دبلة خطوبة

، بقلم سوسن الشريف

أخيرًا تمت الخطبة.. حفل صغير جمع الأهل وبعض الأقارب من الطرفين.

قررت أن أستعد في هذا اليوم لأنتقل لمرحلة جديدة في حياتي، يشاركني فيها زوج، الخطيب عندي يعني زوج، له عليَّ كل الحقوق الأخلاقية والمعنوية من الاحترام والطاعة، هكذا تربيت، وأردت، ورغبت.

اليوم سأرتدي "دبلة الخطوبة"، أتعرف ماذا تعني؟
ذلك الإطار المعدني اللامع، يُضيء اليد، ويُعلن على الملأ أنكِ أصبحت ملكًا لرجل ما، هذا الإطار يعني حمايتك من عيون الآخرين المصوبة نحوك باتهامات تنال من أنوثتك، وأسئلة تسهرين الليال تبحثين لها عن أجوبة، عيون جائعة تنتظر للفوز بالفريسة سهلة المنال. اليوم سينتهي كل ذلك، سأكون في حمايتك، سأكون لك، كل تلك المشاعر التي ادخرتها وحافظت عليها ستكون من نصيبك، ويبدو أنك محظوظ، لتقطف هذه الثمار البكر، سأتعلم على يديك كل ما تحب، وأتجنب ما تكره، كل ما أطلبه منك الاحتواء، وقليلًا من الحب، وكثيرًا من الصدق والاحترام.

فلاشات الكاميرات تلتمع في عيني، أجاهد لأبقيها مفتوحة، أريد أن أبدو جميلة، الزغاريد تتعالى، الفرحة تملأ المكان، يجلس بجانبي وعلى وجهه ابتسامة، ألقى عليَّ بكلمات إطراء، وقد أعجبه الفستان، والمكياج، كل شيء كما يريد. تركني وذهب مع مجموعة من الرجال لتدخين سجائر، عاد بعد وقت طويل، لمحت نظرات ضيق على بعض الحاضرين لم أفهم معناها، انتهت الليلة سريعًا وعاد لمنزله. بعد ساعتين تقريبًا من رحيله هاتفني رددت بصوت فرح، وجدت صوته جافًا كحطب مشتعل بشمس أغسطس، وجه لى عبارات لوم وعتاب على أشياء تافهة لدرجة أني لا أتذكرها. سألت أخواتي المتزوجات اللاتي رأين وجهي وقد تلون بالضيق، فقلن عادي، ولا تدققي على كل موقف، الرجال لهم آراء يجب ألا تقفي عندها، ودعي الحياة تستمر.

حاولت ألا أسمح لشيء يُعكر صفو فرحتي في ذلك اليوم، تجاهلت الأمر، وإن كان الضيق ظل يلهو بحرية في صدري، ثلاثة أيام لم أسمع صوته، أخبرني فيما بعد أنه كان يعاقبني. يومًا بعد يوم وجهي ينطفئ، روحي تخبو، تتحول لرماد، كان يُملي عليَّ كل ما يعجبه ومالا يعجبه، وأنا عليَّ الطاعة. وكلما سألت أحدًا من أهلي، يجيبون بأن هذا حال كل الرجال، وأنا الأخرى لم أرغب في الفشل، سأستمر، وأتحمل، ونفسي تقول لنفسي بالتأكيد سيأتي عليه يوم ويتغير. قسوته تزداد، وينمو معها بداخلي شجن، لم أعد أعرف ماذا تعني الفرحة، أخذت في الأفول، من حولي يكتفون بكلمات للتهدئة، والصبر، تحت ستار "عادي".

بدأنا في الإعداد للزواج، وأنا أتجنب سؤالًا يؤرقني، هل لديك ما يكفي من القوة لتُكملي بمفردك؟ نعم فأنا بمفردي، لا أشعر بوجوده، وأشعر بالارتياح كلما بعدت عنه، أصبح الخوف والقلق الشريك الأوحد للحظات التي تجمعنا. تجاهل الأهل كل هذا الخوف الذي أصابني بالمرض، التزامت الفراش لأيام، وبالطبع هو لا يريد زوجة مريضة، فلم أجده بجانبي إلا بعد أن تماثلت للشفاء. كلما خرجنا سويًا، لا يتواني الآخرون عن النظر إليَّ، ويتباهى هو بذلك، ويشعر بالفخر لأنه يمتلك شيء يحسده عليه الآخرون. ولم أتوان عن كسب اهتمامه، فيكفي أن يشير إلى شيء لأشتريه، أو يفكر في فكرة لأنفذها، الاعتراض على أي فعل لا يروقني غير موجود في قاموسي معه، هذه نصائح الأهل وخوفي من الفشل، الذي تحول إلى سجن صنعته بنفسي، وأعطيته المفتاح.

اليوم الذي اشترينا فيه الشبكة لم أرد أن اُثقل عليه وأختار أي شيء مرتفع الثمن، فتركت له الخيار عن طيب نفس، واتفق فعلًا مع الصائغ. ما أن ذهب لمنزله حتى هاتفني منفعلًا، توالت الاتهامات بالاستغلال، وأنني أحرجته ليختار الشبكة الأغلى ثمنًا، باءت كل محاولاتي بالفشل لأقنعه بالعكس، تعبت من التأنيب، والخلاف، أين ما أسمعه عن أن أيام الخطوبة أسعد أيام، وأنها زاد رحلة الزواج الطويلة. بعد فترة لا بأس بها من النكد الرجولي المُكثف، حدثني بصوت خالٍ من الضيق، وأخبرني أنه سيتسلم خاتم الشبكة واصطحب معه صديقه، لم أتعجب ولا أتضايق، فمن الطبيعي أن أكون أنا معه في تلك اللحظة، لكنني كنت أتجنب التواجد معه قدر الإمكان، قال إن الخاتم أعجبه، وهون عليه المبلغ الذي دفعه. فاجأني بتحذير "هتسمعي الكلام وإلا لأ"، لم أفهم ولا أعي معنى الكلام، لم أتوقع أن يقول لي كلامًا رومانسيًا ناعمًا كما يدور بين الخُطاب في مثل هذه المناسبة، لكن لم أتوقع أيضًا أن يُعلمني الأدب، كأنه يُعيد تربيتي من جديد.

جاءت كلمات الأهل كعادتها باردة، تضع على جروحي الملح الخشن، تُشعل آلامي في كل يوم، وتذبحني بسكين بارد، ومع ذلك سرت في طريقه، كان من الصعب مواجهة التيار بمفردي، سأذهب للغرق، لكن لن أغفر لهم تخليهم عني، كنت أسير بقدم دامية على نصل سكين حاد، أيامي سلسلة متصلة إما من الألم، أو من محاولة الاستشفاء من الألم.

لماذا لم أهرب؟ لماذا لم أتخلص من سجني؟

حتى عامنا القريب، مازال هناك عائلات وأسر تسمح لبناتها بالموت ببطء، عن أن تحيا دون رجل، وارتباط الزواج، الموت وحده هو الذي يعفيك منه، وفسخ الخطبة، يعني سمعة سيئة للفتاة، وأسرتها، وإخوتها. إلى أين سأهرب؟ وممن فيهم؟

جاء يوم عيد ميلادي، وجدته يهاتفني في الصباح بعد فترة غياب لا بأس بها، لكنها كانت من أيام الهدنة التي ألتقط فيها أنفاسي استعدادًا لجولة أخرى. كنت أرد عليه وأنا قلقلة، لا أعلم بما سيفاجئني!! فاجئني بالفعل بطريقة لطيفة لم أعهدها منه من قبل، وأخبرني أنه سيجعلني لا أنسى هذا اليوم، فهذا أول عيد ميلاد لي ونحن معًا. قمت مُسرعة من سريري، شعرت بطيف فرحة كنت نسيتها، يبدو أنه تغير أخيرًا والحمد لله، ارتديت فستانًا اشتريته حديثًا لأنه أعجبه، على غير عادتي ارتديت حذاء بكعب عال، تزينت، تعطرت، جعلت نفسي عروسًا من جديد. ونحن في الطريق للمكان الذي اختاره، توقف عند محل، خرج ومعه لفافة أعطاها لي، وطلب رأيي، وجدت بها زجاجة عطر، لم يكن عطري الُمفضل، لكن تظاهرت بانبهاري بها، وأخبرني أنها الماركة التي يعتاد شرائها، سألته وهل تشتريها من هنا، أجاب فورًا "لا بالطبع، أنا أشتري الأصلي، ما أحضرته لك التقليد"، ابتلعت كلماتي، والتزمت الصمت.

في الطريق، وجدته يسرع ويبطئ، يسير بشكل غريب، يبتسم، يتمتم بكلمات لا أسمعها، سألته ماذا يدور، أخبرني أنه يتسابق مع فتاة، نظرت وجدت الأمر تطور بينهما إلى ضحكات، إلى أن سارا على خط واحد، تبادلا فيه بعض عبارات غزل ودلال. وصلنا للمكان، أخيرًا انتبه لفستاني، وأنه هو الذي اختاره، الحذاء الشنطة، أعجبه الأمر، وأعجبه أكثر أن طلباته اصبحت أوامر مطاعة. طلب أن أرتدي طوال الوقت حذاء بكعب عال، لم يثنه عن قراره تأكيدي بأن هذا يُثير ألمًا في الظهر، لذا من الصعب ارتدائه بشكل مستمر، بل زاده إصرارًا، وارتدى وجهه التقطيبة المعتادة.

احتفاله كان دعوة على غذاء، مع قالب كيك صغير، فوقه شمعة، وقبل أن يغني أغنية عيد الميلاد، تلى عليَّ تعليمات من الأخلاق والطاعة وسماع الكلام. لم أجد لدي قوة لأطفئ هذه الشمعة اليتيمة، استأذنت منه للذهاب للحمام، الألم قد بلغ منتهاه، كل ما أرغبه أن أذهب لمنزلي، لا أتحمل الجلوس بصحبته. لحسن الحظ كنت تركت هديته التقليد، وأخذت شنطتي، توجهت نحو الباب، وصوت الهاتف لا يكف عن الرنين، وجدت محل أحذية بجانب سوبر ماركت، اشتريت حذاء باليرينا، بدلته مع الكعب العالي، واشتريت آيس كريم.
عُدت للمحل الذي ينتظرني فيه، راقبته وهو يستشيط غيظًا، لم أبتسم من زمن بمثل هذا الارتياح، أرسلت له مع النادل ظرفًا خاليًا إلا من "دبلة الخطوبة".

سوسن الشريف


سوسن الشريف

كاتبة مصرية، دكتوراة في الأدب، والاجتماع

من نفس المؤلف