آثار دانييلا

، بقلم جورج سلوم

دانييلا..لفتت أنظاري من بين الجموع..وكنت أزور قصر الحمراء من بقايا عرب الأندلس.

وجهٌ ملائكي ولباسٌ أشبه بلباس راهباتِ سيناء..محتشمٌ أسود طالما هي واقفة..لكن ما إن تخطو حتى ينشقّ إزارها إلى النصف..وتنبلج منه ساق فخذية بيضاء كعواميد المرمر المزروعة في قصور بني الأحمر..

حولها جوقة من السياح يتراكضون حولها كالخصيان وكأنها أميرة عباسية من زمن الرشيد..وسريعاً أصبحت دليلتي السياحية..أسير خلفها وخلف فريقها حاملاً عدستي..وأصبحَتْ هي مركز صورتي والحدائق الجميلة والقصور الفخمة مجرّد خلفيات للصور..
عرفت أنني أركّز عدستي عليها وليس على المعالم التاريخية..فابتسمت لبعض الصور..عرفت كأيّ معلمة أطفال أن هذا التلميذ ينظر إلى معلمته مذهولاً..قد يهزّ رأسه متابعاً وموافقاً ولكنه لا يفهم شيئاً..تجاهلت ذلك وهي الخبيرة بالسائحين العرب..وأدارت ظهرها لي فبدت أكثر طولاً وهي ترتدي عباءتها المغربية.

أندلُسُنا كانت جميلة..وقصر الحمراء تحفة عربية..ولكم أن تتخيّلوا كم كان الحب رائعاً بين أمير أحمري وجارية مثل دانييلا..ألا يعود ذلك الزمان فآمرها أن تلحق بي بدلاً أن ألحق بها؟

سبقتني جوقة السائحين إذ كنت أتخيّل ذلك الأمير يتأبّط ذراع دانييلا..ويفترشان العشب الأخضر في الحدائق الغناء..ويتوسّدان الورود في ضوء الشمس..على وقع أصوات النوافير والجداول الرقراقة وزقزقات العصافير المتنوعة..وعندما تداهمهم الخيل القطلانية مع الريح الشمالية..يستيقظ الأمير من غفلته متأخراً فقد لعب الخمر والحب بلواعجه..وتفلت دانييلا من بين يديه وعيونها على الفارس ذي العيون الزرقاء..تستعيرُ منه سيفاً مستقيماً وتغمده في صدر أميرها الأحمري..لا يموت بل ينادي دانييلا..ويزحف متكئاً على زقه..قبل أن يجهز الفارس عليه برمحٍ في ظهره..وتهرب دانييلا معه..يومها كانت الريح شماليةً..وهوى دانييلا غربياً..أما الريح الجنوبية فلم تعد تهبّ بعد أن مكثت مسيطرة ثمانمائة عام!

سمعتها تناديني بأن ألحق بالفريق..سيدخلون باحة الأسود..أسرعت وألة تصويري بيمناي كسيف بني الأحمر..وضعت يدها على العدسة مغلقة فرجتها..وهذا يعني أن التصوير ممنوع هنا باستعمال الإضاءة أو الفلاش..والتصوير مسموح بإضاءة المكان فقط..إنهم يخافون على آثارنا من تفاعلات الضوء الاصطناعي مع الألوان الطبيعية للرخام المعتق.

لم تكن تعلم أنني أتكلم لغتها..تظنني كأي عربي يريد تصوير النساء فقط في رحلته السياحية..

عندما جلستُ ودانييلا في (بار الخليفة )..اسمٌ متناقض..يقدّمون الخمرة فيه بكؤوس فخارية..والنادلات فيه يرتدين لباس الجواري..والإضاءة الخافتة سراجاتٍ زيتية..كانت تريد آلة تصويري الرقمية لتعود بأدراجها خلفاً وتعرف ماالذي صوّرته في قصر الحمراء ؟

ضحِكت كثيراً إذ صدَقت توقّعاتها..

كانت حصيلتي السياحية هي صور دانييلا في قصر الحمراء وفي غرناطة..وصور النساء في القصر الملكي المفتوح للزيارة..وصور النساء في حديقة الحيوان المدريدية

دافعتُ عن نفسي كأيّ فيلسوفٍ عربي في مساجلة تلفزيونية..وقلت:

- هذه الآثار لدينا منها الكثير في بلادنا..بلادنا كلها آثار فنحن أهل التاريخ..في مدننا الكبيرة ترين الآثار موجودة بين البيوت المسكونة..نتصبّح ونتمسّى بها..لكن ما عندنا مثل دانييلا..حفظناها لا تثيرنا..فإن ذهبنا إلى تدمر بالميرا للسياحة..لا ندخل متحفها المظلم..بل ننتظر سائحة تركب على الجمل عسى أن نرى ساقاً أو إصبعاً ملوناً..فنقصّ ظفره المحبوب بأسناننا!

لذا لا تجد سائحاً عربياً في مملكة إيبلا أو ماري أو أوغاريت..إلا إذا كان في وفد رسمي وبمهمة رسمية..فلا مطاعم حولها ولا شواطئ للحواري..وزنوبيا ماتت هي وجواريها...اللهمّ إلا إذا كان باحثاً في التاريخ للحصول على شهادة دكتوراه فخرية.

لكن الغريب أننا قد ندمّر آثارنا وأوابدنا بمعاولنا..أو نسرقها ونبيعها لهم..وكم نراها جميلة في متاحفهم..بوجود دانييلا


جورج سلوم

شاعر سوري مقيم في المكسيك

من نفس المؤلف