إلى كهوف الجبال عبد الوحيد بن عبدالقادر

كان خالد أكبر أبناء الأسرة، وكان متميزا تعليميا وثقافيا، يقضي أوقاته الثمينة في التعلم والتفكير، يفكر قبل أن يتكلم، يخطط قبل أن يفعل، يعتمد على نفسه لا على غيره، لا يشتكي لأحد ولا يأتي بعذر تافه. أنهى الثانوية وهو في الثامنة عشرة من عمره. قرر مواصلة الدراسة الجامعية التي حلم بها كثيرا، وافاه الحظ وقبل في الجامعة. وبدأ يتدرج سلم التفوق من مستوى لآخر، تفوق على زملائه وحقق نجاحات متتالية. نضجت الثمار وحان وقت قطافها، خطى خطوة خطوة على عتبة التخرج، وكان الأهل جميعا يستعدون للمشاركة في حفل التخرج، إذ لاحت في الأفق غيوم الخطر، وسرعان ما خيمت على المنطقة كلها. اشتعلت شرارة الحرب من ريف دمشق وعمت البلاد كلها. بدأت الهتافات والمظاهرات، واشتعلت حرب العصابات في أرجاء البلاد. أين يذهب؟ كيف يخرج من هذا المأزق؟ وهل إلى خروج من سبيل؟ كيف يحصل على الشهادة؟ وكيف يواصل مسيرته العلمية؟ كل هذه الأسئلة تتهافت على شاشة ذهنه، وتختلج في أعماق قلبه، ولم يجد لها جوابا. لم تترك الحرب صغيرة ولا كبيرة إلا وأتت عليها ودمرها. كانت القرية خاوية على عروشها بمبانيها وأسواقها، وكان الدخان ينبعث من رمادها وزواياها والناس فوضى لا سراة لهم، ويطاردهم الموت في كل مكان. يبحثون عن ملجأ آمن بعيدين عن نيران الحرب ولهفتها، فلا ملجأ لهم ولا من مغيث. لا يريدون الحرب بل الأمن والسلام، ولا يريدون منصبا، بل الكرامة ولقمة العيش، لا يريدون الجهل والأمية، بل العلم والفكر لأبنائهم، لا يريدون البلاد مفككة ومقسمة على العصابات والأحزاب التي تتقاتل لمصلحتها ولتصفية الحسابات. أصبحت المنطقة معاقل العصابات والطوائف. يقاتل بعضهم بعضا، فلا يميز بين الصحيح والسقيم، ولا بين الأخضر واليابس، ولا بين الطاغية الدكتاتور وبين الأحرار.

لا يميز بين الصغير والكبير، ولا بين الرجال والنساء، و لا بين الأقوياء والشيوخ. يبيد النفوس، ويدمر الديار، و ينتهك الأعراض، ويسلب الحقوق، ويجرب كل أنواع القتل والتمثيل على المظلومين المضطهدين. ويا للهول! أين يذهب؟ كيف ينسى تلك المدرسة التي نهل من مناهلها الصافية، وورد على مواردها العذبة، وانتقى من أزهارها الساحرة، وتربى بين أحضانها الدافئة، وترعرع بين أشجارها الباسقة. كيف يهاجر من تلك القرية التي ضمته بين ذراعيها الحانية، ونقشت على شاشات ذهنه أمجاد الدين والتاريخ، وعلمته آداب الآباء، وفتحت له صدرها لحله وترحاله. ها هو بين تلاطم الأمواج، يميل يمنة ويسرة، يكافح من أجل النجاة، ويصارع الموت من أجل البقاء. ويا لهول المنظر! تتساقط القذائف على رؤوس الناس ومبانيهم وأسواقهم، تطلق الرصاصات العشوائية من كل مكان، وتلقى القنابل والصواريخ من الطائرات والمروحيات. يصرخ الطفل وهو فاقد العين، و تصرخ الأم وهي مقطوعة اليدين، يبكى الابن وهو مشلول الرجلين، ويصيح الجد وهو يصارع الموت. الدماء تسيل، والجثث تتراكم، والمستشفيات تفوح برائحة الموت والأسرّة مثقلة بالقتلى والموتى، والغرف مكتظة بمن يصارعون الموت، ويتنفسون آخر الأنفاس. أين يذهب؟ هل يقاتل؟ ولكن مع من؟ الكل يدعي الحرية والكرامة، ولا يجتمع تحت لواء واحد. والكل يدعي الحقوق والسلطة وصيانة الأعراض، ولكن للأسف! الكل يحب القتل ولا يعرف الرحمة والعفو. الكل يقتّل ويمثّل ويشنق ويعدم بلا هوادة. والكل مشغول بتصفية الحسابات؛ فكيف يؤمن بهؤلاء الذين لا يميزون بين الحق والباطل، ولا يفرقون بين الرجال والنساء والأطفال والشيوخ، ولا بين المجرمين والمعصومين. لن يشارك ولن يقاتل، يحب أن يعيش ويتعلم، ويفكر وينجز، ويبحث ويبتكر، ويجدد وبيدع، ولا يريد القتل والدماء، يريد أن يحصل على شهادته، ويبني عالما أكثر سماحة وعدلا ينبض بالأمن والسلام.

ما زالت الحرب على أشد وتيرتها، وما زال دم المسلم يراق ويهدر. قتل أعيان القرية ووجهائها، وقضي على أغلبها الذين كان يستأنس بهم، ويتودد إليهم، و يتعلم منهم، ويكتسب الخبرات والمهارات من تجاربهم . كلهم شهداء إن شاء الله. لم يبق من أسرته إلا خمسة أفراد هو، وأمه، وأخوه الصغير، والأختان الصغيرتان. استحال العيش في القرية، واستصعب البقاء على قيد الحياة في ظل الحرب الضروس. لم يكن أمامهم إلا الرحيل إلى كهوف الجبال التي تبعد من القرية ستين ميلا . حملوا أمتعتهم وأغراضهم، وألقوا نظرة الوداع على القرية المحببة إلى قلوبهم، وغادروا إلى كهوف في أعماق الجبال. كان يردد في نفسه قصة أصحاب الكهف، وقصص من عاشوا في الكهوف في غابر الزمان، وها هو اليوم أصبح من أصحاب الكهوف وجزءا من التاريخ الحجري. يبكي ويتحسر، ويصبر ويتكسر، ويؤمن بقضاء الله وقدره ويمشي بخطوات ثقيلة متوجها إلى .......................

المساعدات الإنسانية تصل إليهم وهم على قيد الحياة، يتطلعون للعودة ولكن يفضلون البقاء هناك خوفا من شدة الحرب وبطشتها حتى لا تقضي على طموحاتهم وآمالهم للأمن والسلام. اللهم ارحمهم وأنزل عليهم السكينة. آمين