من حنان الأب على أطفاله

، بقلم فاروق مواسي

وهل ثمة أعز من الأطفال؟

حتى في الملمات والمهمات كان الأطفال يجدون من يحسب حسابهم، بل كان هناك من يتعاطف مع الآباء إذا ما ذكروا حال أبنائهم من بؤس وضعف.

قد يتعاطف الخليفة أو الحاكم بسبب هؤلاء الأطفال، ويغير رأيه أو حكمه على الأب، كل ذلك لأنهم صغار، وبحاجة إلى رعاية وعناية.

لنقرأ نماذج مما ورد في كتب الأدب:

ورد في قصيدة الحطيئة الاستعطافية، وقد خاطب الخليفة عمر بن الخطاب:

ماذا تقول لأفراخ بـذي مَرَخٍ
زغبِ الحواصِل لا ماءٌ ولا شجرُ
ألقيت كاسبَهم في قعر مُظلمـةٍ
فاغفرْ عليك سلامُ الله يا عمرُ
أنت الإِمامُ الذي من بعد صاحبِهِ
ألقى إليك مقاليدَ النُّهَى البشرُ
لم يؤثــروك بها إذ قدَّموك لها
لكن لأنفسِهم كانت بك الأُثَرُ
فامنُنْ على صِبيةٍ بالرملِ مسكنُهم
بين الأباطح تَغْشاهم بها القِرَرُ
أهلي فـدَاؤُكَ كم بيني وبينهُم
من عَرْض داوِيةً تَعْمَى بها الخُبُرُ

(الأصفهاني: الأغاني، ج2، ص 179، 180)

وكان سبب سجن الحُطَيئة أنه هجا الزِّبْرِقان بن بدر، فما كان من الخليفة إلا أن عفا عن الشاعر بسبب هذه القصيدة مشترطًا عليه أن يكفّ عن أعراض الناس.

أطلق الخليفة سراح الشاعرَ بسبب هذا الوصف المؤثر، بل ورد في (الأغاني) أن عمر بكى حين سمع- "ماذا تقول لأطفال بذي مرخ".

أطفال الشاعر زغب الحواصل- قريبو العهد بالولادة، وكأن عليهم "ريش الحرام"، وكأنهم الأفراخ بدون ماء وبدون شجر، فامنن على صِبيتي أيها الخليفة الموكّل بأمور الناس، فأطفالي لا يجدون ملاذًا من البرد، وهم يترددون بين الأراضي الواسعة، وأنا المعيل لهم.

ألقيتني في بئر مظلمة (السجن أيامها)، بينما هم يقيمون في الرمل في صحراء بعيدة، ولا أعرف عنهم اليوم شيئًا، فاغفر -عليك سلام الله- حتى أتوجه إليهم وأنقذهم مما هم فيه من ضائقة وعسر.

(ذو مرَخ: واد كثير الشجر، ويُروى بذي أمَرٍ).

من القصص التي رويت عن المعتصم وقد خرج عليه تميم بن جميل السدوسي الخارجي، أنه لما حكم عليه بالموت، دعاه المعتصم لأن يقول كلمته الأخيرة، فقال:

"أما إذا أذن أمير المؤمنين في الكلام فإني أقول: الحمد لله الذي أحسن كل شيء خلقه، [....] وأيمُ الله لقد عظمت الجريرة، وانقطعت الحُجّة، وساء الظن، ولم يبق إلا عفوك أو انتقامك، وأنت إلى العفو أقرب، وهو بك أشبه وأليق ثم أنشده:

أرى الموت بين السيف والنِّطع كامنًا
يلاحظني من حيث ما أتلفت
وأكبر ظني أنك اليوم قاتلي
وأي امرئ مما قضى الله يُفلت
[......]
وما جزعي من أن أموت وإنني
لأعلمُ أن الموت شيء مؤقت
ولكنَّ خلفي صِبْية قد تركتهم
وأكبادُهم من حسرة تتفتت
كأني أراهم حين أُنعَى إليهم
وقد خمشوا تلك الوجوه وصوّتوا
فإن عشت عاشوا خافضين بغبطة
أذود الردى عنهم وإن مِتُّ مُوّتوا
وكم قائل لا يُبْعدِ الله داره
وآخر جذلانٌ يُسرّ ويشمِت

فبكى االمعتصم ثم قال: إن من البيان لسحرًا- كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ثم قال: يا تميم، كاد والله يسبق السيفُ العذَل، اذهب فقد غفرت لك الصبوة، وتركتك للصبية".

أرأيتم قولة الخليفة: تركتك للصِّبْية!

(ابن عبد ربه: العقد الفريد، ج2، ص 158، وبتغيير طفيف في كتاب الحُصْري: زهر الآداب، ج3، ص 200، وفي كتاب التنوخي، المستجاد من فعلات الأجواد- في الشبكة.

وتروى هذه القصة على أن الرشيد هو الخليفة، ومالك بن طوق هو الشاعر-
انظر: ياقوت الحموي، معجم البلدان، ج3 ، ص 34- مادة "رَحبة مالك بن طوق").
..
أما حِطّان بن المُعَـلَّى فهو شاعر إسلامي ذكره أبو تمّام في (الحماسة، ج1، ص 108- شرح التبريزي)، فقد اشتهر قوله: "وإنما أولادنا بيننا أكبادنا"، فأي محبة تضاهي هذا الحب لفِلْذَة الكبِد؟

في قصيدة حِطّان التالية وفي الأبيات الأربعة الأخيرة يثبت لنا أن منهج حياته يتغير بسبب أطفاله، بسبب أكبادنا التي تمشي على الأرض.

والحب الشديد والحرص الكبير تجدهما في البيت الأخير، فهنا لوحة تصويرية رسمها رسام مفنّ:

ريح عاتية تهب على أطفال، وأب متيقظ لا تغمض عينه، وهو يُعنى بسلامة الأبناء.
لنقرأ القصيدة:

أنزلني الدّهـرُ على حُكْمِـه
مــن شامخٍ عالٍ إلــى خـَفْضِ
وغالني الدّهرُ بوَفْرِ الغِنـى
فليس لي مالٌ سوى عِرْضي
أبكـانيَ الدّهــرُ، ويا طالمـا
أضحكني الدهـرُ بما يُرْضـي
لولا بُنيّـــاتٌ كزُغْـبِ القَطـا
رُدِدْنَ مـن بعـضٍ إلى بعضِ
لكان لـي مُضْطَـرَبٌ واسعٌ
في الأرض ذاتِ الطول والعَرْضِ
وإنّـمــا أولادُنــا بيننـــا
أكـبــادُنـا تمشــي علــى الأرضِ
لو هَبّتِ الريحُ على بعضهـم
لامتنـعتْ عيـني مـن الغَمْـضِ

لولا بنياتي الصغار كفراخ القطا التي عليها الزغب- الشعر أو الريش اللين الصغير-، وقد تتابعن وكثرن الواحدة إلى جنب الأخرى، لكان لي مجال واسع في هذه الأرض أروح وأغدو فيها. لكني لزمت مكاني بسببهم، وأنا لا أطمئن إلا إذا كانوا سالمين كلهم.

الخشية على الأبناء الأحباء، على الأطفال تجده في شعر إسحق بن خلف وهو شاعر إسلامي كذلك:

لولا أميمةُ لم أجزعْ من العـَدَمِ
ولم أقاسِ الدُّجُى في حِنِدسِ الظُّلَمِ
وزادني رغبةً في العيشِ معرفتي
ذُلَّ اليتيمةِ يجفوها ذوو الرحِــمِ
أُحَـــاذرُ الفَقْرَ يومًا أن يلـمَّ بهـا
فيهتكَ الســـترَ عن لَحْمٍ على وَضَمِ
..
أميمة ابنته هي التي جعلته يخشى الفقر، ولولاها لما اهتم بالظلمة الشديدة، فابنته تجعله يحب الحياة حتى يحول دون مذلتها وجفاء قرابتها. فهو يحاذر الفقر أن يلم بها فيكشف الستر عمن لا دفاع به.

أراد بقوله: لحم على وضم- النساء اللاتي لا دفاع بهن.

(انظر: أبو تمام: الحماسة ، ج1، ص 107)

وأكتفي بهذه الأبيات له، لأن الأبيات التالية في قصيدته لا تصلح لموضوعنا، فنحن نبحث عن الفكرة لا عن الشاعر وقصائده.
..
وأختم بأبيات بهاء الدين زهير وهو يخاطب ممدوحه راجيًا عطاءه:

ولكن أطفالاً صغارًا ونسوة
ولا أحدٌ غيري بهم يتلطّفُ
أغار إذا هبّ النسيم عليهمُ
وقلبي عليهم من رحمة يترجّف
سروريَ أن يبدوعليهم تنعُّم
وحزنيَ أن يبدو عليهم تقشّف

وأخيرًا،

فمن المؤسي بل المفجع أن نجد هذه الأيام الأطفال يلاقون الحتف أو السجن أو الجوع والحرمان، فكم من صورة وزعت، وكم من خبر يمر على الأعين والآذان، ولا نجد ذلك الذي يفتح صفحة جديدة شفاعة للأطفال، والعالم "الحر" ينظر ولا يرى، يصغي ولا يسمع، يقرأ وينسى!


فاروق مواسي

بروفيسور، أديب، وأكاديمي فلسطيني، دكتوراة في الأدب العربي

من نفس المؤلف