مشروع الدولة الواحدة «ثنائية القومية»

، بقلم عز الدين المناصرة

الحل الممكن... لا يمكن – والحل الثنائي مستحيل = نقول لهم (ثور)، يقولون لك: (احلبوه!!!).

كما هو معلن، تأسست (دولة إسرائيل) الاستعمارية الاستيطانية العنصرية على (78%) من أرض فلسطين، بمساندة من الدول الاستعمارية، خصوصاً: بريطانيا، وفرنسا، والولايات المتحدة، وبموافقة الاتحاد السوفياتي السابق، وحصلت هذه الدولة على اعتراف الأمم المتحدة، حسب قرار التقسيم (181) عام 1947. هذا القرار نفسه اعترف أيضاً بحق الفلسطينيين في إقامة دولة عربية إلى جانب دولة إسرائيل. وهكذا تمَّ تنفيذ نصف القرار، بينما رفضت إسرائيل تنفيذ أي قرار من قرارات الأمم المتحدة بشأن فلسطين. إذن، كان قرار التقسيم والقرار (242)، هما الحلّ الذي فرضته الدول الاستعمارية على الشعب الفلسطيني، الذي كان يشعر بالظلم والقهر نتيجة هذين القرارين، إذْ كيف يوافق على ضياع وطنه!!. لهذا ظل يتطلع إلى الحلّ العادل الشامل، وهو تفكيك دولة إسرائيل، مع الاعتراف بأنَّ (الطائفة اليهودية الفلسطينية) التي كانت تشكل (7%) من أبناء الشعب الفلسطيني، هي جزء لا يتجزأ من الشعب الفلسطيني. وبطبيعة الحال، ليست مهمة (الضحية) أن تبحث عن حلول للمستعمر العنصري الذي اغتصب الأرض، وطرد السكان الأصليين. فالحل العادل، هو تفكيك هذه الدولة الاستعمارية، وعودة أبنائها إلى أوطانهم الأصلية، التي ما تزال قابلة للترحيب بعودتهم، بل هم يمارسون هذه العودة ممارسة واقعية إلى دول ما وراء البحار القريبة والبعيدة. أما اللاجئ الفلسطيني فهو يرى وطنه بالعين المجردة من مواقع جبل (أم قيس) الأردني، ومن (الغور)، ومن (جنوب لبنان)، ومن ( مدينة العقبة)، المقابلة لمدينة ( أم الرشراش) دون أن يستطيع أن يخطو خطوة واحدة باتجاه أرضه، حتى لو كانت خطوات رمزية، كما فعل أبناء اللاجئين في (15/5/2011)، حيث كان الرصاص الإسرائيلي لهم بالمرصاد، رغم أنهم كانوا يقودون مظاهرة سلمية. واستخدمت إسرائيل، أسلوب (الإبادة التدريجية) حين اقترفت عشرات المذابح ضد أبناء الشعب الفلسطيني في الوطن والمنفى، متوهمة أنَّ أسلوب إبادة (الهنود الحمر) في أمريكا، يصلح للتطبيق ضد الشعب الفلسطيني. ومنذ عام 1967 توهم الإسرائيليون أنَّ القضاء على (الهوية الفلسطينية)، أصبح ممكناً، بسبب العجز والتواطؤ العربي. لكن مع صعود (منظمة التحرير الفلسطينية) استعاد الفلسطينيون هويتهم، وأصبحت فلسطين اسماً أساسياً في خارطة العالم، وذلك بفضل الشهداء والمناضلين، حين ألقى (ياسر عرفات)، خطبته الشهيرة عام 1974، أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، (خطبة البندقية وغصن الزيتون). هذا التلازم بين (البندقية)، و(غصن الزيتون)، كان مستمداً من النموذج الفيتنامي (مقاومة – تفاوض)، وهذه المعادلة الثنائية هي التي حققت الانتصار الفيتنامي على أقوى دولة في العالم. وسبق لمنظمة التحرير الفلسطينية عام 1968 أن أعلنت مشروع (الدولة الفلسطينية الديمقراطية)، في ميثاقها على كامل التراب الفلسطيني، وفتحت نافذة لليهود (الذين يرغبون في العيش بسلام) في ظل حكم هذه الدولة لكي يكونوا مواطنين فيها. لكن هذه العبارة لم تحدد ولم تشر إلى (الإسرائيليين). وكان معنى ذلك تفكيك الدولة الإسرائيلية الصهيونية العنصرية الاستعمارية. لكن منذ عام 1988، قرر المجلس الوطني الفلسطيني الاعتراف بالقرار (242)، وقرار التقسيم (181)، عام 1947. أي أن المنظمة قررت الدخول في مرحلة التفاوض عارية تماماً من أية قوة مسلحة، باستثناء (ورقة الانتفاضة الأولى، ديسمبر 1987) في داخل فلسطين، حيث خشيت القيادة على نفسها من الانقراض في مقرها في (تونس) آنذاك، بعد الخروج من حصار بيروت 1982. وهكذا ارتكبت قيادة المنظمة (الخطأ الأول)، وهو الاعتراف بالقرار (242)، دون أي مقابل إسرائيلي. أما الوعود الأمريكية، فلم تتجاوز الوعد بإدخال المنظمة في التسوية بعد أن تحذف صفة (الإرهاب) عنها. وهكذا دخلت (مؤتمر مدريد) تحت المظلة الأردنية. ولكي تتخلص من المظلة الأردنية، لجأت إلى قناة (التفاوض السري)، التي أنتجت (اتفاق أوسلو، 1993)، أسوأ اتفاق في التاريخ الحديث، وهنا ارتكبت قيادة المنظمة (الخطيئة الثانية) الخطرة. وبالفعل كان اتفاق أوسلو كارثة على الشعب الفلسطيني، طيلة عشرين عاماً من (المفاوضات من أجل المفاوضات)، حيث وقع المفاوضون في (فخ التفاصيل الإسرائيلي)، وترعرع (الفساد، والانقسام) برعاية إسرائيلية: (جمهورية دايتون) في مقابل )إمارة الظلام) حسب تعابير الطرفين (حركة حماس، وحركة فتح) في تنابزهما بالألقاب. ووصلت حالة الشعب الفلسطيني المعيشية إلى (حالة التسول)، بالرضوخ لمساعدات الاتحاد الأوروبي، والولايات المتحدة، ومعونات بعض الدول النفطية المدروسة سياسياً. ومما لا شك فيه أنّ الفاعل الأصلي لهذه الحالة، هي إسرائيل، التي استغلت هذا الوضع لإقامة المستوطنات والطرق الالتفافية والجدران العنصرية في مساحة الـ (22%) من بقية فلسطين، وشنت حرباً ضد قطاع غزة. كل ذلك من نتائج اتفاق أوسلو المدمرة. كان الإسرائيليون يهدفون من توقيع اتفاق أوسلو عام 1993، إلى جر شريحة قيادة المنظمة إلى (القفص)، وقد نجحوا في ذلك. وحين طالب الفلسطينيون بتطبيق (استحقاق الدولة)، لجأت إسرائيل إلى أسلوب المفاوضات العبثية. وكانت ذروة الفشل الأمريكي في كامب ديفيد، 2000، عندئذ انفجرت الانتفاضة الثانية، التي حققت (توازن الرعب) بدرجة محدودة، وبسبب الانقسام الفلسطيني حول (الكفاح المسلح)، واستغلال (شارون)، لفكرة (محاربة الإرهاب) الأمريكية بعد حادثة 11 سبتمبر 2001، ضعفت الانتفاضة تدريجياً. وتتوج الضعف بالصراع على السلطة، بعد فوز حركة حماس في انتخابات 2006. وهكذا، أصبح )التكيف مع الاحتلال)، أمراً واقعياً، سواءٌ في ظل مطلب (الدولة المستقلة)، أم في ظل الأطروحات النظرية حول فرضية (الدولة الواحدة)، وأصبح اتفاق أوسلو في مهب الريح.

- فرحنا في منتصف التسعينات، بظهور (الفضائيات)، التي تطرح موضوعات جريئة، على طريقة (دعه يتكلم كما يشاء، بل وينتقد طبقة السلطة وفسادها، لكن لا تدعه يفعل شيئاً عملياً نافعاً). وهنا ارتفعت أسهم (رعاع ثقافة التواصل الاجتماعي). وشاهدنا أمراً غريباً هو صدور (صحف وطنية وقومية، ملاحقها الثقافية تروّج للتطبيع المبطّن، ولثقافة فقاقيع الصابون الملوّن)، وكأن رؤساء التحرير الوطنيين والقوميين لا يكترثون لتناقض الأقسام الثقافية مع سياسات جرائدهم الوطنية). هل (الحداثة هي نقيض الوطنية). وهل يمكن أن (تمتدح إسرائيل الدولة العنصرية في صيف 1982)، بل و(تطالب بإبادة الشعب الفلسطيني)، مع هذا يصنفك (بنو قطرك المنغلق على ذاته)، بأنك (شاعر عظيم!!).

وفرحنا عندما بدأت عبارة (المجتمع المدني) في الانتشار، كذلك أصبح كل من يخالفك، تتهمه بأنه يندرج في إطار (نظرية المؤامرة)، وكأن (كذبة أسلحة الدمار الشامل في العراق، وكذبة استخدام الكيماوي في سوريا) – ليست مؤامرة محبوكة، يطلقون التصريحات المتناقضة، وحين قالوا: (إنها كذبة) – لم يتحرك أحد في الغرب كله ليوقف الدمار والقتل. وشاعت فكرة (الاستقواء بالأجنبي)، رداً على مقولة (الاستبداد)، وقلنا حسناً، نحن (ضدّ الأنظمة المستبدة، وضد الاستقواء بالأجنبي معاً)، لكنهم استمروا في الترويج لـ(عسكرة الليبرالية).

أما في (فلسطين)، فقد قلنا لهم أولاً، يفترض أن تتقنوا (لعبة التفاوض – المقاومة معاً)مثل الفيتناميين، لكنهم كانوا ينظرون إلى (الأنجزة بأموالها، والتنسيق الأمني)، مع أن المستوطنات الإسرائيلية تنمو كالسرطان تنهش في جسد الأرض الفلسطينية. وهكذا أصبح (الراتب هو الكتاب المقدّس). وشاع الفساد، وشاع (التسوّل). إذن: إذا لم نكن قادرين على إنجاز الدولة الفلسطينية المستقلة على (22%) من فلسطين التاريخية، فكيف ننتقل نحو ما يُسمى بـ(الدولة الواحدة)!!!.

(1) – شعار الدولة الواحدة: التكيف مع الاحتلال:

يعني شعار (الدولة الواحدة): إقامة دولة مشتركة على أرض فلسطين التاريخية، ذات طابع فدرالي للفلسطينيين واليهود معاً، بعد تفكيك (عنصرية) دولة إسرائيل، وتخليها عن إديولوجيتها الصهيونية، تسمى (دولة كنعان الجديدة)، حسب بعض الإسرائيليين، أو )إسراطين) حسب مصطلح (معمر القذّافي)، أو (دولة الأمر الواقع)، حسب بعض الفلسطينيين. تكون هذه الدولة، (ثنائية القومية): عربية – إسرائيلية. وطرح (إدوارد سعيد) فكرة (اتحاد كونفدرالي إسرائيلي - فلسطيني)، وطرحت فكرة (اتحاد ثلاثي: إسرائيلي – فلسطيني - أردني)، الهدف منها حلّ مشكلة اللاجئين، ضمن هذا الاتحاد، أي أن يصبح هذا اللاجئ، مواطناً في دولة الإتحاد، حيث تتحقق (العودة)، تلقائياً، حسب هذا المفهوم:

أولاً: تنطلق فكرة الدولة ثنائية القومية، من فشل (اتفاق أوسلو) في الوصول إلى حلّ )الدولتين): دولة فلسطينية إلى جانب إسرائيل.

ثانياً: ترتكز فكرة الدولة الواحدة على مفهوم (الاعتراف بالواقع)، أي أنَّ المستوطنات التي ترعرعت ونمت واتسعت في ظل اتفاق أوسلو، لم تعد تسمح بقيام دولة مستقلة في الضفة وقطاع غزة والقدس الشرقية، وبالتالي، يتم (التكيف مع الاحتلال)، بدلاً من مقاومته، حتى يجيء الحل المنتظر: (الدولة ثنائية القومية).

ثالثاً: يصبح النموذج (الجنوب إفريقي)، هو الذي يناضل (الشعبان) من أجل تغييره، وتفكيك عنصريته الصهيونية، وعنصريته (المابعد صهيونية)، وبالمقابل يتم تفكيك الهوية الفلسطينية، بفصلها عن امتدادها نحو القومية العربية. وبالتالي، يحذف اسم )فلسطين)، ويحذف اسم (إسرائيل) من اسم الدولة الجديدة.

رابعاً: هكذا، حسب هؤلاء الباحثين، يتم محو تاريخ النكبة الفلسطينية عام 1948، ويتم في الوقت نفسه الاعتراف بشرعية مواطني إسرائيل وأحفادهم، بالاعتراف أنهم من مواطني الدولة الواحدة الجديدة في فلسطين. وهكذا، بعد أن اعترف اتفاق أوسلو (الدولتين)، بشرعية دولة إسرائيل، يعترف مشروع (الدولة الواحدة) بشرعية دولة إسرائيل (بعد حذف عنصريتها) المفترض.

خامساً: في المقابل، طرحت فكرة (دولة فلسطين الديموقراطية) من قبل منظمة التحرير الفلسطينية عام 1968، التي هي تعبير عن الحل العادل والشامل، أي تقام دولة ديموقراطية بعد تفكيك دولة إسرائيل الناتجة عن الغزو الامبريالي الصهيوني، مع اعتبار (الطائفة اليهودية الفلسطينية) التي كانت تعيش في فلسطين قبل احتلال 1948، جزءاً لا يتجزأ من الشعب الفلسطيني. وبالتالي، فإن فكرة (الدولة ثنائية القومية)، أو (ثلاثية الدين)، لا تنطلق من فكرة العدالة والحل العادل، بل تنطلق من فكرة الاعتراف بالأمر الواقع اليهودي. بل هي فكرة مستوحاة من التوراة، لأننا عندما نمنح صفة (كنعاني)، لمستوطنين يهود قادمين من وراء البحار، فنحن نمارس تزويراً تاريخياً، إذْ لا علاقة لمواطني المستعمرة الأورو أمريكية – الروسية في فلسطين بالتاريخ الكنعاني الفلسطيني في فلسطين.

(2) – الدولة ثنائية القومية: فكرة صهيونية قديمة (1925):

يجمع الباحثون على أن فكرة الدولة الواحدة، أو الدولة ثنائية القومية، أو (الفدرالية الإسرائيلية – الفلسطينية)، أو غيرها من المسميات، هي فكرة (يهودية صهيونية إسرائيلية)، أصلاً، طرحت في عام (1925) من قبل جماعة (حلف السلام الصهيونية)، ومن الرموز الصهيونية الداعية إلى فكرة الدولة الواحدة: (آرثر روبين، يهودا ماغنيس، مارتن بوبر، الياهو سابير، يتسحاق إبشتاين، يوسف لوريا، نسيم ملول، الحاخام بنيامين، يوسف أوسيشكين): (وكان روبين أول من تكلم بصراحة عن (أرض إسرائيل دولة لقوميتين)، كما يقول (أسعد غانم). أما (صقر أبو فخر) فيقول: (تجاوبت بعض (النخب الفلسطينية) مع هذه الفكرة مبكراً، ودعت إلى تقسيم فلسطين إلى ثلاث مقاطعات: يهودية وعربية ومختلطة، أو إلى مقاطعتين: عربية ويهودية: اقترح (أحمد سامح الخالدي) على الوكالة اليهودية عام (1933) تقسيم فلسطين إلى كانتونين، ووجه رسالة بهذا المعنى إلى (يهودا ماغنيس)، بتاريخ (23/7/1934). وأرسل (موسى العلمي) في أيلول 1933 تقريراً إلى دائرة المستعمرات في لندن يقترح تكوين مقاطعة يهودية في فلسطين تمتد من (تل أبيب) إلى )عتليت). واقترح (جورج انطونيوس) في رسالة إلى دافيد بن غوريون (نيسان 1936)، أن يهاجر اليهود إلى سوريا الكبرى بدلاً من فكرة الوطن القومي اليهودي، وأن يعطى اليهود، )مقاطعة) في السهل الساحلي الفلسطيني تكون مشمولة في الاتحاد السوري، وتكون فلسطين مركزاً روحياً وسياسياً لليهود). وأسس (فوزي درويش الحسيني)، (منظمة فلسطين الجديدة)، التي كانت على علاقة وطيدة بـ(عصبة التفاهم العربي - اليهودي)، التي أسسها (رابي بنيامين). وفي (9/10/1937)، أذاع (إلبرت هايمسون، والجنرال نيوكمب)، خطة تنص على ما يلي:

قيام دولة فلسطينية ذات سيادة ومستقلة عن الانتداب.

يتمتع اليهود والعرب بالحكم الذاتي في شؤونهم الخاصة، وبحقوق متساوية في الشؤون العامة.

يجب إلا يتجاوز عدد اليهود في فلسطين وشرق الأردن (50%) من عدد السكان في أي حال من الأحوال.

أما (المفتي الحاج أمين الحسيني)، فقد قدم في (12/1/1938)، كذلك (نوري السعيد)، في (6/2/1938) – خطّة تماثل تماماً خطة (هايمسون – نيوكمب). ويضيف )صقر أبو فخر)، بأن (الدولة ثنائية القومية) تختلف جوهرياً عن فكرة (الدولة الديموقراطية)، التي طرحتها حركة فتح عام 1968 .فالدولة الثنائية القومية تعني (وجود مجتمعين منفصلين إثنيا وثقافياً، لكن في إطار دولة واحدة. وفي هذه الدولة: إما أن تتولى الأغلبية حكم الدولة، على أن تتمتع الأقلية بحقوق الأقلية، أو أن يجنح حكم الأكثرية إلى نوع من الدولة العنصرية، حيث لا تتمتع الأقلية بحقوق متساوية لمواطنيها مع حقوق الأغلبية. لهذا لابد من قيام نظام سياسي توافقي) – (صقر أبو فخر: جريدة القدس العربي، لندن، 21/8/2006). ويقول (أسعد غانم)، بأن (النخبة اليهودية) عام 1925 دعت إلى النظر إلى الأغلبية العربية (خصوصاً المسلمة) على أنها ليست معادية لليهود والصهيونية، على عكس (الأقلية المسيحية) التي كانت معادية لليهود وللمشروع اليهودي. وبالتالي، فإن العرب مستعدون للتفكير في ضم الجماعتين (اليهودية والعربية) في إطار سياسي واحد. وتجمعت فكرة (الدولة ثنائية القومية) في عصبة السلام (بريت شالوم) التي أسسها (آرثر روبين) عام 1925. وعالج (دافيد بن غوريون)، الموضوع في أوائل الثلاثينات، معلناً أن الدولة التي ستقام تستلزم الحفاظ على توازن بين اليهود والعرب، بحيث لا يحكم العرب اليهود، ولا يحكم اليهود العرب. وقد تبنى هذا الموقف حزب (مباي، 1931). أما الحركة الوطنية الفلسطينية فقد رفضت فكرة الدولة ثنائية القومية من أساسها، لأنها كانت تشعر بالظلم حين تشاركها الحركة الصهيونية في وطنها

(3) – ميرون بنفنيستي: الدولة ثنائية القومية هي الحلّ:

يمكن تلخيص النقاط الأساسية في أطروحة الباحث الإسرائيلي ميرون بنفنيستي على النحو التالي:

أولاً: الحقيقة هي أنه حتى الوقت الحاضر (2003) نحن نعيش في (الواقع ثنائي القومية)، حتى لو أعطت الشعور بأن المرء يتخلى عن حلم إقامة (دولة قومية يهودية) على أرض إسرائيل. ما يحصل هنا هو صراع بين حركتين قوميتين على الأرض ذاتها. إنها (قصة السكان الأصليين) الذين يشعرون أن أشخاصاً جاءوا من وراء البحار، وتسللوا إلى موطنهم الطبيعي ومن ثم استولوا عليه. والنتيجة هي أنَّ منطق الحلّ المتمثل بدولتين لشعبين لا يمكن أن ينجح. لانَّ نموذج التقسيم إلى دولتين غير قابل للتطبيق، فهو لا يعكس عمق النزاع، ولا يتناسب مع مقياس (التشابك) الموجود في أجزاء كبيرة من البلاد. هذه البلاد لا يمكنها أن تتحمل حدوداً في وسطها.

ثانياً: كما أدرك حكام (جنوب افريقيا) عند نقطة معينة أنه ليس هناك بديل سوى تفكيك نظامهم، فإنه يجب على المؤسسة الإسرائيلية أن تفهم أنها غير قادرة على فرض تصوراتها وسيطرتها على (4.7 مليون فلسطيني) في الضفة وغزة، و(مواطني إسرائيل العرب). ما علينا هو محاولة الوصول إلى وضع من المساواة الشخصية والجماعية في إطار نظام شامل وكلي في أنحاء البلاد. وما أراه هو (هيكل فيديرالي) يشمل جميع فلسطين العربية التاريخية مع وجود (كنتونات إثنية)، تحت هذا الهيكل. ومن الواضح أن (الفلسطينيين في إسرائيل) سيكون لهم كانتوناتهم الخاصة، وحكمهم الذاتي الخاص المعبر عن حقوقهم الجماعية، ومن الواضح أن (المستوطنين) سيكون لهم كانتون، وسيعمل رئيس الحكومة الفيدرالية على إيجاد نوع من التوازن بين المجموعتين القوميتين.

ثالثاً: هذه بلاد كان فيها عرب دائماً. هذه بلاد العرب. وأنا حقاً من (الكنعانيين الجدد). أعتقد أن الوقت قد حان للإعلان عن أن (الثورة الصهيونية)، قد انتهت، وربما يجب الاعتراف بذلك بصورة رسمية. وإذا لم نفعل ذلك، ستتحول إلى (أقلية يهودية) هنا. وسيواجه أحفادنا نفس المشاكل التي واجهها (دوكليرك) في جنوب افريقيا.

رابعاً: هذه الأرض لا يمكنها تحمّل سيادتين، ولذلك فإن الخيارات سهلة للغاية : إما أن تختفي الأمة الأولى، وإما أن تختفي الأمة الثانية، أو أن تقوم أمة بإخضاع الأمة الثانية، وتحكم على نفسها بالعداوة الدائمة. أو أن (تتنازل الأمتان عن مطالبتهما بالسيادة الكاملة). لقد انتصرت الصهيونية عام 1948، وانتصرت أكثر من اللازم عام 1967، وختمت الصهيونية في الأعوام العشرين التي تلت مصيرها بتطبيق المشروع الصهيوني. أما معاهدات السلام مع مصر والأردن، فقد حصرتنا في داخل الواقع الثنائي القومية في أرض لا يمكن تقسيمها، حيث أصبحت الصهيونية ضحية انتصاراتها.

خامساً: حتى إذا أقيم هنا نوع من الهيكل الفيدرالي، أعرف أنه لن يجلب السلام. لن يكون هناك سلام هنا. وحتى إذا كان هناك نوع من الاتفاق الثنائي القومية، فإنه لن يقوم بشيء أكثر من مجرد (إدارة النزاع)، وسيحدث العنف دائماً على أطرافه. لن تكون هناك دولة قومية هنا، ولن تكون هناك دولتان لشعبين هنا. لكنني أتمسك بالأمل أن يتطور شيء مشترك، (شيءٌ كنعاني جديد)، حيث سنتعلم العيش معاً: الآخر الفلسطيني ليس شيطاناً، بل هو جزء من المكان – (ميرون بنفنستي: هآرتس، ترجمة: جريدة القدس، فلسطين، 16/8/2003).

ملاحظات (1)

أولاً: حتى الآن، نحن أمام عناوين، وشعارات غائمة، فما يتعلق بالتاريخ (جماعة بريت شالوم، 1925)، حيث نشير إلى أن هذه المجموعة، كانت غير مؤثرة، تمتلك طابعاً فردياً، لم يتحول إلى ظاهرة صهيونية كبرى، أو لم تصبح تياراً رئيساً في الحركة الصهيونية الصاعدة بأفكار وعد بلفور، الذي اعتبر السكان الأصليين، مجرد أقليات، وهو ما كان يخالف الحقيقة والواقع. لقد كانت الحركة الصهيونية آنذاك (1925)، مرتبكة وخائفة من عدم تحقيق مشروعها وهو (إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين)، لهذا طرحت فكرة الدولة ثنائية القومية بشكل غائم وملتبس، وتجاهلت أنها حركة استيطانية استعمارية جاءت لتحتل أرض الغير. أما (بن غوريون الثلاثينات)، فهو غير ابن غوريون عام 1948، مخطط وراعي (الخطة دالِت الشهيرة) لارتكاب مذابح ضد الفلسطينيين من أجل تهجيرهم. وهكذا كانت الدعوة إلى التوازن بين العرب واليهود، التي يستشهد بها على أنها فكرة سلامية، لم تكن تحمل سوى معنى (التطهير العرقي والتهجير) من أجل إقامة هذا التوازن الوهمي.

ثانياً: أما الأفكار التي أدلى بها سراً بالتأكيد بعض أنصار (ثقافة السلام) من الفلسطينيين مع الحركة الصهيونية في الثلاثينات، فهي مجرد أفكار سرية الطابع، لم يكن يجرؤ أصحابها على الجهر بها أمام الرأي العام الفلسطيني المقاوم، ولم تكتسب أية شرعية حتى في مستوى النخب الثقافية الفلسطينية، وبالتالي، فهي مجرد (رسائل فردية) في أرشيف الصراع، أي لا قيمة لها.

ثالثاً: منذ منتصف الثمانينات، ظهرت حركة (تجديد الصهيونية)، المتمثلة بما أطلق عليه لقب (المؤرخين الإسرائيليين الجدد)، الذين رفعوا شعار فلسفة (المابعدية)، أي (ما بعد الصهيونية)، لكن (الما بعد) يتلازم مع (الما قبل)، أي نكبة فلسطين 1948. هؤلاء المؤرخون هم أبناء دولة إسرائيل الصهيونية، عملوا في مؤسساتها، بل دافعوا عن الأفكار الصهيونية، وهم بطبيعة الحال، لا يمكن أن يطالبوا بتفكيك دولتهم العنصرية، وإنما هم يطالبون بتفكيك بعض مظاهر العنصرية في الدولة، لكي تتلاءم مع فكرة (الديموقراطية!!) في المفهوم الإسرائيلي. لذلك نقرأ لهم بعض الكتب عن مأساة 1948، وعن التطهير العرقي في (الخطة دالت)، وعن اكتشاف (مذابح)، ارتكبت ضد الفلسطينيين. هذا الاعتراف المتأخر لم تصحبه أية خطوة من قبل دولة إسرائيل، فهو اعتراف أفراد وليس اعتراف دولة مارست التطهير العرقي، والجرائم ضد الإنسانية، وحروب الإبادة، وما تزال. موقف (المؤرخين الجدد) الذين يرغبون في تجديد الصهيونية من أجل إعادة تجديد إسرائيل، وتحويلها إلى دولة طبيعية، يذكرني بموقف بعض المثقفين الفرنسيين تجاه احتلال فرنسا للجزائر، حيث طالب المثقفون الفرنسيون بضرورة رفع الظلم والاضطهاد والتعذيب الذي كان يمارسه جيش الاحتلال الفرنسي، لكنهم أبداً لم يتماهوا مع مطلب الاستقلال الجزائري، وخروج قوات الاحتلال. فالمؤرخون الإسرائيليون عندما ينتقدون مظالم دولتهم، أو عندما يطالب بعضهم، بدولة ثنائية القومية، يتجاهل مسألة جوهرية هي أنه لا بد من تفكيك دولة إسرائيل، ليس لأنها عنصرية فحسب، بل لأنها نتاج استعماري استيطاني، فهي دولة غير طبيعية في المنطقة. أما سياسة (عفى الله عما مضى)، فهي غير قابلة للتحقق، بل مستحيلة، لأن الضحايا وأحفادهم ما زالوا في مخيمات المنفى، فالقفز إلى فلسفة (الما بعد)، يقتضي التلازم مع كشف وإصلاح (الما قبل).

رابعاً: لم تنته الصهيونية ولم تمت كما يزعم (ميرون بنفنيستي)، رغم رغبته الجياشة في أن يغفر له الفلسطينيون ماضيه الصهيوني، وأن يمنحوه عضوية (نادي الكنعانيين الجدد). وإذا كان حل الدولتين، غير قابل للتطبيق، انطلاقاً من واقع المستوطنات الاستعماري، فكيف يمكن أن ينجح الحلّ الطوباوي (دولة ثنائية القومية)، إلاَّ باقتناع دولة إسرائيل بتفكيك نفسها على طريقة جنوب افريقيا. وسيكون الواقع هو نفس الواقع حتى في ظل دولة ثنائية القومية، بل سيكون واقعاً صعباً ومعقداً. كل اعترافات (ميرون بنفنيستي) تدل على أنه رجل أُصيب بنوبة اعتراف متأخرة هي تعبير عن مأساة شخصية أكثر مما هي توبة إسرائيلية شعبية أو رسمية. وخلاصة ما قاله هو (أن تتنازل الأُمّتان عن مطالبتهما بالسيادة الكاملة)، وأن يتشاركا في (إدارة الصراع)، حتى في ظل (الدولة ثنائية القومية) الافتراضية.

(4) – (دولة ثنائية القومية) بعيداً عن فكرة الوحدة العربية!!

(أسعد غانم)، محاضر في (جامعة حيفا الإسرائيلية)، وباحث في معهد أبحاث السلام في (غفعات حفيفا إسرائيل)، يقدم دراسة بعنوان: (دولة فلسطينية – إسرائيلية، ثنائية القومية)، لا يتوقف فيها عند الأفكار العامة، بل يتبرع برسم بعض تفاصيلها، منطلقاً من مقولة فشل (حلّ الدولتين)، بسبب اتفاق أوسلو، لكنه أيضاً يقول: (ليست الدولة ثنائية القومية، إجهاضاً لفكرة المشروع الوطني الفلسطيني (دولة فلسطينية مستقلة)، بل هي توسيع لها بحيث تشمل الفلسطينيين في إسرائيل). ويقرر الباحث (نيابة عن الشعب الفلسطيني)، أن إقامة الدولة ثنائية القومية، هو (إقرار بأن مستقبل الشعب الفلسطيني )يختلف) عن باقي الشعوب العربية، (ولا يتناسق) مع فكرة الوحدة العربية والتكامل العربي، وإنما ينبغي للفلسطينيين القبول بهوية وانتماء يتلاءمان مع الدولة الثنائية القومية)، بل يضيف: (مع عدم إغفال ضرورة التواصل الفكري والحضاري (وليس السياسي) مع العالم العربي). ونلخص في قراءة مونتاجية (أي بلغة المؤلف)، أهم أفكار سعد غانم حول (الدولة ثنائية القومية: فلسطينية – إسرائيلية)، مشيرين إلى (فشل اتفاق أوسلو)، وصعود نزعة التأسرل المهيمنة على أفكار بعض مثقفي (فلسطين – 48)، و(مؤيدي اتفاق أوسلو) في )الضفة الغربية). لأنّ (فشل أوسلو، ونزعة التأسرل) هما سبب تجديد الأفكار حول الاقتراح اليهودي القديم (الدولة ثنائية القومية:
أولاً: يرى الباحث أن (اتفاقات أوسلو) لا تقود بالضرورة إلى عملية الفصل بين الشعبين، وإنما العكس: فهي توجد نظاماً مشتركاً بين إسرائيليين وفلسطينيين مع درجة محددة من الفصل، تدير فيه كل مجموعة شؤونها الخاصة منفردة، بينما تبقى المحموعتان تعيشان في الإطار السياسي نفسه. لكن اتفاقات أوسلو لا تسمح بتطوير (هوية مدنية مشتركة). ولهذا يجب إنشاء دولة ثنائية القومية (إسرائيلية – فلسطينية) في فلسطين الانتدابية
ثانياً: بوثوقية منقطعة النظير، يرسم الباحث التفاصيل: يقوم النظام السياسي على أربعة مبادئ من الاتحادية هي: ائتلاف واسع بين الممثلين السياسين لليهود والفلسطينيين – حق النقض المتبادل لممثلي الجماعتين فيما يتعلق بالمسائل الجوهرية – مبدأ التمثيل النسبي فيما يتعلق بتوزيع المنافع الاجتماعية والاقتصادية وأيضاً في المؤسسات السياسية والعامة – درجة عالية من الاستقلال الذاتي لكل مجموعة في إدارة شؤونها الداخلية.

ثالثاً: في ظل الأوضاع الراهنة (2000)، يتضح أنه حتى لو كانت إسرائيل ستسمح بعودة اللاجئين إلى الكيان الفلسطيني، فإن هذا الكيان، غير قادر مالياً على استيعاب عشرات الآلاف من اللاجئين. وفوق ذلك من الممكن أن أغلبية اللاجئين لن ترغب في العودة إلى الكيان، لكنها ستبقى تؤمن بحقها وقدرتها على العودة إلى بيوتها داخل الخط الأخضر في المستقبل. والحل حسب الباحث أن التعاون الفلسطيني – الإسرائيلي، (بعد) تأسيس نظام ثنائي القومية، هو وحده الذي يستطيع أن يحل مشكلة اللاجئين.

رابعاً: هناك نقاش حول (دولة ديموقراطية علمانية)، يوضح مناصروها أن البناء القومي للمجموعتين يجب أن يُقتلع، وأن دولة ديموقراطية علمانية يجب أن تقام على نمط ديموقراطي ليبرالي، وألاَّ تهتم بالانتماءات القومية لمواطنيها، كما أن هؤلاء يعارضون فكرة ثنائية القومية. ومن وجهة نظر الباحث أن دعاة الدولة الليبرالية لا يقدرون بما فيه الكفاية، قوة الانتماء القومي للحركتين. إنهم يتحدثون عن يوتوبيا (دولة فاضلة) لا حظ لها من التحقق.

خامساً: يضع الباحث خلاصة هي التالية:

اليهود في إسرائيل هم مجموعة قومية، يجب التعاون معها من أجل إقامة دولة ثنائية القومية.
الوصول إلى دولة ثنائية القومية، لا يتطلب بالضرورة أن يطالب الفلسطينيون في الضفة وقطاع غزة بالحصول على الهوية الإسرائيلية، وإنما هو ممكن في ظل نشوء حاجة إلى التعاون بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية في مجالا ت متعددة في اتجاه ثنائي القومية في مراحل متأخرة.

الفلسطينيون في إسرائيل مطالبون بالبحث عن إمكانات التواصل الثقافي والحضاري والاجتماعي والنقابي والاقتصادي والسياسي مع المناطق التي تحكمها السلطة الفلسطينية.
الحل على أساس الدولة ثنائية القومية هو الحل القادر على حل إشكالات صعبة تواجه الشعب الفلسطيني. هذا الحل أمر مرغوب فيه – (أسعد غانم: مجلة الدراسات الفلسطينية، العدد (41)، شتاء 2000).

أمّا (عزمي بشارة)، فهو يقدم خلاصة تؤيد حل الدولة ثنائية القومية، لكن بشروط أكثر واقعية، يقول: (الأفق الوحيد لأي تحرر يحمله جيلنا والجيل المقبل هو أن يعيش (السكان)، في فلسطين كلها كمواطنين متساوي الحقوق في (دولة واحدة). ولكي يحصل ذلك، يجب أن تقوم هذه الدولة على (المواطنة) الديموقراطية المتساوية الحقوق، فتفكيك الصهيونية شرط لتحقيق المواطنة، وأن تنتمي (فلسطين الديموقراطية) هذه إلى حاضنة أكبر هي الوطن العربي. البديل من هذا الحل العادل على المدى البعيد ليس (حلّ الدولتين)، فنحن نرى تطبيقه أمام أعيننا. بل أن يتم التعامل مع هذا الكيان الصهيوني من جانب شعوب المنطقة (كدولة صليبية جديدة)، ستزول عاجلاً أم آجلاً. ومجرد التفكير بذلك، يجعل (حل الدولة الواحدة) في فلسطين، يبدو كما هو فعلاً حلاًّ عادلاً، وليس شعاراً متطرفاً – (عزمي بشارة: ملحق فلسطين، جريدة السفير اللبنانية، 2010). حالياً ((2005 تقول (ليلى فرسخ)، هناك (تغيرات ديموغرافية) تقوض أي خطط للتقسيم: هناك (5.6 مليون فلسطيني)، و(5.2 مليون إسرائيلي)، يعيشون بين البحر الأبيض المتوسط، ونهر الأردن (فلسطين). ولا يمكن أن يعم السلام دون حلّ عادل لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين، لكن هذا الحق، إضافة لتزايد عدد السكان الفلسطينيين، يهدد هوية إسرائيل اليهودية بالخطر (ليلى فرسخ: لوموند، ترجمة جريدة الغد، عّمان، 30/3/2007) وتكتب الصحافية الإسرائيلية (عميره هاس) تقريراً بعنوان: (لجنة المفاوضات الفلسطينية أعدت وثيقة مقلقة حول سياسة الاستيطان، وتطرح خيار ضم الضفة الغربية وقطاع غزة لإسرائيل والعيش في دولة واحدة)، قالت فيه: (الخيار الوحيد الذي سيبقى أمام الفلسطينيين كما تقول الوثيقة الفلسطينية، هو قبول حل (دولة واحدة لشعبين)، إلاَّ أنّ إسرائيل لن تقبل هذا الخيار، بسبب (تفوق الفلسطينيين ديموغرافيا)، الأمر الذي يهدد هوية الدولة اليهودية – (عميره هاس: هآرتس، 2002/10/9).

- أما (إدوارد سعيد) الذي وقف ضد الكفاح المسلح الفلسطيني في السبعينات، لكنه كان (القناة الرسمية) بين منظمة التحرير والإدارة الأمريكية (سايروس ڤانس) منذ عام 1977، ومارس الحوار مع المثقفين الإسرائيليين، فقد أيّد فكرة التعايش في أرض واحدة، قائلاً: (فلسطين ليست أرض شعب واحد، بل هي أرض شعبين لا يمكن لأحدهما إلغاء الآخر، أو طرده منها، وعليهما أن يتعايشا بسلام ووئام. هذا يقتضي الاعتراف المتبادل)، ورأى (سعيد) أن النزاع لن يحله سوى (جيل جديد) من القادة الفلسطينيين والإسرائيليين.. خال من كبت وعقد الماضي، يستند إلى (احترام الآخر)، وقادر على التمسك بضرورة التوصل إلى حياة مشتركة – (إدوارد سعيد: جريدة الحياة اللندنية، 27/10/2002).

ملاحظات (2)

أولاً: إشكالية بحث أسعد غانم أنه يطرح أفكاراً طوباوية غير قابلة للتطبيق، بل يفصل الأوهام ليغرينا بتصديقها، وأساس هذه الأوهام، هو الوهم الأكبر حول تفكيك إسرائيل الصهيونية لصهيونيتها بسهولة وتحولها إلى دولة ديموقراطية، لا ينقصها سوى الترتيبات البرلمانية الاتحادية بين القوميتين: الإسرائيلية، والفلسطينية!. وهو يسرد الافتراض وراء الافتراض لتبقى الأفكار مجرد افتراضات في خيال الباحث ذات طابع رغبوي توجيهي.

ثانياً: إنَّ أي نظام أو اقتراح يضع تعارضاً بين (فلسطين – العروبة)، التي هي العنصر الطبيعي في الهوية الفلسطينية، بل هو أوضحها، ليقيم هوية جديدة وهمية للفلسطينيين هي: (فلسطين - التأسرل)، مصير هذا الاقتراح هو الفشل. لأنَّ الباحث عندئذ يستبدل عنصراً طبيعياً في الهوية، بعنصر افتراضي صناعي، لا مستقبل له. وهنا وقع الباحث تحت تأثير (درجة التأسرل) في (فلسطين – 48)، وقد اعترف عزمي بشارة، بتصاعد هذه (الأسرلة)، وحذَّر منها. لا انفكاك بين فلسطين والعروبة، ولا انفكاك بين فلسطين والجذر الكنعاني الفلسطيني. أما الانتماء لكيان جديد هو الدولة ثنائية القومية، فهو يفترض تفكيك دولة إسرائيل مع الاعتراف بواقعية وجود إسرائيليين كجزء من هذا الكيان الجديد، لكنه أي الباحث، يحذف تماماً الرغبة الحقيقية للشعب الفلسطيني في إقامة (دولة فلسطين الديموقراطية) على كامل التراب الفلسطيني، وهذا هو الحل العادل، وليست كما يرى الباحث، مجرد رغبة لجبهة الرفض الفلسطينية.

ثالثاً: أي حلّ يتجاهل (قضية لاجئي 48 و67) مصيره الفشل. أما القول بأن المسألة تقنية، فالرد واضح، هناك إمكانية (واقعية) لعودة اللاجئين حتى إلى (منطقة – 48) التي تسمى حالياً (إسرائيل)، حسب أطروحة (سلمان أبو ستة)، وهي أطروحة مدروسة ومتقنة، لو أرادت إسرائيل السلام.

رابعاً: تتمركز أفكار المصطلحات المطروحة: دولة ديموقراطية علمانية، دولة واحدة مشتركة، اتحاد فيدرالي فلسطين – إسرائيل، وغيرها حول فكرة واحدة هي الجمع بين الصهيونية، والقومية العربية في كيان مشترك في أرض فلسطين الكاملة. هذا أمر غير ممكن، حتى لو فككت دولة إسرائيل، صهيونيتها، وهو مجرد افتراض طوباوي، لأنه يتنافي مع العدالة، ولأن إسرائيل دولة غير طبيعية، ذات طبيعة عدوانية متوحشة استعمارية، ولا يوجد حتى في الأفق البعيد أية ملامح لقابلية تحولها باتجاه تفكيك نفسها.

خامساً: الحق الطبيعي لعودة اللاجئين الفلسطينيين إلى وطنهم فلسطين، والحق الطبيعي في التزايد الديموغرافي الفلسطيني في أرضه، هما حقّان مكفولان في السماء والأرض عند كل أمم وشرائع الكون. أما (غير الطبيعي الشاذ)، فهو القول بأن النمو الديمغرافي الفلسطيني، (يهدد يهودية الدولة)!!، فما الذي يزعج العالم إذا أصبحت إسرائيل دولة غير يهودية!!، أو حتى إذا لم يعد وجود لهذه الدولة على أرض فلسطين!!: (اليهود) لا يصبحون (عباقرة) إلاَّ في الشتات، أي في أوطانهم الأصلية المتناثرة في أوروبا وأمريكا وروسيا. كما قال الروائي اليوناني العالمي )كازانتزاكيس) عام 1927. أما حشرهم في دولة صناعية مفبركة تضطهد الشعب الأصلي على أرضه، فهذا يتنافى مع كل قوانين الكون.

(5) – حين تبحث الضحية عن حلول لمأزق الجلاَّد:

(الحلُّ العادل) كما هو معروف، أن تفكك دولة الاحتلال نفسها حتى تستطيع حماية البشر الذين ينتمون لها، أو يقوم أصحاب الأرض الأصليين بتفكيكها، بعيداً عن مفهوم الاستطاعة من عدمها. وفي حالة العجز، يستطيع (الأصلي)، نبذ ومقاطعة وعزل دولة الاحتلال، بكل أشكال المقاومة حتى يرجح ميزان القوى لصالحه في لحظة زمنية تاريخية قد تأتي في المدى المنظور أو المدى البعيد. عدم الاعتراف بشرعية دولة الاحتلال، هو ورقة المقاومة الممكنة في كل زمان، حتى في زمن الضعف، لأنَّ النقطة المركزية في ضعف دولة الاحتلال، هي في عدم حصولها على الشرعية من أبناء الأرض الأصليين. لكن شريحة فلسطينية من المثقفين السياسيين، لم تشارك في الثورة الفلسطينية المعاصرة، (1964–1994)، أو كانت على هامشها تأثرت بالأفكار المتأسرلة والمتأمركة، أصبحت تؤمن أنَّ إسرائيل، حقيقة واقعية على الأرض، ولا بد من الاعتراف بها، والتحاور معها للوصول إلى ما يسمى (الحل الوسط)، بعيداً عن فكرة العدالة، والحل العادل. فبدأت هذه الشريحة المثقفة التي لا تمتلك رصيداً شعبياً، تبحث عن حلول لمأزق الجلاَّد، مدعية أنَّ هذه الحلول، ستكون لمصلحة الأصلي أيضاً. كما أن هناك شريحة متأسرلة في (فلسطين – 48)، ترى قوة إسرائيل الفعلية كل يوم على أنها حقيقة أبدية، وبالتالي طرحت ضرورة التكيف التدريجي معها، انطلاقاً من حالة التحول من مرحلة كره الجلاَّد إلى حالة عشق الجلاَّد والإعجاب بقوته. لكن الجلاَّد يعترف في أعماق نفسه أن (الأصلي) يمتلك ورقة قوية هي عدم الاعتراف بشرعية الجلاَّد، لا في (دولتين)، ولا في التشارك معه في (دولة واحدة). هناك منهجية، مارستها الحركة الوطنية الفلسطينية، أسميها: (منهجية التنازل التدريجي)، منذ عام 1974 في (برنامج النقاط، العشر)، ورغم أنَّ هذا البرنامج لم يعترف بشرعية دولة إسرائيل، ولم يعترف بالقرار 242، ولم يلغ ممارسة الكفاح المسلح، إلاَّ أنه أقر بفكرة (المرحلية)، التي كانت تعني (تحرير أي جزء من أرض فلسطين، وإقامة سلطة وطنية فلسطينية مقاتلة مسلحة على هذا الجزء)، ومعنى ذلك أنَّ تحرير الضفة وقطاع غزة والقدس الشرقية، هو مرحلة من مراحل تحرير فلسطين التاريخية، بل لم يحدد برنامج النقاط العشر جغرافياً هذه السلطة ولو نظرياً، لكن ما وراء النص أو (المسكوت عنه) في النص كان واضحاً. ورغم ضجيج (جبهة الرفض)، آنذاك، إلاّ أنها وافقت عليه عام 1977 .لكن الأمر ظلَّ موضوعاً نظرياً لصراع النصوص الفلسطينية، حتى جاء عام 1988 حين أقرالمجلس الوطني الفلسطيني في الجزائر، الاعتراف بالقرار (181): قرار التقسيم، والقرار (242): إزالة آثار عدوان 1967. وكانت هذه هي الخطوة الأولى العملية، التي ساهمت في دخول منظمة التحرير في (مؤتمر مدريد، 1991)، المشكلة هي الاعتراف بالقرار (242) دون مقابل. هذا الاستعجال غير المدروس، كان ثمنه رفع صفة الإرهاب عن المنظمة من قبل الولايات المتحدة، وهو ثمن بخس. فالقادة الإسرائيليون الذين فاوضوا في مؤتمر مدريد، هم قادة موصومون عالمياً بالإرهاب تاريخياً، بل كانت وما تزال دولة إسرائيل، هي منبع ونموذج للإرهاب. ثمَّ جاءت بعد (الجزائر، مدريد)، خطوة (التنازل الاستراتيجي) في (اتفاق أوسلو)، التي كان ثمنها تأسيس (سلطة تحت الاحتلال) في الضفة وغزة. أدى (اتفاق أوسلو) إلى تجاهل (فلسطين – 48)، بل تجاهل الشعب الفلسطيني، الذي يعيش في مخيمات الشتات. وهكذا استغلت شريحة (التأسرل) الثقافية الفلسطينية في (فلسطين 48، وفي الشتات)، التي تلاقت مع أفكار أوسلو باعتباره حلاً مرحلياً، لتعمم فكرة التأسرل على فلسطين التاريخية. ويجب أن نتذكر أنَّ (تيار التأسرل الفلسطيني)، هو نفسه الذي شجع منظمة التحرير الفلسطينية على الدخول في مفاوضات مدريد، وهو نفسه الذي شارك في مفاوضات مدريد وأوسلو واتفاقاتها قبل إعلان المبادئ، وبعد الإعلان، وشاركوا (عرفات) في اقتسام الكعكة المسمومة (السلطة) في الضفة والقطاع. ولكن عندما أدرك هذا (التيار الانتهازي)، أن فشل مفاوضات كامب ديفيد، واندلاع الانتفاضة الثانية المسلحة، (2000)، سيؤدي حتماً إلى نهاية أوسلو العملية، وليست القانونية، بدأوا بالتفتيش عن لعبة سحرية استخرجوها من جراب الحاوي، وهي لعبة يهودية صهيونية قديمة (1952) تدعى: (الدولة الإسرائيلية الفلسطينية الواحدة)، وقالوا بأن (أوسلو) هو الخطوة الأولى فيها، تقوم فكرتها الأساسية على (الحل الديموغرافي)، فهي فكرة (سماوية!!) ميتافيزيقية، تعتمد على ما أسميه: (التلقائية الديموغرافية): حسب هؤلاء: لا داعي لمقاومة الاحتلال، لأنه أمر واقع لا مفر منه، والمطلوب هو التكيف مع الاحتلال تدريجياً، والاندماج التدريجي في (التأسرل)، وذلك بالاعتراف الواقعي بشرعية وطبيعية دولة الاحتلال الإسرائيلي في فلسطين التاريخية، عندئذ، ستجدون أنّ عدد السكان المتكافئ يميل لصالح الفلسطينيين، وفجأة ستجدون أن إسرائيل شريك طبيعي في دولة واحدة ثنائية القومية، أو (ثلاثية الدين). هذا الحل السماوي الميتافيزيقي الطوباوي لا يحتاج إلى مقاومة ولا إلى حروب، حسب أنصاره ومروجيه، وما علينا سوى مزيد من (الخطوات التطبيعية والتعايش) حسب إدوار سعيد، و(الابتعاد عن العروبة وأفكار الوحدة العربية)، حسب أسعد غانم، و(الاعتراف بأن نصف الأرض للإسرائيليين، ونصفها الآخر للفلسطينيين)، حسب محمود درويش. هكذا نعيش معاً عرباً ويهوداً على أرض فلسطين )في تبات ونبات، ونخلّف صبياناً وبنات!!)

(6) – (جدلية السيّد – العبد) رش السكَّر على الموت:

بدلاً من (الصراع حتى الموت)، كما هو الحال في (مشروع الدولة الفلسطينية الديمقراطية)، الذي اقترحته منظمة التحرير الفلسطينية 1968، يقترح علينا (رائف زريق)، الجدلية الهيغلية: (جدلية السيّد – العبد)، وهو كمن يرش على الموت سكَّراً، يعدد لنا مزايا هذه الجدلية على النحو التالي: (حلُّ الدولة الواحدة، هو السبيل (المتاح !!) الأفضل لإبقاء المسألة الفلسطينية حية، ولأنه يركز على الحقوق الفردية والمدنية، لا على تقرير المصير القومي. وتتمثل جاذبية حل الدولة الواحدة في كونه يقلب الضعف الفلسطيني إلى قوة، ويقيد القوة الإسرائيلية. كما يتيح للفلسطينيين خطة وأجندة وأفق كفاح. وهذا ما يقرب الفلسطينيين من (جدلية السيد – العبد). وتكمن قوة (العبد) في أن استسلامه للسيد يشكل تقييداً لقوة السيد، لأن قوة السيد تقتضي مقاومة تواجهها كي تفعل نفسها). وفيما يلي نلخص أهم الأفكار الواردة في دراسة (رائف زريق):

أولاً: الحجة الكبرى ضد) حلّ الدولتين) المطروح في اتفاق أوسلو، هي أن هذا الحل، (مستحيل): هذا النزاع بطبيعته هو نزاع بين جماعتين، (لا بين دولة محتلة، وشعب واقع تحت الاحتلال). هذه الصفة من المستحيل إمكان الفصل بينهما. كما أن الواقع الذي أفرزه اتفاق أوسلو هو : (نخبة فاسدة تعمل كمقاولين من الباطن لإسرائيل، وعاجزة عن قيادة الكفاح من أجل الاستقلال والسيادة والحرية)، فالمواقف السياسية التي اتخذتها السلطة الفلسطينية في أثناء (الحرب على غزة)، اعتبرت تبريراً فعلياً للحرب الإسرائيلية ولوماً علنياً للضحايا، تثبت ذلك الأمر إثباتا لا يطاله شك.

ثانياً: حل الدولة الواحدة يصون سلامة فلسطين التاريخية وتكاملها ككيان واحد، وهو عبر هذه الوحدة يزيل جميع الحدود الاصطناعية التي تقسم الشعب الفلسطيني، أما (حل الدولتين) فهو يسمح بوحدة اليهود، في الوقت الذي يمزق وحدة الفلسطينيين.

ثالثاً: فكرة الدولة الواحدة، مؤسسة على فكرة (العدالة التوزيعية) من حيث أنه يمنح فرصة أفضل للفلسطينيين لنيل حقوقهم وحصتهم من الخير الجماعي في (دولة إسرائيل). وهذا الحل بطبيعة الحال لا يستطيع أن يُغفل حجج الإسرائيليين حول التحول من دولة سيادية يشكل اليهود أكثرية فيها إلى حالة يتقاسمون فيها (السيطرة ومنزلة الأكثرية)، مع الفلسطينيين. لكن الإسرائيليين يستطيعون أن يعيشوا أيضاً في الضفة الغربية وفي أي جزء من فلسطين الانتدابية. بل إن إسرائيل الحالية نفسها: (تتحول بالتدريج، حتى داخل الخط الأخضر إلى دولة ثنائية القومية)، وهي في سبيلها إلى خسارة طباعها الفريد كدولة يهودية.
رابعاً: ميزان القوى في حال (حل الدولتين) أو (حل الدولة الواحدة)، هو نفسه، مختلٌّ لغير صالح الفلسطينيين.والحلول جميعها مستحيلة أو ممكنة بالقدر نفسه. وبالتالي، فإن (عامل ميزان القوة) يجب ألا يكون عاملاً مركزياً عند طرح الحلول، المهم هو (العدالة): العدالة التوزيعية، والعدالة التصحيحية لمظالم تاريخية سابقة. وهذا ما يسمح للفلسطينيين بإحياء كفاحهم السياسي عبر الدولة الواحدة: (يتم تحقيقه بوسائل سلمية كالإقناع والنقاش السياسي). كفاح معادل للكفاح (الجنوب إفريقي) من أجل صوت واحد للشخص الواحد. وهو في النهاية (كفاح ليبرالي كلاسيكي). وهو حلٌّ يحول الفرد الخاضع للاحتلال ضمن حدود دولة إسرائيل، من مجرد تابع إلى مواطن فاعل مساوٍ لغيره، كما أن حل الدولة الواحدة مؤهل لتحويل الكفاح الفلسطيني إلى كفاح من أجل الحقوق المدنية والإنسانية ضمن كيان واحد، سواءٌ سمي :فلسطين أو إسرائيل أو غيرهما.

خامساً: وفي الطريق إلى الدولة الواحدة (ثنائية القومية) ينبغي تطوير صيغة تسمح للجماعتين بالعيش معاً ومن أجل ذلك يفترض أن يتطور الخطاب، فإن على الحركة الوطنية الفلسطينية أن (تهزم تماماً)، وأن يتلاشى أولاً حلم الدولة الفلسطينية الوطنية المنفصلة، وأن يتخلى اليهود عن حقهم في تشكيل أكثرية ديموغرافية.كما أن حل الدولة الواحدة، يقترح أشكالاً أخرى للصراع من شأنها (تحييد التفوق العسكري الإسرائيلي) بوسائل سلمية مثل: (حركة حقوق مدنية). وهذا ما يؤدي إلى قلب ضعف الفلسطينيين إلى قوة – (رائف زريق: الدولة الواحدة، مجلة الدراسات الفلسطينية، عدد (86)، ربيع 2011، بيروت).

ملاحظات (3)

أولاً: يستبدل (رائف زريق)، حق تقرير المصير الفلسطيني، بما اسماه (الحلّ المُتاح!!)، وهو الدولة الواحدة (الإسرائيلية الفلسطينية)، فإذا كان (حل الدولتين) مستحيلاً، فكيف يكون حل الدولة الواحدة واقعياً. والصحيح أننا سنصبح بين (مستحيلين)، بحكم توسع المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية (فلسطين الوسطى). عملياً: هناك دولة إسرائيلية محتلة لكامل فلسطين الانتدابية، وشعب تحت الاحتلال، داخل الخط الأخضر وخارجه. فالوصول إلى (الدولة الواحدة) يعني تفكيك دولة إسرائيل كدولة استعمارية استيطانية عنصرية، وليس تفكيك عنصريتها فقط، أي أن الضرورة تقتضي العودة إلى مشروع (الدولة الفلسطينية الديموقراطية) الذي هو الحل العادل، الذي يعترف بشرعية الطائفة اليهودية الفلسطينية (7%)، لكنه لا يعترف بالغزاة القادمين من روسيا وأوروبا، وأمريكا، لأنهم غزاة. إذن، هدف مشروع (الدولة الواحدة) عند أنصارها، هو (عفى االله عما مضى)، لأنَّ (دولة إسرائيل) أصبحت أمراً واقعاً، وهذا المقتل الأساسي لحل الدولة الواحدة.

ثانياً: الدولة الواحدة، فكرة طوباوية غير واقعية، أداة تحقيقها السلمية (الإقناع والحوار، حركة الحقوق المدنية) هذه الأساليب غير قادرة على تحقيقها، بل تجعلها مستحيلة التحقق، ما دامت هذه الأدوات (الكفاحية!!) لا ترقى حتى إلى تحرير مؤسسة واحدة. وقد استخدمتها وما تزال جماعة أوسلو (حل الدولتين) دون جدوى. ولم تستطع هذه الأساليب السلمية منع إسرائيل من قصف (مظاهرات سلمية) في قطاع غزة. كما لم تمنعها من قتل نشطاء عالميين في (أسطول الحرية). كما لم تمنعها مظاهرات نشطاء حق العودة على الحدود اللبنانية – السورية في (15/5/2011)، و(5/6/2011) من إطلاق النار على المظاهرات الرمزية السلمية، وقتل العشرات من الشباب غير المسلحين. بل لم تستطع كل (المظاهرات العالمية) ضد الحرب على غزة أنَّ تزحزح إسرائيل قيد أنملة عن قتل الأطفال وتدمير البيوت واغتيال المدنيين بوساطة الطائرات. فكيف يمكن (تحييد القوة العسكرية الإسرائيلية) بالمظاهرات والنشاطات السلمية، والاحتجاجات، والبيانات، و(الأنجزة)، وحركات الحقوق المدنية على أهمية النضال السلمي في حركة النضال الشاملة.

ثالثاً: يعتمد أنصار (الدولة الواحدة) على فكرة موت أوسلو، وفكرة عدم جدوى )الصراع حتى الموت) في مشروع الدولة الديمقراطية الفلسطينية، أي أنهم يقيمون ذرائعهم لطرح نظرية الدولة الواحدة على الفشل، وهي النقطة المركزية في دفاعاتهم عن نظرية افتراضية نرى ملامح مقتلها في مشروع أوسلو نفسه، لأنهم يقرون أن (التشابك الواقعي) في الضفة الغربية، بل داخل الخط الأخضر بين العرب واليهود، أعلن فشله، أليس هذا (الفشل) هو النموذج المصغر للفشل الأكبر في دولة افتراضية: هو (هروب إلى الأمام، وتكيف مع الاحتلال).
رابعاً: نظرياً لا يصون (فلسطين التاريخية) الموحدة سوى تفكيك دولة إسرائيل، وليس الدولة الافتراضية (الإسرائيلية الفلسطينية). أما بقاء المسألة الفلسطينية حية، فلا يتم بمجرد طرح حل افتراضي، يتسلّى به الفلسطينيون والإسرائيليون حتى لا تبقى سياسة الأمر الواقع في وضع (ستاتيكو). ما يحرك قضية فلسطين، ويبقيها حية، هو القوى الفاعلة المؤثرة في مجتمع مقاومة شاملة: عسكرية، وسلمية معاً. وما يحرك القضية، هو اقتناع الإسرائيليين نظرياً وعملياً، أن الفلسطينيين لن يتحولوا إلى (هنود حمر) لا في الوطن، ولا في الشتات. وهذا ما يتناقض مع طلب الشراكة وتوسلها أمام (السيد). وإذا كنا سوف ننتقل من (وضعية الاستشهاد) إلى مرتبة (العبد)، من أجل التحرر من (السيّد)، فهذا أمر لم يحدث في التاريخ، حتى العبيد، قاموا بحركات احتجاج وثورة وتمردات، حتى نالوا حريتهم بالدم والسلاح والاحتجاج، وليس بالتوسل والاحتجاج وحده. كم من الشهداء دفع السود في (جنوب افريقيا) من أجل تحررهم. هنا ينبغي إعادة قراءة تجربة جنوب افريقيا من جديد . لم تقم السلطة الفلسطينية، بسبب (براعة !!) المفاوضين الفلسطينيين في مدريد ونيويورك وباريس وأوسلو، بل العكس، لقد قامت بسبب الدفع التاريخي للثورة الفلسطينية المعاصرة، وبسبب الانتفاضة الأولى، وآلاف الشهداء، والجرحى، والأسرى، أما مدى (شطارة المفاوضين)، فهي مثار سخرية كاريكاتورية (مفاوضات من أجل المفاوضات!).

(7) – الرئيس محمود عباس: فيلم الصبر الطويل – (2018)

- (الحل العادل)، هو العودة إلى مشروع (الدولة الفلسطينية الديمقراطية، 1968)، أي (تفكيك دولة إسرائيل الصهيونية)، وعودة (اليهود) إلى أوطانهم الأصلية في (أوروبا وروسيا وأميركا)، وعودة اللاجئين الفلسطينيين إلى وطنهم الأصلي في (فلسطين الكنعانية). هذا مع الاعتراف بـ(الطائفة اليهودية الفلسطينية، 7%من الشعب الفلسطيني)، ضمن الدولة الفلسطينية الديمقراطية. ولا مفرّ من ذلك.

- تفاعل (مثقفون فلسطينيون): إدوارد سعيد – عزمي بشارة – محمود درويش)مع شعار (الدولة ثنائية القومية) الافتراضية الطوباوية المستحيلة، كلٌّ بطريقته الخاصة. فنحن نجد أن إدوارد سعيد، يطالب بدولة كونفدرالية إسرائيلية – فلسطينية)، ونجد عزمي بشارة، يطالب بدولة ثنائية القومية (الواحدة)، مع بعض الشروط. أما (محمود درويش)، فقد انتمى إلى عضوية (جماعة إيلان هاليفي = إسراطين في باريس، منذ السبعينات، وأعلن حرفياً بالاشتراك مع الكاتب الإسرائيلي (عاموس كينان) تحت مظلة اليونسكو في باريس (عام 1985): (تلك الأرض نصفها لي، ونصفها لك)، في حين كان (مثقف فلسطيني آخر) في التوقيت نفسه في باريس، يشارك في مؤتمر (الجمعية العالمية للأدب المقارن) في جامعة الصوربون، يجمع التواقيع على بيان يدين الإرهاب الإسرائيلي في فلسطين، ويدين إغلاق إسرائيل لبعض الجامعات الفلسطينية. وقد أخطأ (المجلس الوطني الفلسطيني)، عام (1988) خطأ استراتيجياً قاتلاً، وهو (الاعتراف بالقرار 242) دون أي مقابل إسرائيلي. وعاد (درويش) إلى (رام الله) تحت مظلة اتفاق أوسلو.

- هدف مشروع (الدولة الواحدة) هو حذف اسم فلسطين، ونفي عروبة فلسطين، وتعميم التأسرل على فلسطين وما جاورها، والهروب إلى الأمام بالتكيف مع الاحتلال، وتوطين إسرائيل في فلسطين التاريخية، ودمجها في العالم العربي، بدلاً من اقتلاعها من جذورها بتفكيكها، فليست مهمة (الضحية) – البحث عن حلٍّ لِـ(الجلاد المحتل).

- أفادت (صحيفة هآرتس الإسرائيلية – 24/9/2017)، بأن الرئيس الأمريكي (ترامب)، يعكف مع طاقمه لشؤون الشرق الأوسط على بلورة خطة تسوية جديدة للحل. وقالت الصحيفة بأن ترامب (طلب من رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، (التروي والتحلي بالصبر – (موقع فلسطين الآن)).

- مساء الجمعة (9/3/2018)، أذاع (التلفزيون الفلسطيني الرسمي) فيلماً وثائقياً، بعنوان (الصبر) – (الحلقة الخامسة)، تحدث فيه (عباس) عن صبره الطويل على الإسرائيليين، وعاتبهم بأنه في عام (1987)، بعد أن انتخب عضواً في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية بعد المجلس الوطني الفلسطيني الذي انعقد في الجزائر – قام بتشكيل (لجنة خاصة لمحاورة الإسرائيليين) في باريس، وأماكن أخرى، سراً وعلناً، برئاسته، تتكون من السادة: (محمود عباس رئيساً – ياسر عبد ربه – الشاعر الكبير محمود درويش – عبدالله حوراني – سليمان النجّاب- عبدالرزاق اليحيى).

(7) – ماذا حدث في العام المفصلي (1987):

(ناجي العلي – وعزالدين المناصرة)

- وهكذا، كان عام (1987)، عاماً مفصلياً من الناحية السياسية والثقافية، ارتكبتْ فيه (حادثتان خطيرتان)، في مرحلة تشكيل (لجنة الحوار الإسرائيلي – الفلسطيني)، هما:

(1) – اغتيل الفنان (ناجي العلي) في تموز 1987 في لندن، في ظل اتهامات متبادلة بين الموالين لياسر عرفات، ولجنة الحوار الفلسطيني – الإسرائيلي، وبين معارضي الحوار من المثقفين الفلسطينيين، والرأي العام، الذي استنكر حادثة الاغتيال بشدّة.

(2) – وفي العام نفسه 1987- حدث تقارب بين (الأفغان الجزائريين)، و(التيار السلفي)، الذي كان يقوده (الشيخ محمد الغزالي) – رئيس جامعة الأمير عبدالقادر الإسلامية في (قسنطينة). وكانت ذروته قد سبقت في العام (1986) في مؤتمر دولي بعنوان (جدوى الأدب في عالم اليوم)، انعقد في مدينة (باتنة) الجزائرية، ألقى فيه الشيخ الغزالي خطاباً هاجم فيه (شعر المقاومة الفلسطينية)، وخصّ بالهجوم (شاعر الثورة الفلسطينية = عزالدين المناصرة)، الذي كان أستاذاً للأدب المقارن في (جامعة قسنطينة = منتوري). وكان المناصرة أيضاً، قد انتخب (1985 – 1987) من قبل (الجالية الفلسطينية في الجزائر= 10 آلاف) – رئيساً لِـ(اللجان الفلسطينية للوحدة الوطنية). وقد أدى هجوم (الشيخ الغزالي)، الذي وصف (المناصرة) بأنه (وثني كنعاني يساري... وديمقراطي)!!! – أدى إلى اتخاذ رئيس جامعة قسنطينة قراراً بِـ(فصل المناصرة من عمله)، رغم اعتراض (رئيس وزراء الجزائر = عبدالحميد إبراهيمي). وظل الغموض يلفُّ هذه الحادثة، حتى بعد أن غادر المناصرة الجزائر نهائياً عام (1991)، حتى عام 2004، حين كشفت (جريدة الشروق الجزائرية بتاريخ (29/2/2004)) تفاصيل هذه الجريمة، ومما قالته الصحيفة أن (الرئيس الشاذلي بن جديد)، رئيس الجمهورية، (هدّد آنذاك، بطرد المناصرة من الجزائر كلها) بتحريض من وزير الأديان آنذاك، بوعلام باقي، صديق الغزالي، لكن الرئيس الشاذلي تراجع تحت ضغط عدد من المثقفين والسياسيين الجزائريين، أبرزهم: الشريف مساعدية، وعبدالحميد إبراهيمي، والطاهر وطّار، والعربي الزبيري، وغيرهم.

(3) – صفقة نصف القرن الثقافية): وهذا يعني أن التطبيق العملي لاتفاقات أوسلو (اللاحقة – 1993) قد بدأت عملياً عام (1987). وكانت قد جرت في بيروت ما أسماها بعض المثقفين الفلسطينيين بـ(صفقة نصف القرن الثقافية) – ملخصها: (تعطوني تاج إمارة الشعر الفلسطيني، أعطيكم علاقاتي مع الحزب الشيوعي الإسرائيلي)، والمفارقة المضحكة المبكية هي أن قيادة الثورة (شطبت شعراء الكفاح المسلح). وكانت هذه الصفقة قد بدأ تنفيذها منذ عام 1967، بالترويج لمصطلح ملتبس هو (شعراء المقاومة!!)، لأنه كان يعني آنذاك شعراء شمال فلسطين، الأعضاء في (الحزب الشيوعي الإسرائيلي) – لكن (محمود عباس) في الفيلم الوثائقي (الصبر) – تجاهل المحاولات السابقة، مثل (وفد حركة فتح برئاسة ماجد أبو شرار، عضو اللجنة المركزية، الذي حاور وفداً إسرائيلياً برئاسة عوزي بورشطاين في العاصمة التشيكية (براغ)، في آذار 1977، لكن (الموساد الإسرائيلي)، اغتاله في (روما) لاحقاً، لأنه (أبو شرار) كان قد أصبح شريكاً لخليل الوزير (أبو جهاد) في ما كان يطلق عليه (القطاع الغربي) – الخاص بالأرض المحتلة. ثم اغتال (الموساد)، أبو جهاد نفسه عام 1988.

خلاصة:

فكرة (الدولة الواحدة: إسرائيلية فلسطينية)، فكرة يهودية صهيونية قديمة، طرحتها جماعة (بريت شالوم) اليهودية الصهيونية، عام (1925)، وهي جماعة هامشية لم تكن مؤثرة في ظل ارتباك الحركة الصهيونية حول (مستقبل فلسطين)، حيث نادت هذه الجماعة بدولة ثنائية القومية على أرض فلسطين الانتدابية كلها. وتوقفت هذه الفكرة عام 1947 بعد صدور قرار التقسيم (181). أعاد طرحها بعض المثقفين الفلسطينيين فرادى في مقالات منشورة لهم، منذ نهاية الثمانينات، وهم غالباً من أنصار التطبيع الثقافي والحوار مع المثقفين الإسرائيليين، دون شروط. ثم نشط بعض الباحثين الفلسطينيين حول الموضوع في الألفية الجديدة، بعد فشل المباحثات كامب ديفيد (ياسر عرفات)، وبعد حادثة 11 سبتمبر 2001، واندلاع الانتفاضة الثانية التي مارست (العسكرة)، أو الكفاح المسلح عبر العمليات الاستشهادية، وبعد رحيل عرفات، وبروز حالة الانقسام بين حركة فتح، وحركة حماس. مما أعطى انطباعاً قوياً بموت اتفاق أوسلو من الناحية العملية، وليس القانونية، واستنتج الباحثون بأن (حلّ الدولتين) بعد التوسع الاستيطاني الإسرائيلي في الضفة الغربية، أصبح مستحيلاً. ويعني حل (الدولة ثلاثية الدين)، أو (ثنائية القومية: إسرائيلية – فلسطينية) فيما يعنيه: استحالة (حلّ الدولة الفلسطينية) في الضفة وقطاع غزة والقدس الشرقية إلى جانب دولة إسرائيل، ورأوا أن الواقع الحقيقي تحول إلى (اشتباك العلاقات) بين الفلسطينيين والإسرائيليين بسبب تطور المستوطنات والطرق الالتفافية وجدار الفصل العنصري، وتبعية الاقتصاد الفلسطيني للاقتصاد الإسرائيلي تبعية شبه كاملة. وهذا حسب الباحثين، يشكل نموذجاً مصغراً لمشروع الدولة ثنائية القومية الافتراضية المرغوبة من قبل هؤلاء الباحثين. وهم يرون أن الحل المنطقي، يكون بتعميم التأسرل، والتكيف مع الاحتلال للوصول إلى )دولة إسرائيلية فلسطينية) مشتركة على كل أرض فلسطين التاريخية. وهو كما نرى – حلَّ طوباوي غير واقعي، افتراضي، معقّد، يتم تسويقه من أجل جسر الفجوة التي خلقتها المفاوضات الفاشلة، ومن أجل أن يظل (التيار المتأسرل)، يقود الجدل حول مستقبل فلسطين، ممسكاً بزمام الأمور، حتى لا يعود الجدل إلى مشروع (دولة فلسطين الديموقراطية)، الذي طرحته منظمة التحرير الفلسطينية عام 1968 في ميثاقها كحل عادل وشامل. أي أن مشروع (الدولة ثنائية القومية) هو مشروع يتغطّى بالواقعية، لمنع الحل العادل والشامل، وكلا المشروعين، يحتاج إلى تعديل ميزان القوى بين العرب وإسرائيل، وضرورة الانطلاق من فكرة العدالة، لأنَّ (إسرائيل) ترفض المشروعين أصلاً، ولا يمكن أن تفكك نفسها بنفسها، ولا أن تتخلى عن صهيونيتها، حتى لو رغب أفراد إسرائيليون نخبويون غير مؤثرين في مشروع الدولة ثنائية القومية.

- أما الهدف الحقيقي، لمشروع الدولة ثنائية القومية، فهو إقامة (دولة فيدرالية)، بقيادة إسرائيل على أرض فلسطين التاريخية، تحاول إقامة (شرق أوسط جديد)، بقيادة إسرائيل أيضاً.

خلاصة الخلاصة:

منذ (قرار التقسيم، عام 1947 – رقم (181)، والقرار 194 الخاص بعودة اللاجئين الفلسطينيين إلى وطنهم، الذي لا وطن لهم سواه) – صدر عن (الأمم المتحدة)- (791 قرار) من بينها(86 قرار) عن (مجلس الأمن الدولي)- لم يُنفّذ أي قرار من هذه القرارات، و(الكلام) ليس لي، بل لمهندسي (أوسلو) الفلسطينيين، وفي مقدمتهم (رئيس السلطة الفلسطينية)، وبما أن (المفاوضات من أجل المفاوضات)، منذ عام 1993 – توقيع اتفاق أوسلو، وحتى اليوم، تدور حول مشروع دولة فلسطينية على 22% من أرض الضفة الفلسطينية إلى جانب دولة إسرائيلية، قد فشلت، فإن مشروع (الدولة الواحدة)، الطوباوي، مستحيل. ويبقى الحل، وهو (المقاومة من أجل تحقيق الدولة الديمقراطية الفلسطينية على كامل التراب الفلسطيني، التي تقبل الطائفة اليهودية الفلسطينية – وهي 7% عام 1947، ولا يعني إسرائيل بالطبع. وبما أن إسرائيل لن تفكك نفسها من تلقاء نفسها، فالمطلوب هو المقاومة من أجل تحقيق (الدولة الفلسطينية الديمقراطية)، بكل أشكال المقاومة. وليست وظيفة الضحية، أن تبحث عن حلّ للجلاّد المحتل العنصري، فقبل عام 1948، لم يكن هناك دولة اسمها إسرائيل في خارطة العالم. أما مستقبل (السلطة في فلسطين)، فهو تناسل الرداءة: (أسيادكم في الجاهلية، هم أسيادكم في الإسلام)، أي أن السلطة سوف تعيد إنتاج نفسها، لكي تبقى في السلطة تحت الأضواء، وذلك بانتقال ميكاني من (مرحلة حل الدولتين الفاشلة) – إلى (وهم الدولة الواحدة)، حتى تصل ربما إلى مرحلة (تهويد نفسها بنفسها)... واحسرتاه. وهذا ما يؤكد أنه ليس أمام الشعب الفلسطيني العظيم سوى إعلان (العصيان المدني) ضد الاحتلال بعد تفكيك السلطة الحالية، وإعلان المقاومة الشعبية، والمسلحة بكافة أشكالها، لأن دولة الاحتلال الإسرائيلي، لن تفكك نفسها بنفسها كما فعل (دوكليرك) – (نيلسون مانديلا) في جنوب إفريقيا: - (يا أهلي، لقد جرّبتم إسحق رابين، فاغتالوه علنا في وضح النهار).


عز الدين المناصرة

شاعر وناقد، وأكاديمي فلسطيني

من نفس المؤلف