بكائيات قيلت بالشهيد عبد القادر الحسيني

، بقلم جميل السلحوت

تأخذ البكائيّات حيّزا واسعا في الشّعر الفلسطيني، وأكثر ما يتمثّل ذلك في التّراث الشّعبيّ، فقد تعرضت فلسطين عبر تاريخها إلى احتلالات ومذابح كثيرة، بسبب موقعها الاستراتيجي على الكرة الأرضّة، فهي ملتقى ثلاث قارّات "آسيا، افريقيا وأوروبّا"، وما يترتّب على ذلك من طرق تجاريّة تربط العالم، إضافة إلى كونها مهد الدّيانات السّماويّة الثّلاثة، وهذه الاحتلالات حصدت أرواح ملايين الفلسطينيّين، وما ترتّب على ذلك من بكائيّات ومراثي لهؤلاء الضّحايا.
وفي القرن العشرين جرت بكائيّات عامّة مرّتين شارك فيها الشّعب الفلسطينيّ بمختلف فئاته وطبقاته الاجتماعيّة.

الأولى: بكائيّات قائد الجهاد المقدّس الشّهيد عبدالقادر الحسيني، الذي استشهد يوم 8 نيسان-ابريل- 1948، في معركة القسطل إلى الغرب من مدينة القدس، وقد بكاه أبناء الشّعب الفلسطينيّ في فلسطين كلّها، وأيضا بكاه من اضطروا إلى اللجوء إلى دول الجوار للنّجاة بحياتهم. وبما أنّ البكاء تخصّص نسائيّ –حسب ثقافتنا الشّعبيّة-، فقد نُصبت حلقات النّواعي على الشّهيد الحسيني على رؤوس التّلال والجبا، وفي السّاحات العامّة في مختلف المدن والقرى الفلسطينيّة، واستمرّت لأسابيع بشكل يوميّ، وقد يكون دور في تلك البكائيّات للمذابح التي استهدفت الشّعب الفلسطينيّ كمذبحة دير ياسين التي حصلت في اليوم التّالي لاستشهاد القائد الحسيني، وما تلاها من مذابح ونكبات وتشريد وصلت قمّتها في 15 أيّار 1948، وهذا ما دفع إلى استمرار الحزن والغضب.

وهذه البكائيّات تلفت الانتباه إلى مدى وفاء الشّعب لقائده الذي كان يعوّل عليه وعلى حركته لحماية البلاد من الخطر الذي اجتاحها، كما يبرهن على مدى الشّعبيّة والجماهيريّة التي كان يحظى بها الشّهيد عبد القادر الحسيني بين أبناء شعبه، هذا القائد الذي اتّخذ الرّيف والبادية الفلسطينيّة قواعد لحركته الجهاديّة، فالتفّوا حوله واحتضنوه وقاتلوا معه، وأطلقوا عليه لقب "البيك".

أمّا الثّانية فهي بكائيّات زعيم الأمّة رئيس مصر جمال عبد النّاصر، الذي حظي بحبّ الشّعوب العربيّة من محيط وطنها غربا، إلى خليجه شرقا، واختطفه الموت في 28 سبتمبر 1970 عن عمر يناهز 52 عاما. وقد أعلن الحداد العام في مختلف المناطق الفلسطينيّة، أغلقت المحلات التجارية والمدارس، توقّفت المواصلات، وجرت له جنازات رمزيّة في مختلف القرى والمدن الفلسطينيّة، انطلقت تلك الجنازات من القرى وهي تحمل نعشا رمزيّا لتلتقي جميعها في إحدى السّاحات العامّة في المدينة الرئيسّيّة القريبة لتلك القرى، حيث أقاموا صلاة الجنازة غيابيا على روح الزّعيم الرّاحل، وألقيت خطابات من ممثّلى القوى والمؤسّسات الوطنيّة، وقد شاركت في الجنازة الرّمزيّة التي انطلقت مشيا على الأقدام من قريتي جبل المكبر 5 كم جنوبيّ القدس القديمة، حيث التقت الجموع التي زاد عددها عن المئة ألف شخص في السّاحة الواقعة أمام المدرسة المأمونيّة، ثمّ انطلقت باكية عبر شارع صلاح الدّين، إلى باب العمود فطريق الواد إلى المسجد الأقصى، حيث أقيمت صلاة الجنازة على روح الفقيد الكبير، وألقيت الكلمات التي ذكرت مناقب الفقيد، ودعت إلى تكملة المسيرة.

في حين التقت عشرات النّساء على قمة جبل المكبر المطلّة على القدس والمسجد الأقصى، وهنّ يلطمن الخدود ويقددن الجيوب، وكانت المرحومتان عائشة أبو حديد وعيشة عطية عبده تقودان حلقات النّواعي تلك والأخريات يردّدن خلفهنّ، واستمرّتّ حلقاتهنّ الباكية لمدة تزيد على الشّهر وبشكل يوميّ، ممّا لفت انتباهي أنا والزّميل محمد شحادة، وشكّل لنا حافزا لتسجيل تلك البكائيّات، وأخذناها من مصادرها وهما السّيّدتان المرحومتان اللتان ذكرنا اسمهما سابقا.

وممّا ذكرته لنا تلك السّيدتان أنّه جرى تحوير النّواعي التي بكين فيها الشّهيد عبدالقادر الحسيني، واستبدلن اسمه باسم الرّئيس جمال عبد النّاصر، كما جرت بعض الاضافات لتناسب المرحلة الجديدة.

ومن البكائيّات التي ذكرنها لنا وأكّدن أنّها قيلت في الشّهيد الحسيني ما يلي:

عبد القادر لما مات وعبد القادر لما مات
وارتـّجـت سبع بلادات وارتـّجـت سبع بلادات
وانهدّين العلالي وانهدين العلالي
والقصور المبنيات والقصور المبنيات

يا قلعة الصّوّان هالت كلها
يا ابو موسى واطلع للمشاكل حِلّها
ويا قلعة العروبة هالت كلّها
ويا عبدالقادر واطلع للقضيّة وحلّها

ويا قدر الكرم مكفي على بابه
ولا يا حسرتي ببكي على اصحابه
يا قدر الكرم مكفي على البيبان
لا يا حسرتي ببكي على الضيفان
ولا يا نجوم الليل غرّبن وشرّقن
على قبر ابو موسى نيخن وسلمن
قولن يا كحيل العين مالك نايم
ومالك نايم ومرخي اللثام

ويبدو أنّ النّساء كنّ على علم بقضيّة "نص كيس رصاص" التي عاد بها مبعوث "البيك" من سوريا، وما تبعها من رسالة "البيك" لأمين عامّ الجامعة العربيّة يحمّل فيها الحكومات العربيّة مسؤوليّة التّخلي عن فلسطين، فقلن في ذلك:

ولا يا وريقة طارت على سوريا حارت
خذها يا ابو "فلان" وقراها تلقى فيها خبر ومصيبة
فيها عبد القادر راح غصيبة

كما يبدو من البكائيّة السّابقة أنّ الشعبّ الفلسطينيّ أدرك منذ البدايات أنّ القضيّة الفلسطينيّة قضيّة الشّعوب العربيّة كافّة، كما أنّ شهرة القائد الحسيني قد تخطّت حدود فلسطين. وفي التنويحة أعلاه نلاحظ أن نساء فلسطين لا يؤمنّ بأن عبد القادر الحسيني مات موتا طبيعيا، بل ذهب ضحيّة للغدر.

وهذه تنويحه تخاطب الباكيات فيها هيفاء ابنة القائد الراحل وتوصيها بالحداد على والدها:

قولوا لهيفا ولا تقولوا لغيرها
والكحل الأسمر لا تحطه بعينها
وقولوا لهيفا ولا تقولوا لحدا
والثوب الأحمر لا تحطه على النّدى

والمرثية الآتية فيها تحذير ووعيد للأعداء، فإن هال " سور " قام مكانه آخر، يصدّ عنّا الأعداء والمكائد الامبريالية:

لا تتشفوا يا اعدانا راح سور وظل سور
يسلم لنا أبو سامي"بهجت أبو غربيّة" نمشي به عرضين وطول
ولا تتشفوا يا اعدانا راح سور وظل اثنين
يسلم لنا ابو سامي نمشي به على الصفين

والنّساء هنا يتحسّرن على فقدان الشّهيد الحسيني، ذلك الشّاب الوسيم الكريم المعطاء، صاحب السّمعة الحسنة والرّائحة العطرة، وملاذ المحتاجين والخائفين:

أبو موسى يا حوض الورد والندى مفتّح عليه
والعطشان ييجي يشرب والتّعبان يقيّل عليه

وفلسطين، مات عبد القادر الحسيني في خضم قضيّتها، فهل تنساه؟ لا، ففلسطين لا تصدق الخبر ولا تصدق أنّ القائد قد استشهد، وإن حدث فإنّ اسمه سيبقى خالدا في عقل وقلب كلّ فلسطيني حرّ شريف:

لا تفيعوا الخبر ولا تخلفوا النيّة
عسى انّه يكون معزوم عند الأفندية
ولا تصدقوا الخبر ولا تقولوا عنه مات
عسى انّه يكون معزوم عند الزّعامات
وهاتوا لي ختومه ولا تقولوا مات
صيتك يا ابو موسى على فلسطين فات

وغريب أن يستشهد البيك في هذه العجالة، فالناس غير مصدّقين، ولا يريدون تصديق الخبر المؤلم، وبالتّالي فهم لا يريدون نشر الخبر كي لا تثبط العزائم:

ظبّي قولِك لما أقول قولي وأنا البدّاعه
قولي على البيك يا اللي انتقل في ساعه
وظبّي قولِك لما اقول قولي يا ورق حنّا
قولي على البيك هللي شعبه ما تهنّا

وفي المرثيّة التّالية حزن عميق يزيد جروح القلب ألما على ما حدث:

لا تعلمّ يا ولد علمك رَدى
لا تعلم وتقول البيك غدى
ولا تعلم يا ولد علمك شمات
لا تعلم ولا تقول أبو موسى مات

ومن البكائيّة التّالية نستشف أنّ النّساء والرّجال بكوا الشّهيد الحسيني، وأنّ الحداد عمّ كلّ مرافق الحياة:

يوم أبو موسى يوم حرّ وقاسي
والزلم كفـّت والوجوه عباسي
ويوم ابو موسى يوم شوب وشرقيّه
يومه تطرح الحبلى لو تكون بكريّه
يوم ابو موسى يوم هدّوا مدينه
يحرم على البنّا الحجر والطينه
يوم ابو موسى هدّوا الحارة
يحرم على الصّايغ صنع سواره

ومع أن البيك استشهد في القسطل إلى الغرب من القدس لكن سيرته في فلسطين كلها والشّام وبلاد العرب والدّنيا كلّها، فصيته عمّ الآفاق:

مات البيك في بلاده يا صيته في الخليل
ويا شراشب مهرته فضّة وحرير
ومات في القدس يا صيته في حلب
ويا شراشب مهرته فضة وذهب

ويا هيفا-ابنة الشهيد-قولي ع ابوك قولي الخبر ع حِلّه
بـيـّك لو طلع زعلان حرّم يخش محلّه
يا هيفا حرمي التّطريز ع ذيالك
يا بـيـّك حرّم الجينة ع ديارك
ويا هيفا حرّمي التطريز ع القبةّه
ويا بيّك حرّم الجينة ع الهدّه " بمعنى المعركة"

يا بيّ موسى يا شوكة السّوّيد
يا حمل الفرس صيتك ولا ابو زيد
ويا بَيّ موسى يا شوكة العلقم
يا مرّ الشجر ويا حلو في الملقى

ومن صفات القائد الشّهيد الكرم:

ايش قلتن ع ابو غازي يا امّات-أمهات- المناديل
سبع وصدر ضيوفه على ضوّ القناديل
وايش قلتن ع ابو غازي يمّات-أمهات- الشّعر الأشقر
سبع وسدّر ضيوفه ع ضو القمر الأشعل

يا بو موسى من الاجواد ما ينسخى بيه
في سنين الغلا يسوى خزاين مال

لطلع -سوف اخرج- على داره واهدّ اركانها
يا قشيل – حسرة – ام موسى ظيّعت جمالها
ولطلع على داره واهدّ اللي انْبَنا
يا قشيل -حسرة- هيفا ظيعت –أضاعت- عود القنا

على ظهر القبر لزرع لكم ريشه
بتحبوا الهوى والكيف على التمباك

ونجمة في السما بتقول يا ستـّار
بقى ابو موسى يكيد الغدار
ويا نجمة في السّما بتقول يا راسي
وبقى ابو موسى كيّاد الانجاس

لاحظوا الحسّ المرهف في البكائيات التي سجلناها، وخاصة الأخيرة منها فليس الناس فقط هم الذي غمّهم خبر نعي الفقيد، بل وحتّى النّجوم في السماء دارت بها رؤوسها ألما وحزنا، فراحت نساؤنا تنعى القائد على لسان النجوم:

شعبك على الحيط باتوا أهل النخوة والشجاعة ماتوا
وشعبك على الحيط ظلوا أهل النخوة والشجاعة زلّوا

تمنّيتهم مع قفل شامي يقيلوا على باب داري
تيجي عزيمتهم عليّ
وتمنيتهم مع قفل مصري
يقيلوا على باب قصري

ولشدة الحزن تطالب البكائية بأن لا تشرق الشمس في ذلك اليوم الأسود:

يا شمس يوم فراق ابو موسى لا تطلعي
والقبر فظي -أصبح خاليا – والنّصايب لا تلمع

يا شرّاب التتن –السجائر - لا تشرب قبالي تشرب تِتنهم"دخّانهم" بيجي على بالي

ويتخيّلن هنا وصيّة للقائد الشّهيد، حيث يوصي ابنته بأن تعطي سلاحه لمن يأتي طالبا له كي يكمّل الطريق الذي سار عليه:

يا هيفا زغردي على اللي لفى –جاء- ع البيت
حطيلي – ضعي لي- زهابي- مؤونتي- غد أنا مشيت

وتستذكر الباكيات الشّهيد القائد أثناء دراسته في الجامعة الأمريكيّة في القاهرة كيف كان يدرك المخاطر التي تحيط بوطنه، وقد كان يستعجل العودة للمشاركة في المقاومة، كما أنّه كان يعمل على تجنيد المصريّين للتّطوع دفاعا عن فلسطين:

عطشان على النيل من وين بدّي أدور؟
فلسطين عاودي يا محاوطه ببحور
عاودي يا بلادنا حاطت فينا الصهيون
وعطشان على النّيل من وين بدي اشرب


جميل السلحوت

كاتب فلسطيني

من نفس المؤلف