الله يخلّيك

، بقلم فاروق مواسي

في صفحاتي هذه كنت سوّغت لغويًا عددًا كبيرًا مما يخطِّئون في اللغة، منها: مبروك، عضوة، عائلة، أتمنى، مبسوط، زعلان، معمِّر، فشل، منتزه...

سبيلي في ذلك تيسير اللغة، وأن نقرب الدارجة من الفصيحة، فما المانع إذا وجدنا أحتجاجًا أو حُجة ما يشفع لها، أو نماذج مما ورد في استخدامها، فاللغة يسر لا عسر، ونحن نملكها، ورحم الله طه حسين.

سأقف معكم اليوم مع الدعاء: الله يخليك!

هذا التعبير شائع في الدارجة بمعنى "أبقاك الله"، وفقد خطّأه الكثيرون بدعوى أن معنى (خلّى) ترك، إلى درجة أن أحد معلمي العربية عارض أحد الأئمة في قوله:

"خلِّ اتصالك مع الله"!

عارض المعلم مشيرًا إلى إن المعنى هو مخالف للدين، فكأن الإمام يطلب بهذا أن يتخلى عن الاتصال معه عز وجل.

فات المخطِّئون أن معنى (خلّى) في المعاجم هو (ترك)، و(ترك) لها دلالتان، فأنا تركت الكتاب على الطاولة- أعني أنني تركته بالمعنى المادي، فهو موجود عليها.

والمعنى الثاني لترك هو معنوي مثل (جعل)، نحو: تركت الأمر واضحًا، وبالتعويض: خليت الأمر واضحًا، وهنا يأخذ الفعل (ترك) مفعولين، وقد يُقدَّر الثاني، أو يكتفي الفعل بمفعول واحد. ومثل ذلك: خلّيت سبيل الرجلِ. أي تركته ولم أتعرض له.

(خلّى) مثل (ترك)، تكون كل منهما للأشياء (الأمور) أو المعاني، فهي بمعنى (أبقى)- خليت الصلوات لله.

يقول مجنون ليلى:

تباعدتِ عني حين لا لي ملجأ
وخلّيتِ ما خليتِ بين الجوانح

ويُروى صدر البيت:

تجافيتِ عني حين لا لي حيلة ...

فالمعنى هنا تركت بمعنى أبقيت.

(ابن قتيبة: الشعر والشعراء، ج2، ص 571- مادة- مجنون ليلى)

وكذلك قول أبي تمّام:

ألم ترني خلّيت نفسي وشانََها
فلم أحفِل الدنيا ولا حَدَثانَها

(ديوان أبي تمام، ج4، ص 142)

فالشاعر لا يريد أن يتخلى عن نفسه، بل يريد معنى (أبقيت).

وتقول عُليّة بنت المَهدي:

خليتَ جسمي صاحيًا
وسكنت في ظلِّ الحِجال

(في رواية أخرى تركت اسمي ضاحيًا- الأغاني، ج10، ص 203)

فهل المعنى في هذه النماذج لترك- بمعنى فرغ منه، وأصبح متخليًا عنه؟

أو بمعنى أبقى؟

من هنا أقول:

إذا دعا لي أحدهم: ربنا يخليك! فالمعنى هو: ربنا يدعني باقيًا،

وغالبًا فالمفعول به الثاني محذوف، فنقدره- نحو: سليمًا، معافى، حبيبًا ...إلخ

وعليه فأنا لا أخطّئ ولا أشك في نوايا من يقول لي: الله يخليك،

وسأجيبه: الله يحفظك.

أما الذي يسأل: ولماذا يتم الحذف للمفعول الثاني أجيب:

يتم للاكتفاء، فالمعنى مفهوم، على نحو: الله يعطيك...!

الله يخليك! دعاء لك.

لا دعاء عليك.


فاروق مواسي

بروفيسور، أديب، وأكاديمي فلسطيني، دكتوراة في الأدب العربي

من نفس المؤلف