من ذا يهيم بها بعدي؟

، بقلم فاروق مواسي

لم يخلص نُصَيب بن رباح من النقد اللاذع عندما قال بيته الشهير:

أهيم بدعد ما حييت فإن أمت
فيا ويحَ دعد من يهيم بها بعدي؟

إنه يتساءل عمن سيحبها بعد قضاء أجله، فهذا موضع اهتمامه وقلقه، وهذا السؤال كان وجه الاعتراض من قبل النقاد.

يقول ابن عبد ربه في (العقد الفريد، ج5، ص 362):

"ومما أدرك على نُصيب بن رَباح قوله:

أهيم بدعدٍ ما حييتُ فإن أمت
فوا كبِدي من ذا يهيم بها بعدي

(يلاحَظ تغيير بعض الكلمات في أصل البيت، كما سنرى تغييرات في الروايات، لكن الجوهر واحد)

ورد ذكر البيت في مجلس لعبد الملك بن مروان:

"ذكر عبد الملك لجلسائه ذلك، فكل عاب البيت.

فقال عبد الملك: فلو كان إليكم كيف كنتم قائلين؟

فقال رجل منهم- كنت أقول:

أهيم بدعدٍ ما حييت وإن أمت
فوا حزَنا من ذا يهيم بها بعدي!

فقال عبد الملك: ما قلتَ والله أسوأ مما قاله.

فقيل له: فكيف كنت قائلاً في ذلك يا أمير المؤمنين؟

فقال كنت أقول:

أهيم بدعدٍ ما حييت فإن أمت
فلا صلحت دعدٌ لذي خُلةٍ بعدي"

(المبرِّد: الكامل في اللغة والأدب، ج1، ص 156

ابن قيّم الجوزية: أخبار النساء، ص 86.)

أما في رواية (الموشَّح) للمرزَباني فبيت نُصيب هو:

أهيم بدعدٍ ما حييت وإن أمت
أوكِّل بدعدٍ من يهيم بها بعدي

وفي هذه الرواية تعليق على البيت:

"فلم تجد الرواة ولا من يفهم جواهر الكلام له مذهبًا".

أما بيت عبد الملك الذي صوّبه -في رواية الموشح-:

تحبكم نفسي حياتي فإن أمت
فلا صلحت دعدٌ لذي خُلة بعدي

نجد التغييرات الطفيفة كذلك في رواية ابن قتيبة (الشعر والشعراء، ج1، ص 412)، فيقول:

"ودخل الأقَيشِر على عبد الملك وعنده قوم، فتذاكروا الشعر، وذكروا قول نُصيب:

أهيم بدعد ما حييت فإن أمت
فيا ويح دعدٍ من يهيم بها بعدي

فقال الأقيشر: والله لقد أساء قائل هذا الشعر.

قال عبد الملك: فكيف كنت تقول لو كنت قائله؟

قال- كنت أقول:

تُحبُّكُمُ نَفْسي حَيَاتي فإِنْ أَمُتْ
أُوَكِّلْ بدَعْدٍ مَنْ يَهيمُ بها بَعْدِي

قال عبد الملك: والله لأنت أسوأ قولا منه حين توكل بها!

فقال الأقيشر: فكيف كنت تقول يا أمير المؤمنين؟

قال- كنت أقول:

تُحبُّكُمُ نَفْسي حَيَاتي فإِنْ أَمُتْ
فلا صَلُحَتْ هْندُ لذي خُلَّةٍ بَعْدي

فقال القوم جميعًا: أنت والله يا أمير المؤمنين أشعر القوم".

(ملاحظة: في هذه الرواية تغير الاسم كذلك، فهي في بيت عبد الملك- هند).

غير أن كثيرًا من المصادر أجمعت على أن التصويب هو لمن سبق الخليفة- لسُكينة بنت الحسين، وقد صوبت عددًا من الشعراء بحصافة وقدرة نقدية نافذة، حيث وردت في روايات مختلفة:

"قال ابو عبد الله الزبيري اجتمع راوية جرير وراوية كُثيِّر وراوية جميل وراوية الأحْوص وراوية نُصيب، فافتخر كل منهم، وقال: صاحبي أشعر!

فحكّموا السيدة سُكينة بنت الحسين -رضي الله تعالى عنهما بينهم- لعقلها وتبصّرها بالشعر، فخرجوا حتى استأذنوا عليها، وذكروا لها أمرهم.

فقالت لراوية جرير- أليس صاحبك الذي يقول:

طرقتك صائدة القلوب وليس ذا
وقتَ الزيارة فارجعي بسلام!

وأي ساعة أحلى من الزيارة بالطروق؟ قبح الله صاحبك وقبح شعره!

فهلا قال: فادخلي بسلام!
..
ثم قالت لراوية كّثَير- أليس صاحبك الذي يقول:

يقَرُّ بعيني ما يقرُّ بعينها
وأحسن شيء ما به العين قرَّتِ

وليس شيء أقرَّ بعينها من النكاح. أيحب صاحبك أن يُنكح؟

قبح الله صاحبك وقبح شعره!

ثم قالت لراوية جميل- أليس صاحبك الذي يقول:

فلو تركت عقلي معي ما طلبتها
ولكنْ طِلابيها لما فات من عقلي

فما أراه هويَ، وإنما طلب عقله. قبح الله صاحبك وقبح شعره!

ثم قالت لراوية نُصيْب- أليس صاحبك الذي يقول:

أهيم بدعد ما حييت فإن أمت
فوا حزَني من ذا يهيم بها بعدي

فما له همّة إلا من يتعشقها بعدَه!

قبحه الله وقبح شعره!

هلا قال:

أهيم بدعد ما حييت فإن أمت
فلا صلُحت دعد لذي خُلّة بعدي

ثم قالت لراوية الأحوص- أليس صاحبك الذي يقول:

مِن عاشقين تواعدا وتراسلا
ليلا إذا نجم الثريا حلَّقا
باتا بأنعم ليلة وألذِّها
حتى اذا وضَح الصباح تفرّقا

قبحه الله وقبح شعره! هلا قال: تعانقا!

فلم تثن على واحد منهم، وأحجم رواتهم عن جوابها رضي الله عنها.

(الأبشيهي: المستطرَف في كل فن مستظرَف، ص 87 (القدس للنشر)؛

الأصفهاني: الأغاني، ج 16، ص 173، وعجز البيت "فوا حَرَبا من ذا يهيم بها بعدي؟"؛
العاملي: الكشكول، ص 135؛

المرزَباني: الموشَّح، ص 193.)

وورد البيت كذلك في كتاب ابن عبد ربه (العقد الفريد، ج5، ص 374) ضمن نقد لاذع وجَّهه عمر بن أبي ربيعة إلى الشعراء- كثيِّر والأحوص ونُصيب، فلما وصل إلى بيت نُصَيب قال له عمر:
"أهمَّك ويحَك من يفعل بها بعدك"؟

غير أن هناك من عزا البيت للنمر بن تَولب، فقد ورد في كتاب ابن قتيبة (الشعر والشعراء، ج 1، ص 310):

"وذكر الأصمعي عن حماد بن ربيعة بن النمر أنه قال: أظرف الناس النمر بن تولَب في قوله:
أَهِيمُ بدَعْدٍ ما حَيِيتُ فإِنْ أَمُتْ
أُوَصِّ بدَعْدٍ مَنْ يَهيمُ بها بَعْدِي
والناس يروون البيت لنصيبٍ".

نلاحظ أن التصويب تركز على الاستئثار، فالشاعر إذ يموت فلا يجب أن تصلح لأحد بعده، وهكذا أجمع النقاد على ألا تكون أية خُلّة – أي زوجة بعد حبيبها الذي هام بها وقضى نحبه.

فالنقاد يريدون ألا يهيم بها أحد بعده، وعابوا عليه مجرد السؤال عن مصيرها أو مسيرتها.

فما رأيكم؟


فاروق مواسي

بروفيسور، أديب، وأكاديمي فلسطيني، دكتوراة في الأدب العربي

من نفس المؤلف