قراءة في

«خلاخيل» الذاكرة عند دعاء زعبي خطيب

، بقلم محمد هيبي

الكتابة، عندما تُجترح حروفها من نياط القلب وجدران الروح، ويُهيمن عليها الصدق، فلا عجب أن يدخل العاشق في مرحلة من الجنون. وهذه المجنونة، دعاء زعبي خطيب، التي أحترمها وأحبّ جنونها، لست أنا من نعتها بالجنون، بل هي، هي من أهدت إلينا خلاخيلها، كشهادة على جنونها، حيث قالت في مطلع كتابها (ص 7): "تفجّرت مراقص روحها، فقدت الإحساس بقدميها المرتعشتين، بدأت تهذي بجنون الكلام، وابتدأ الرقص ...". وهذه النقط الثلاث بعد الرقص، تترك للقارئ مساحة شاسعة. ولو طُلب منّي أن أملأها لقلت: ابتدأ الرقص المجنون، الرقص الذي نشهد أنّه بدأ، وقد نشهد استمراره إلى حين، ولكنّ، لا نعرف متى ولا كيف سينتهي.

ولادة كتاب هي كولادة طفل. والمرأة لا تلد مولودها الأول، وإن جاء متأخرا، لتعلن أنّها قامت بدورها كأنثى أو امرأة أو حتى أمّ، ثم تغلق هذه الصفحة وتنسحب. لا! وإنّما تلده لتُثبت للعالم أنّها ولّادة، ولتُعلن أنّ مولودها هذا له إخوة قادمون. وهذه هي حال دعاء مع الرقص وما يُحيل إليه، الكتابة.

وضعت دعاء مولودها الأول وأسمته "خلاخيل"، وقد أعلنت فيه: إنّها البداية. وهي تُؤكّد ذلك في القطعة الثانية، "حديث "لن" يبدأ بعد"، حين تقول: "عمّ تريد أن أحدّثك يا صديقي"، وتعدّد له أشياء لا حصر لها. ولكن انتبهوا لخبث المرأة ودهائها حين تقول في آخر القطعة: "أنا لا أرغب في الحديث عن كل هذا / أريد أن أحدّثك عن يمامة زرقاء / حطّت على كتفي ذات مساء / همست لي طويلا / هدلت لي طويلا / كلاما، لم يسمعه أحد / كلاما، لن يفهمه أحد، سوى قلبي، وظلّي والسماء". هل تُذكّرنا اليمامة الزرقاء بزرقاء اليمامة وبعد نظرها؟ ربما! وهذا يؤكّد لنا أن "خلاخيل" هو البداية الواعدة، النظرة إلى الوراء من أجل نظرة ثاقبة إلى الأمام، إلى مستقبل يُقلقها، ولكنّه يبدوا واعدا محمّلا بالأمل.

تلجأ دعاء إلى الذكريات، فهذا يعني أنّها ستبوح بكل ما في قلبها ونفسها. وبكل تأكيد، كتاب واحد لا يتسع لذلك. وهذا أيضا ما تُؤكّده الفقرة الأخيرة التي ختمت بها كتابها. هي فقرة قصيرة تقوم على البوح والمجهول وما فيه من غصة وفرح، تقول فيها:

"ولي عودة أيّتها الأيام ... تثب الأيام راحلة، محلّقة، كباشق عاشق يستعجل اللقاء مع الآتي، مع المجهول. يبتعد بزهو وخيلاء غير آبه بأحلامنا التي لم تكتمل بعد، وذكريات يعزّ علينا فراقها. ففي تلك الزاوية تقبع قصة، وفي الأخرى تسكن غصّة، وهنا التقينا الألم، وهناك انتظرنا الفرح، وحتى الوهم، كان لنا منه حصّة ... فانتظريني". لذلك، ما علينا الآن إلّا أن نستمتع برقصها ورنّة خلاخيلها، وننتظر الآتي".

لسوء حظّي لم أعرف دعاء في فصول حياتها السابقة، لذلك من الطبيعي أن أجد صعوبة في ربطها بماضيها، إلّا من خلال نصوصها. وعرفتها الآن فقط، في فصل الرقص والجنون، فصل الكتابة في خريف حياتها الذي عاد بالكتابة ربيعا. وهي في كتابتها، تعي ذاتها ولا تُهمل الذات الأخرى، الجمعية، فلا تَغْفَل عيناها، عن الربيع الذي وُلِد خريفا، أو عن كل قضايا شعبها وأمّتها.

فرغم طغيان الذات الفردية في بوحها وذكرياتها، إلّا أنّها لا تنسلخ عن الذات الجمعية. فالناصرة بهلالها وصليبها، بشوارعها وكل معالمها، بأهلها وأخلاقهم وعاداتهم وكل تراثهم، حاضرة في نصوصها بكثافة. وتذهب دعاء إلى ما هو أبعد من الناصرة مكانا وزمانا، فتصل إلى الأرض المحتلة ولبنان وأوروبا. ولذلك ليس غريبا أن تصل إلى بحر البقر، وما أدراك ما بحر البقر؟ تلك المدرسة التي عُطّل فيها جرس الزمن، ودُّقَ جرس الدم، فتبعثرت الكراريس أشلاء ملطخة بدم الزهور التي تحوّلت جثثا. وانتهى الدرس تلك النهاية الوحشية المفجعة.

أنا، وإن كنت لا أنصح بالجمع بين الشعر والنثر في كتاب واحد، إلّا أنّني في الحالين، شعرت في كل نصّ، بجنون دعاء من هول مطارق الذكريات على رأسها وحاجتها إلى البوح. وقد حيّرني رقص دعاء وجنونها: هل هي ترقص لرنّات خلاخيلها أم خلاخيلها تعزف لحن رقصتها، أم هي وخلاخيلها يرقصان رقصة الحياة ويتناغمان مع إيقاعها، حزنا وفرحا، غصّة ونشوة.
هذه الحالة الأخيرة قد تكون هي الأصدق، لأنّها تمثّل حاضر دعاء وحاضر الكتابة وصدق البوح عن ماضٍ بما فيه من فرح وغصّات، ومرح وخيبات، فردية وجمعية.

قلّبت صفحات كتابها، وسمعت رنّات خلاخيلها، خلخالا خلخالا، ورنّة رنّة، وما رأيت وما سمعت فيها غير ذاكرة تشي بحساسيتها، وبطهارة نفسها وتفجّر روحها واكتمال عقلها، عقلها الذي أفلح في نقل خواطرها وذكرياتها من لاوعي كان يبحث عن لحظة انفجار، إلى وعي أنار طريقها فشملَنا رقصها وأمتعنا.

ولأكون صادقا مع نفسي ومعكم، يشتمّ القارئ من بعض نصوص دعاء، تلك النزعة الأرستقراطية أو البرجوازية، وهذا ليس بالضرورة أمرا سلبيا، خاصة وأنّنا لا نجد في نصوصها أيّ نوع من أنواع الرجعية أو الاستغلال. ربما نجد أحيانا بعض الاستعلاء، لكنّه استعلاء مشروع، فهي لا توظّفه ضدّنا، وإنّما ضدّ السلطة وظلمها. ولذلك يسهل علينا أن نضع دعاء، كما تظهر في نصوصها، في خانة البرجوازية الوطنية التي تُسخّر مواردها وثرواتها لخدمة قضايا مجتمعها وشعبها.

من يقرأ عنوان مجموعة دعاء، يُلاحظ بسرعة كم هي مغرمة باللامألوف. و"خلاخيل"، عنوان كتابها، أو اسم وليدها الأول، يشهد بذلك. وتشهد بذلك علاقتها الغريبة مع الكتب، كما جاء في قطعة "كتب" (ص 12)، مما سبّب لها مشكلة نفسية أو عقدة، مع أشياء تحبّها ولا تستغني عنها، مثل الكتب.

الخلاخيل، بحركاتها الراقصة ورنّاتها المطربة ومنظرها الجميل، تجمع بين حاستي النظر والسمع بشكل مذهل أخّاذ، قد يُعيدنا إلى ما نحبّ ونشتهي من ذكريات ما زالت حلاوتها، أو مرارتها، تُدغدغ أرواحنا وترفض أن تتركنا بحالنا. ودعاء تعترف بذلك في تقديم موجز لكتابها تقول فيه: "تجوب خلاخيلي طرق الذاكرة، وذاكرتي لا تحتاج لأوراق ثبوتية كي تؤكّد حقّها في قسمات المكان، وفواصل اللغة، وشوارع مدن أرهقها سير العسكر وترنّح الحبّ فيها. هي أقمار أضاءت أقدام روحي وحثّتها على السير فسارت، معلنة حربها على الصمت والنسيان".

من هنا نرى أنّ دعاء استعارت الخلاخيل لتحيلنا لخطوات قدميها في طرق الحياة ودروب الذاكرة، بما فيها من ألوان وحركات وأصوات متعدّدة. رنّة الخلاخيل وإيقاع رقصتها، يتغيّران بتغيّر حركة القدم التي تحملها، وبتغيّر إيقاع خطواتها. والخطوات في الحياة قد تُقيَّد فتقف، وقد تندفع فتسرع، وقد تستحضر موسيقى الأعشى وإيقاعه: "تمشي الهوينا كما يمشي الوجي الوحل. فـ "تسمع للحليّ وسواسا إذا انصرفت ... كما استعانَ بريحٍ عشرقٌ زَجِلُ". والخطوات، قد تكون على الأرض، ولكن ليس بالضرورة، فقد تكون في النفس، وقد تتسبّب الخطوات على الأرض بخطوات في النفس، والعكس صحيح أيضا. وهكذا هي خلاخيل دعاء، إبداع لخطوات قدميها وروحها وذاكرتها، بما فيها من حركة متميّزة وأصوات وأنغام شجيّة.

أمّا محتوى الكتاب، فأول ما تجدر الإشارة إليه، هو تعدّد الأنواع الأدبية وتداخلها في نصوصه. كلّنا نعرف أنّ ظهور قصيدة النثر قوّض المعالم الفاصلة بين الشعر والنثر. ونحن في حين نجد تعدّد الأنواع في نصوص دعاء، بين قصيدة النثر والخاطرة والقصة القصيرة والقصة القصيرة جدا أو الومضة، نجد أيضا أنّ هذه الأنواع تتداخل في لغتها، حيث نرى لغة السرد في القصيدة، ونرى اللغة الشاعرية في السرد. ولذلك لا عجب إذا قلنا: إنّ كل ما تكتبه دعاء هو نثر، ولكن بلغة شاعرية راقية تحترم قواعد الصرف والنحو، وفيها من السلاسة والمتانة ما يُؤكّد أنّها تُمسك بناصية اللغة، وتُطوّع مفرداتها لتُحكِم نسيج ذاكرتها الغنية التي تفجّرت فجأة، وتدفّقت في سيل عرم لا أخاله سيتوقّف. فرنّة خلاخيلها، أخالها رنّة الجرس الذي يُعلن بداية الدرس الأول فقط.

الذاكرة هي العمود الفقري في نصوص دعاء، بغض النظر عن نوعها الأدبي. والتجربة التي ملأت خزائن ذاكرتها غنية. ولكن، مهما كانت دعاء انتقائية، إلّا أنّ هناك بعض عناصر هذه التجربة، أراها فرضت نفسها عليها فرضا، بل أكثر من ذلك، أراها الحدث الذي نقب جدران ذاكرتها وفجّر بركانها.

أول هذه العناصر وأهمّها، هو فقدان الأب، الأب الماثل بكثرة في نصوص دعاء. وقد ساهمت تجربتها معه، في تشكّل شخصيتها وبلورة نظرتها للحياة. لذلك كان فقدانه الشرارة التي أضاءت نفسها وأجّجت النار تحت مرجل ذاكرتها.

لهذا، آثرت الحديث عن شعرها من خلال قصيدة "أبي" (ص 114) كنموذج لقصيدة النثر. في القصيدة لم تقصد دعاء التزام وزن شعري معيّن، ومع ذلك فالموسيقى تتدفّق من خلال العبارات الشعرية والقافية المتنوّعة عادة، والموحّدة أحيانا، وخاصة تلك المنتهية بالراء التي لها وقعها الخاص. فجرس الراء يعكس ما في نفس الشاعر من اضطراب.

وإذا كانت دعاء قد اختارت أن تختم كتابها بقصيدة "أبي"، فذلك ينمّ عن ذكائها أو عفويتها. فترتيب القصيدة كآخر نصّ في الكتاب، لم يُخفِ على القارئ أنّ فقدان الأب هو الصدمة، ربما ليست الأولى ولكنّها الأعنف، التي خلّفت اغتراب الكاتبة عن ذاتها وزمانها ومكانها وفجّرت بركان الذاكرة وخلقت لديها هاجس الكتابة كملاذ للتحرّر والخلاص.

القصيدة مقسّمة لثلاث فقرات: الفقرة الأولى تعكس بشكل واضح، صدمة الغياب وبداية الشعور بالاغتراب. حين تقول:

بغيابِكَ فضاءُ حُزني أَصبحَ أكبرْ ...
فضاءُ حُزني أَصبحَ أَوسعْ ...
... ... ...
عبثاً أُحاولُ أيقاظَ عالمي الحُلوَ القديمْ ...
عبثًا أُحاولُ ضبطَ إيقاعي السّليمْ.

وفي الفقرة الثانية ينعكس شعورها بالاغتراب عن ذاتها نتيجة صدمة الغياب والفراق، حين تقول:

كدربِ ليلٍ عتيقٍ تراني أسيرْ ...
أَعُدُّ الخُطى، أسيرُ الخُطى
نافخةً في أَبواقِ الماضي ضاربةً دُفوفَ الزّمنْ
تختلطُ الأشياءُ عندي بلا ضابطٍ أو منطقٍ أو هدفْ

أمّا في الفقرة الثالثة والأخيرة، فينعكس شعورها بالاغتراب عن الزمان والمكان الذي يُؤكّد شعورها بالاغتراب عن ذاتها أيضا، حين تقول:

والشّوقُ إليكَ تخطّى حُدودَ الزّمانِ
فَلا المكانُ مكانْ ولا الزّمانُ زمانْ
وكتابُ روحي، أبي، أمسى بِلا عُنْوانْ.

هل هناك شعور بالاغتراب والضياع أكثر من هذا حين تقول إنّ "كتاب روحي، أبي، أمسى بلا عنوان". لا شكّ أنّ مفردة "أبي" وقعت منادى حُذفت أداة ندائه من حيث قواعد النحو. وحذف أداة النداء، يشهد أنّ الخطاب يصدر عن اللاوعي، لأنّها لا تدري أهي تنادي قريبا أم بعيدا. فإذا أضمرنا الـ "يا" كأداة لنداء القريب، فهي تراه ما زال قريبا، أي ترفض بعده وغيابه. وإذا أضمرنا الـ "آ"، الهمزة الممدودة كأداة لنداء البعيد، فهي تراه بعيدا بعدا يكاد يكون مستحيلا. هذا التناقض الذي يعتمل في لاوعيها، صادر عن هول الصدمة التي خلّفها الموت والفقدان.

في نصوصها النثرية، تتنقّل دعاء بين الخاطرة والقصة القصيرة والقصة القصيرة جدا أو الومضة. سأتحدّث بإيجاز عن نموذج من كل منها:

الخاطرة: هي تعبير صادق مجرّد من التكلّف، عن تدفّق شعور حميمي في سياق ما. وهي عادة تُكتب نثرا ولكن بلغة شاعرية. لذلك تتشابه في مضمونها وأسلوب كتابتها مع القصّة القصيرة أو مع قصيدة النثر.

عند دعاء، نجد هذا النوع الأدبي بكثرة. هناك خاطرة بعنوان "هنا وهناك" (ص 70)، يتدفّق فيها شعورها سلبا حول مفهوم الـ "هناك"، حيث تقول: "يبدو لي كل شيء روتينيا/ مونوتونيا، كئيبا، عبثيا، بلا نبض، بلا حياة، خاليا من كل روح"، ثم يتدفّق شعورها بشكل إيجابي مناقض لما سبق، حول مفهوم الـ "هنا"، حيث تقول: "ولحظة الـ "هنا" أقلّب فيها الصفحات ماء وسماء وحرية زرقاء، فتنجح في مسح غبار الملل عنّي وعن عبء روتين كئيب حاصرني هناك". ولكنّها لم تُحدّد لنا، لا الـ "الهناك" ولا الـ "هنا"، زمانا ومكانا. لا أعتقد أنّ ذلك صدر بالفطرة ومن اللاوعي فقط، وإنّما لأنّ الكاتبة مثقّفة وذكية، تعرف أنّ لكل واحد منا الـ "هنا" والـ "هناك" الخاص به. وذلك يعني أنّها لا تغمط القارئ حقّه، بل تمنحه مساحة واسعة ليحدّد هو الـ "هنا" والـ "هناك" الخاص به.

ومن حيث اللغة، توظيفها لمفردة "مونوتوني"، جاء نوعا من المشاكسة اللغوية التي تُؤكّد الاغتراب. ومثلما تجانست المفردة مع سابقتها، كانت مفردة "رتيبا" ستتجانس أخر مع لاحقتها، "كئيبا".

القصّة القصيرة: هذا اللون الأدبي عند دعاء، هو أيضا يقوم على الذاكرة وتدفّق الشعور والتشابك بين أحداث الماضي الممتوحة من الذاكرة وبين أحداث الحاضر التي تستدعي استحضار الذاكرة.

في قصة "كعك وسمسم وحلب" (ص 44)، استطاعت دعاء أن تطوّع اللغة وأن ترصد بها حركة شعورها وانفعالها واضطرابها النفسي، وحركة الحياة في واقعها وعوالمه المختلفة.

تمرّ دعاء، الراوية، ببائع "الكعك بسمسم" والمناقيش، وتتذكّر حبّها القديم لهذا المعجّنات، يوم كان والدها يشتريها لها وهي طفلة صغيرة. وهي ما زالت إلى اليوم، تُحبها كما كانت تُحبها في طفولتها، إلّا أنّ شيئا ما هذه المرة، منعها من شرائها وأكلها رغم حُبّها لها. فهي عندما رأت البائع يجرّ عربته التي تحمل هذه الأطعمة اللذيذة، تذكرت بائعا حلبيّا، رأته في أخبار الحرب، يجوب شوارع مدينته، وهو يجرّ عربة تحمل جثتي طفلتيه كما يُحمل "الكعك بسمسم" والمناقيش. هذا المنظر ذكّرها بالموت، وبالإنسانية المهزومة، وملأ فمها بمرارة العلقم، وقلبها بحزن يجتاح الروح أسى وحسرة. فكيف ستجرؤ برهافة حسّها وصدق مشاعرها، بعد أن تذكّرت أو تخيّلت ذلك المنظر، كيف ستجرؤ على أيقاف البائع وشراء الكعك؟ لذلك من الطبيعي أن ينقبض قلبها، وترتفع نفسها، وتتشظّى روحها. ولذلك نراها تُنهي القصة بصراخ داخلي وتدفّق شعوري فيه الكثير من الغضب والحزن والتفاعل مع أحداث الواقع بعوالمه وأزمنته المختلفة، حيث تقول: "لقد أصبح للكعك في هذه اللحظات طعم آخر غير الذي عرفت، فكيف لي بعد كل ذلك، أن أشتهي الكعك، وأن أهنأ بزعتره وسمسمه وطعم الفرح فيه؟ كيف لي يا وطنا أكبر غنينا له وتغنينا بمجده، أن أوقف صاحب العربة، لأشتري منه كعكة صغيرة بعمر الورد، بعمرهما، لألتهمهما بهدوء وحبّ واسترخاء ودون تأنيب ضمير، كيف؟".

القصة القصيرة جدا، أو الومضة، تقوم على الغياب وكثافة اللغة، وكتابتها ليست بالأمر السهل كما يعتقد البعض. وقد أجادت دعاء في هذا النوع أيضا. ولكن هذا لا يعني أن كل الومضات التي في كتابها هي قصص قصيرة جدا. فمنها ما لا يرقى إلى هذا المستوى، ويمكن حصره في خانة الخواطر.

قصة "ثمن" (ص 85)، هي نصّ قصير جدا لا يزيد عن خمسة أسطر ونصف، ولكن فيه راوٍ وزمان ومكان، وفيه شخصيات وأحداث، وفيه من كثافة اللغة ما سيشغل القارئ لأضعاف أضعاف زمن القراءة كي يفكّك النصّ ويسبر أغواره، ثم يبلغ كل دلالاته أو بعضها. فكيف يكون الخريف أخضر؟ وكيف يُكسّر السارق الأقفال ببريق عينيه؟ وما المقصود بـ "مالئا رئتيه بهواء زهرها ويديه بنورها؟ وما المقصود بـ "تاركا فضاء الحديقة عاريا من كل زهر ولون، وغادر المكان"؟ وأسئلة أخرى كثيرة يُثيرها نصّ قصير لتبحث عن إجاباتها لدى قارئ مستفَزّ.

توظيف الأسطورة والثقافة عامة

من بين أبرز الأمور التي تدلّ على ثقافة الكاتب، توظيفه لعناصر ثقافته في كتاباته، عبر التناص وغيره من التقنيّات. وقد تكون الأسطورة من أبرز هذه العناصر. ولدى دعاء نجد هذا التوظيف ينتشر في أكثر من موضع.

في قصيدة بعنوان "فكر" (ص 106)، تجمع الكاتبة بين الأسطورة والتراث الإسلامي لتعبّر عن حريّتها وفكرها التقدّمي الذي يرفض الجهل والظلم والاستغلال. تقول:

إليكم يا من تجاوزتم كلّ يقين
إليكم يا أبناء إبليس وساروخ وداسم أجمعين
إليكم يا شرّ البلاء في هذه الدنيا.

حسب أساطير الأولين، يُقال أنّ ساروخ وداسم هما ابنا إبليس. وداسم هذا هو أحبّ أبناء إبليس إلى قلب أبيه، وقد وكّله بزرع الفرقة، وتفريق الأزواج، وتكريه كلٍّ بالآخر حتى يقع الطلاق.

عندما نقرأ القصيدة سنجد أنّ هؤلاء الذين تشبّههم الكاتبة بإبليس وأبنائه، هم أصحاب الفكر الظلامي الاستبدادي الذي تكفر به الكاتبة. فهو يرسّخ الظلم والقهر والفرقة والاستغلال. تقول عنهم في مطلع القصيدة إنّهم باسم الدين:

باسمك، يغتالون الإنسان فينا والضمير
يُشوّهون ربّ من غابَ
من أنبياء وأولياء وأتقياء صالحين
يُطوّقون أعناق القداسة
بنار فرقتهم، وسعير فتنتهم
والمسد لعين
يحرقون مدن الشمس، وبذور القمح
ويُشعلون جمر الدمار
في بلاد الحبّ والياسمين.

"المسد لعين" فيه تناص واضح مع القرآن الكريم في قصة "حمالة الحطب"، زوجة أبي لهب، التي كانت تضع الأشواك في طريق الرسول (ص). وهي لا تختلف عن هؤلاء الذين تكرهم دعاء وتكره فكرهم الاستبدادي الذي ينشر الفرقة بين الناس.

في موضع آخر، تذكر الإلهة "كاوس". و"كاوس" في اللغة الإغريقية القديمة، تعني الفراغ اللانهائي أو الظلام اللامحدود، أو الفراغ العشوائي الأول للكون، أو ما يُسمى السديم الكوني الأول.

وفي الميثولوجيا الإغريقية "كاوس": هي الآلهة الأولى للكون، وهي تجسّد المكان اللانهائي والمادة التي لا شكل لها، والتي سبقت كل الخلق.

هذه الفوضى الكونية توظّفها دعاء، في قطعة بعنوان "فوضى كاوس" (ص 71)، توظّف هذه الآلهة وتُسقط أسطورتها على الفوضى التي تعيشها الكاتبة، أو يعيشها الإنسان عامة، نتيجة الشرّ وأفعال من يغتالون لحظات الصدق في هذا العالم، حيث تُنهي قطعتها، "أمّا القاتل، فما زال حرّا طليقا، يبحث عن لحظات صدق أخرى، كي يغتالها".

في هذا الكتاب، "خلاخيل"، باكورة انتاج دعاء زعبي خطيب، استطاعت الكاتبة أن تُثبت حضورها، وثراء ذاكرتها، وأنّها كاتبة متمكّنة من لغتها، وقادرة على أن تخوض بها، بحور الأنواع الأدبية على اختلافها. وما يلفت النظر أثناء قراءتنا لنصوصها، تلك الإشارات، وذلك الشعور أنّه ما زال في جَعبة دعاء، الكثير الكثير.


محمد هيبي

كاتب من فلسطين

من نفس المؤلف