي حقيبته الطبية وذهب مع الرجل إلى بيته حيث كانت زوجته بوضع صعب .. اقترب منها الدكتور إبراهيم ناجي ليجدها حبيبته وهنا كتب قصيدة الأطلال.

في عام 1962 أثارت قصيدة الأطلال اهتمام كوكب الشرق أم كلثوم وطلبت حينها من السنباطي أن يساعدها في اختيار الأبيات المناسبة من القصيدة ثم قامت بإضافة أبيات أخرى من قصيدة الوداع للشاعر نفسه وهو الدكتور إبراهيم ناجي.

وبعد أن أخذ الموسيقار رياض السنباطي القصيدة وانتهى من لحنها وتدربت عليها أم كلثوم.

أجريت تجهيزات الحفلة التي كانت من المفترض أن تقام في شهر أكتوبر عام 1963 وبدأ الجمهور بالاتصال لحجز تذاكر الحفلة إلى أن حدث بين أم كلثوم ورياض السنباطي الخلاف حول كيفية أداء المقطع الأخير من الأغنية وغضب السنباطي ولم تفلح كل محاولات الصلح بينهما إلا بعد مضي وقت طويل ولذا كان هذا الخلاف السبب في تأخير غناء أم كلثوم لقصيدة الأطلال حيث غنتها لأول مرة في حفلها الذي أقيم في سينما قصر النيل يوم 7 أبريل عام 1966 لمدة 84 دقيقة وعند غناء أم كلثوم للمقطع الأخير الذي كان سببًا في الخلاف مع رياض السنباطي اشتعل المسرح بالتصفيق المدوي والمتواصل وبعد الانتهاء من الحفلة لم تذهب أم كلثوم لبيتها كما تعودت بل ذهبت إلى بيت رياض السنباطي وهى تبكي وتعلن عن أسفها في أنها كانت سببًا في عدم خروج الأطلال للنور منذ 4 سنوات.

أم كلثوم غنت قصيدة الأطلال بعد وفاة كاتبها الشاعر الدكتور إبراهيم ناجي وقد غاب العود عن موسيقى هذا اللحن حيث رحل محمد القصبجى.

أم كلثوم قالت عن قصيدة الأطلال إنها أرهقتها كما لم ترهقها أغنية في حياتها.

غنت أم كلثوم قصيدة الأطلال في 14 حفلًا في مصر وأدت من بين تلك الحفلات 2 تبرعًا منها كما غنتها في كل الدول التي زارتها ونذكر أن ثاني حفلة تغني فيها أم كلثوم الإطلاق كانت في الحفلة التي أقيمت يوم 15 نوفمبر عام 1967 على مسرح الأولمبيا بالعاصمة الفرنسية باريس وفي الاستراحة طلب اليهودي كوكاتريكس صاحب ومدير مسرح الأولمبيا من الكاتب الصحفي محمد سلماوي التوجه معه إلى مدام أم لأنه كان يتصور أن هذا هو اسمها وأن كلثوم هو لقب العائلة وعندما وصل بصحبة الكاتب الصحفي محمد سلماوي لأن كلثوم وجدها جالسة وسط الفرقة الموسيقية على كرسي مذهب من طراز لويس السادس عشر غير الخيزران الذي اعتادت الجلوس عليه في حفلاتها بالقاهرة وكان أحمد الحفناوي عازف الكمان الأول في مصر إلى جوار أم كلثوم وكان بقية أعضاء الفرقة الموسيقية يستمعون إليها وهى تبدي لهم بعض الملاحظات.. حياها كوكاتريكس وقبل يدها فردت أم كلثوم التحية وهى جالسة على الكرسي وأثناء حديثه مع أم كلثوم كانت تحدثه باللغة العربية مع إنها تجيد اللغة الفرنسية.
أبدى اليهودي كوكاتريكس صاحب ومدير مسرح الأولمبيا اعتراضه على طريقة تقديم الوصلة الأولى من الحفل التي تحدث فيها المذيع حديثا سياسيا وكان جلال معوض قد قدم الحفل باعتباره نصرا سياسيا للعرب وقال: اليوم تشدو كوكب الشرق في عاصمة النور باريس وغدا بإذن الله تشدو في القدس محررة.

ناشد كوكاتريكس كوكب الشرق أم كلثوم أن تطلب من المذيع ألا يقدم الوصلة الثانية بهذه الطريقة الحماسية وقال: نحن في حفل فني ولسنا في مناسبة وطنية.

شعر الكاتب محمد سلماوي بالحرج وتحير كيف سيترجم ذلك لأم كلثوم لعلمه بأنها لن تقبل هذا الكلام ولكن قبل أن يتحدث وجد أم كلثوم تنتفض واقفة وقالت لمحمد سلماوي: قل له بل نحن في مناسبة وطنية وإني جئت إلى فرنسا من أجل المساهمة في المجهود الحربي لبلادي وإذا كان أسلوبنا لايروق له فليعتبر اتفاقنا لاغيا .. ثم التفتت إلى الموسيقيين وقالت لهم: لموا الآلات ياولاد.

عندما قام محمد سلماوي بترجمة ماقالته أم كلثوم لصاحب ومدير المسرح كاد أن يغشى عليه وكرر الاعتذار والتوسل لأم كلثوم فتراجعت وقدم جلال معوض الوصلة الثانية من حفلة أم كلثوم التاريخية.

أم كلثوم حصلت على أعلى أجر حصل عليه مطرب وقف على خشبة مسرح الأولمبيا وتبرعت بكل أجرها لصالح المجهود الحربي في مصر.

في عام 2000 صنفت الأطلال ضمن قائمة أفضل 100 عمل فني عالمي لــ 100 عام.
كما غنت أم كلثوم عام 1969 من أشعار الدكتور إبراهيم ناجي قصيدة مصر والتي لحنها رياض السنباطي للشاعر ونذكر منها:

أَجلْ إن ذا يوم لمن يفتدي مصرا
فمصر هى المحرابُ والجنةُ الكبرى.

نذكر أيضا أن رياض السنباطي أختار من قصيدة الغد للشاعر الدكتور إبراهيم ناجي بعض الأبيات ولحنها وغنتها سعاد محمد باسم انتظار كما غنت نجاة على من أشعار الدكتور إبراهيم ناجي الوداع لحن محمد فوزي ولحن وغنى محمد عبد الوهاب القيثارة .

من نفس المؤلف