أسمهان خلايلة تُكلّل هامتها بـ «أكاليل الغار»!

، بقلم محمد هيبي

قبل عام تقريبا، قامت الصديقة العزيزة، الكاتبة أسمهان خلايلة، بتنظيم أمسية لتكريمي وإشهار روايتي، "نجمة النمر الأبيض"، شكرتها في حينه وقلت لها: "سأشكرك أكثر، حين أتحدّث عن إصدارك القادم". وحديثي اليوم ليس تسديدا لدين، وإنّما شرف وواجب لأنّها تستحقّ، فهي كما أعرفها، أخت وصديقة عزيزة، وسيّدة محترمة، و"سيت بيت معدّلة"، وزوجة زوجها سعيد، وأُمّ لأولاد ربّتهم على حبّ الوطن والخير والجمال، وجدّة ترعى أحفادها وتسير بهم على الطريق ذاته، ورغم كل هذا الحمل الثقيل، وجدتْ الوقت لتكون كاتبة مبدعة. ولهذا أيضا هي عضو محترم وفعّال نعتزّ بها في اتحادنا القطري للأدباء الفلسطينيين.

أنا لا أزين الناس بالكيلوغرام، ولا أقيسهم بالمتر، ميزانهم ومقياسهم عندي عملهم ومنجزاتهم، ونضالهم في الحياة، وتضحياتهم، ولذلك، أقول بكل ثقة: إنّ "أكاليل الغار" هو إكليل غار مرصّع بالجواهر، يُزيّن هامة هذه القامة الشامخة. فهنيئا لأسمهان هذا الإنجاز الإبداعي الراقي، وهنيئا لمجد الكروم عصير كرومها، وهذا المدماك الجديد في صرح مجدها.

منذ ستينات القرن الماضي، وأسمهان تعيش في مجد الكروم الصامدة على الخطّ الفاصل بين الجليل الأسفل والجليل الأعلى. وعندما نقول على الخطّ الفاصل بين الجليلين، كأنّنا نقول على خط النار. لأنّ التقسيم لا يزال أثرا من مخلّفات نكبتنا وجزءا لا يتجزّأ من محنتنا المستمرة منذ العام 1948. وأسمهان عاشت حياتها واقفة على خط النار، كافحت مع زوجها من أجل بناء عائلة محترمة، وطنية ومثقّفة، ووقفت مع رفاقها من أجل دعم قضايا بلدها ومجتمعها وشعبها، وناضلت وما زالت تناضل بحضورها وقلمها من أجل عالم أفضل ينال فيه الإنسان ما يستحقّه من حرية وكرامة.

والمتتبّع لكتابات أسمهان خلايلة، يجد أنّها تغرف أفكارها، من مصادر ليست بعيدة عن مصادر الفكر الإنساني التقدميّ، فهي تغرفها من قضايانا اليومية، ومن تراثنا، وتاريخنا، وثقافتنا العربية الإنسانية، ومن الثقافة الإنسانية عامة. ويبرز عندها بشكل خاص، نضالها من أجل المرأة ودورها في مجتمعنا الذي يقمعها ويُهمّشها ويهضم حقوقها، فتأتي أسمهان لتكشف بشجاعة وجرأة، تلك الممارسات التي تفضح مجتمعنا وعجزه عن التنازل عن فكره الذكوري المتخلّف.

منذ ستينات القرن الماضي، وأسمهان خلايلة تعيش وتعايش هموم الإنسان الفلسطيني، وخاصة المحاولات الصهيونية المستمرّة لسحب ما تبقّى من الأرض الفلسطينية، من تحت أقدام أصحابها الأصليين، وبشكل خاص الفلسطينيون الذين بقوا منزرعين في أرضهم، والذين زادتهم السلطة جراحا على جراحهم، قبل أن تندمل جراح النكبة. عاشت نضال شعبها من أجل استعادة أرضه وحقوقه، وشاركت في نضال الجماهير العربية التي صنعت يوم الأرض الخالد في آذار عام 1976، ومنذ ذلك الوقت وهي مسكونة بهموم شعبها، منخرطة معه في نضالاته.
كتاب "أكاليل الغار"، هو مجموعة قصصية نلمس فيها بشفافية مطلقة، مدى الألم الذي تختزنه المرأة العربية الفلسطينية المكافحة، حين تنظر إلى واقعها، الشخصي والعام، نظرة اجتماعية/سياسية، تقارن فيها بين الحاضر والماضي، لتكشف براءة الماضي وأصالته، رغم ما كان ينطوي عليه من ظلم وإجحاف، ولتكشف كذلك، زيف الحاضر وزيف إنسانه الذي يلهث وراء المظاهر والشكليّات الزائفة، ويبيع نفسه وكل القيم التي تربّى عليها بثمن بخس، خاصة تلك القيم التي كان من الممكن أن يحملها معه من الماضي إلى الحاضر ليُبقي للحياة معناها، وليُحافظ على قيمتها. وحتى لو سار على نهج الحاضر بما فيه من تقدّم علمي وتكنولوجي، فقد كان من المفروض أن يخدم به نفسه، لا أن يُجرّدها من قيمتها وقيمها الإنسانية.

في كثير من قصص الكتاب نجد صورا في منتهى العمق، ورغم أنّها تبدو ساذجة وطفولية بريئة في بعضها، إلّا أنّها تواجه بها عالما متوحشا، شرسا، مليئا بالشرّ، عالما يُجرّد الإنسان من قيمه، والمرأة بشكل خاص، من أبسط حقوقها بالحرية والحياة الكريمة.

تكتب أسمهان بلغة مباشرة أحيانا، ولكنّ ذلك لا يُقلّل من قيمة نصوصها، بل يُعبّر عن شجاعتها وجرأتها. وتكتب أيضا بلغة راقية شديدة الكثافة، ترغم القارئ على تجنيد عقله وثقافته، ليتمكّن من سبر أغوار نصّها ونبش دلالاته.

يلعب الحنين إلى الماضي دورا بارزا في نصوص الكتاب، حيث تستقي الكاتبة أفكارها ومواضيعها من التراث الفلسطيني والعربي والإنساني. وبجرأة بارزة، تواجه المجتمع والعالم وما فيهما من استغلال الأقوياء للضعفاء، والأغنياء للفقراء، والكبار للصغار، والرجل للمرأة.

من اللافت في نصوص "أكاليل الغار"، أنّ أسمهان خلايلة تطمح إلى بلوغ الشكل الفنّي المناسب للقصة القصيرة، أو القصة القصيرة جدا، وتنجح بذلك في كثير منها. وتلجأ في التعبير عن مضامينها إلى اللغة التي تتلاءم مع مدى الألم الذاتي والجمعي، الذي تختزنه. وهي تُشاركنا همومها ومخزونها الفكريّ والعاطفي، الذي تدفقه لتفضح أولئك المشوّهين، بالفتح والكسر، الذين يُشوّهون الحياة، فتنزع عنهم أقنعتهم المزيّفة، وتكشف حقيقتهم. ونصوصها التي تنزف وتتألّم وتنضح حزنا؛ يُشرق حزنها في نفسها ونفس القارئ. وعندما يُشرق الحزن، تكون النفس البشرية قد بدأت طريقها إلى ما تسعى إليه من سعادة فردية وجمعية في مدينة فاضلة ترغب الكاتبة ببنائها.

ولتصل الكاتبة بنا إلى أعماق ألمها، ولتفضح أسبابه ومسبّبيه، تعمد في كثير من نصوصها، إلى توظيف السخرية، المباشرة أحيانا والمبطّنة أحيانا أخرى، لتعبّر عن الألم والغضب، ولتفضح عيوب المجتمع وتعرّيه. وهي بذلك ستفزّ القارئ وتدفعه إلى ما هو أكثر من متعة القراءة والتعاطف معها، تدفعه إلى الخروج عن صمته، ليصرخ في وجه من يُطيلون ليله، ويحرمونه ألق الصباح.

معظم نصوص الكتاب، هي عبارة عن قصص قصيرة جدا، يتراوح طولها بين السطر أو بعضه وحتى الصفحة أو بعضها. ولا بأس في ذلك، فالقصة القصيرة جدا تقوم على الغياب: غياب اللغة وغياب الأحداث وتعميم الزمان والمكان. وهذا كلّه يُفعّل القارئ، عقلا وثقافة، ويترك له مساحة شاسعة للفهم والتأويل واستكشاف الدلالات العميقة الكامنة في الغياب.

في قطعة "صباح رمادي الحضور" (ص 30).

تُعالج أسمهان قضايا الأقلية العربية وحقّها بالأرض والمسكن، وتهاجم سياسة هدم البيوت، وترى في السلطة التي تُنفّذها، عالما "متحضّرا جدا" في تنفيذ الإجرام والتشريد وحرمان الإنسانية من أبسط الحقوق. تقول: "لم يطلب الأب من زوجته إعداد الشاي أو خبز الكعك، لأنّه كان يُحاول التصدّي للجرّافة الآثمة قبل أن تفترس طوب السقف والجدران".

وفي قطعة "يوم العلت" (ص17). يبرز التراث الفلسطيني، حيث الإشارة إلى بعض النباتات والمؤكولات الشعبية التي تُصنع منها، كما توظّف الأمثال الشعبية مثل: "بدك تعرف أسرارهم اسأل صغارهم"، و"بثمّي ولا بثم (الطير) الغاصب المحتل". والأهمّ من ذلك أنّها تتحدّث عن كره الناس للإنجليز والإجماع على مقاومتهم. تقول: "أصرّ الأطفال على إجابتهم التي تلتها عليهم أمهاتهم: أكلنا عِلت وخبيزة ومنذ شهر لم نذق اللحمة". وهذا لأنّ أهل القرية، ذبحوا قطيعا كاملا من الماشية ووزّعوه بينهم ليلا، وخبّأوه لكيلا يُصادره الإنجليز ليطعموا جنودهم. وعلّم الناس أطفالهم كيف يُجيبون إذا سألهم الضابط الإنجليزي ماذا أكلوا؟ وأسمهان هنا، تعرض نوعا من المقاومة الشعبية السلبية، ذكّرني ببطل الهند، المهاتما غاندي، الذي دعا شعبه للمقاومة السلبية وانتصروا بها على الاستعمار. وهنا توجد إشارة واضحة إلى ثقافة الكاتبة واهتمامها كمناضلة بثقافات الشعوب المسحوقة وطرق مقاومتها.

وفي قطعة "حدس" (ص 53)، تظهر العادات والتقاليد ونقد المجتمع والسخرية من تمسّكه بالمظاهر حتى في مناسبات العزاء. فالأم كما جاء في القطعة، تصرّ على ارتداء شلحتها البيضاء الجديدة وهي ذاهبة لجمع الزيتون. واتّضح أنّها يجب أن تكون مستعدّة إذا حدث مكروه لزوجها أو أحد أبنائها أثناء العمل فتُضطر لشقّ ثوبها، فهي تُريد أن ترى النسوة المتحلّقات حولها أنّ ثيابها الداخلية جديدة وأنّها لا تلبس الهردبشت. تسخر الكاتبة من المجتمع، ولكنّ المضحك المبكي، أو السخرية السوداء المبطنة جاءت "في اليوم التالي ... (حين) لم تجفّ دموع بنتيها، وكانتا تجهشان بالبكاء كلّما لاحت منهما نظرة نحوها جالسة وسط النسوة النائحات ... المتفرجات".

في قطعة "تقتير"، (ص 62)، تتضامن الكاتبة مع الطبقة المسحوقة، وتُعبّر عن حقدها الثوري على الطبقة الرأسمالية التي تحتقر الطبقات المسحوقة من العمال والفلاحين. وهذا يعكس الفكر التقدّمي النيّر الذي تحمله الكاتبة، وهو فكر متأثّر بالفكر الشيوعي الماركسي.
في القطعة، امرأة تُمثّل الطبقة الرأسمالية، تُساوم فلاحة مسحوقة تبيع النعنع والبقدونس، تساومها على سعر "ضمّة" البقدونس، وتدفع لها ليرة ونصف بدل ليرتين، لأنّ البقدونس مقطوف من حاكورة البائعة. بينما السيّدة الرأسمالية التي تركب مع ابنها الصغير سيارة فارهة، تدفع لبائع الكوكتيل والكعك، أضعاف ثمن البقدونس، وتترك على الطاولة بقايا من الكعكة ما يكفي لعدة اشخاص. وفي ذلك إشارة إلى الصراع الطبقي واستغلال الطبقة الرأسمالية للفقراء، وتمسّكها بالمظاهر والشكليّات الزائفة.

في قطعة "في صبيحة العيد"، (ص 62)، لغة شديدة الكثافة، تُطلق فيها الكاتبة، صرخة حزن وغضب، على لسان أمّ ثكلى تصرخ: "أقتلوا الوحش"، هذه الصرخة تُطلقها في وجه أعداء الإنسانية وأعداء الطفولة والحياة، الذين يغتالون الطفولة حتى في يوم العيد، ويحوّلون لون الحياة إلى لون الموت. فالطفلة التي "لبست ثوبها المطرّز فرحة بموسيقى القطع النقدية في جيبه، وبما ستشتريه من مثلّجات وبدفع أجرة الأرجوحة، سقطت برصاص أعداء الحياة من جنود الاحتلال، و"ظلّت مبتسمة مغمضة العينين رغم الثقوب في الفستان الذي غدا أحمر اللون، يجاهد التمزقات والحروق".

وفي قطعة "مريض" (ص 70)، تُطلق الكاتبة صرخة ألم وغضب ضد العنف العبثي الذي يحصد أرواحا بريئة في حوادث الطرق. وتتماهى الكاتبة في ألمها مع ألم الناس جميعا، نتيجة استهتار بعض المهووسين ومرضى النفوس، بحياة الناس. والمؤلم في هذه القطعة أنّها تصوّر واقعا عايشناه قبل فترة من الزمن، حين قام شابّ مستهتر تعتعه السكر، بدهس عائلة من المثقّفين، فالزوج قاضٍ والزوجة مهندسة وابنهما طبيب. ويصل الألم قمّته فيما ردّده رجل الدين في تأبين المغدورين، حيث قال: "إنّ هذا المصابَ بداء اللامبالاة والغرور، قد اغتال جامعة بأكملها".

وفي قطعة "باب"، (ص 72)، تنتقد الكاتبة امتهان قيمة المرأة والرجل في المجتمع الذكوري الذي يحتقر المطلقة أو الأرملة ويُرغمها على الزواج ممن لا تُحب لحماية نفسها، لأنّها إن لم تتزوّج، يعتبرها المجتمع "حديقة بلا سياج". والمرأة التي تُرغَم على مثل هذا الزواج لسان حالها يسخر من المجتمع ويقول عن الزوج غير المناسب الذي يكبرها بعقود: "ليس من مستواي العائلي، صحيح! وجمالي كثير عليه، هذا أيضا لا ريب فيه! ولكن، "خَلَق باب بِرُد الكلاب"، واسمي على ذمة رجل ... ولست حديقة بلا سياج". هذه السخرية تُعبّر عن ألم الكاتبة وتفضح المجتمع الذكوري الذي يرى المرأة سلعة خُلقت لمتعة الرجل وخدمته.
أسمهان خلايلة، لا تترك موضوعا يهمّ المجتمع إلّا وتطرقه بكل جرأة وشجاعة، ومن يقرأ نصوصها، يجد أنّ في داخلها بركانا هادرا من الحبّ والحزن والغضب، سواء كان ذلك في نصوص "أكاليل الغار"، أو غيرها مما تنشره على صفحتها الغنية، على الفيسبوك، ويجد أيضا أنّ قلمها المبدع ما زال سيّالا بعيدا كل البعد عن النضوب.

أتمنى لكم دوام الصحة والعافية والاهتمام بالثقافة. وأتمنّى لأسمهان دوام الصحّة والعطاء المتواصل ودوام التألّق والإبداع.


محمد هيبي

كاتب من فلسطين

من نفس المؤلف