حدود الخطاب السَّرديّ بين الشّكل والإمتاع الجماليّ.

، بقلم رشيد سكري

جيرار جنيت فالقُ السرديَّات.

لا يصفو معين البحث في جنس القصة أو في الأجناس الأدبيّة التي تعتمد على السرد عموما ، من دون أن يتربَّع و يصطاف هذا العالِم على عرش ومحفل السرد في الدراسات الأدبيّة و البلاغيّة واللـِّسْنيَّة الحديثة ، والأثر الذي خلفه ، طيلة أربعة عقود من الزمن ، في دراسي أدب ما بعد البنيويّة .
ففي جانب آخر ، تنزع البنيويّة نحو الدّراسة العلميّة للأدب . غير أنها تتأسس على العلم والممارسة النقدية معا ، بما هما قطبان أسنيان ، يجعلان من المقاربة البنيويّة مفتاح البحث عن الجماليّة الثاوية في الحكي . فكلمة " الحكي " مصدرٌ من فعل حكى يحكي ، و يتم بطرق مختلفة وفي وسائط متعددة ؛ لهذا السبب يمكننا أن نحكي بواسطة الإيماء والصورة والصوت والإشارة ...
إن العمل الذي قام به العالِمُ الفذُّ جيرار جنيت وسَّع من مفهوم البويطيقا poétique ، الضاربة جذورها في الفلسفة اليونانيَّة ، حيث لم تعد قاصرة على الشعر وحده ، بل وسع مفهومها ليشمل كل الأجناس الأدبيّة ، التي تعتمد على الصورة و الحركة معا . غير أن الإشكال الذي أرَّق الباحثين والدارسين معا هو : من أين يكتسي الأثر الأدبيّ أدبيَّته ؟ ومن أين يحصل على دمغة الجماليّة ؟ أفي أسلوبه؟ أم في صوره البلاغيّة ؟ أم في مكوناته التركيبيَّة ؟ أم في زاويته الرؤيويَّة؟ أم في جميعها؟
لقد سيطر النقد البنيوي الشكلاني على الدراسات الحديثة ، من زاوية بحثه الدَّءوب و المستمر عن العناصر الجماليّة، التي تسيج الأثر الأدبيّ ، وفي هذا المسعى ألف النقادُ بين ثلاث مقولات أساسيَّة ، تجعل من الخطاب السردي يبحث عن فنيَّـته و جماليَّته من تلقاء نفسه ، وهي :
القصة ( المادة الحكائية ) ؛
الحكي ( الجنس ) ؛
السرد (النوع ).
تبعا لذلك ، لا يخلو أي عمل سردي من هذه المقولات الثلاث ، التي جمعها عالم السرديَّات جيرار جنيت على مسار طويل من البحث و التحصيل ؛ دام أربعة عقود من الزمن . إلا أن هذه المقولات تتفرع إلى فروع ، تمثل الناموس الذي يضبط و ينضبط إليه الجنس الأدبيّ من جهة ، ويساهم في اختلافه عن باقي الأجناس الأدبيّة الأخرى من جهة ثانية . فمن أهم ما أسفر عنه هذا الإنشطار المقولاتي نجد مايلي:

ترتيب الأحداث؛
سرعة السرد؛
المسافة الزمنيّة ...

هذه المؤشرات المنبثقة من المقولات ـ الأم ، تعتبر المتغير الأفقي ، الذي يخيط كل الأجناس الأدبيّة . فضلا عن جماليَّة الحكي في القصة ، قد تكون نابعةً من هذه المتغيرات السرديّة ، بمعنى أن الأحداث المتواترة في القصة تنبثق في زمن قياسي جدا وتختفي، فاسحة المجال لمتغيرات أخرى تسجل حضورها من خلال المسافة الزمنية التصاعديَّة للحكي.

وكثيرة هي المنازع الجماليّة في النص الأدبيّ ، التي تدفعه نحو المنزع الفني ـ الجمالي ، من خلال التعالق ؛ الذي يذهب إلى حدِّ التلاحم و التـَّواشـُج بين علم الأدب و علم البلاغة . فلا حديث عن الأدبيّة بمعزل عن البلاغة . بالفعل ، ينفرطُ العقدُ إذا تم التفريطُ في الوازع البلاغيِّ في الإنشاءات الأدبيّة ، وقد تسقط المتعة الجماليّة وتنهار تماما إذا تم التقصير ، ولو في أحد العلوم المكونة للبلاغة ؛ سواء في علم البيان أو المعاني أو البديع . نعود للقول : إن علومَ الأدبِ لا تستقيم لها عودٌ من دون هذه العناصر البلاغيّة . وإلا ، فكيف تبغي هذه العلوم التفاعلَ و الاِنفعال والإثارةَ الجماليّة عند التلقي الجيّد من دون هذه المكونات؟

علاوة على ذلك ، وكما يؤكد أحمد العمري، أن توصيل المعلومات و المعارف لا يتم إلا عن طريق التمثيل و الإستعارة التي هي ضرب من المجاز بقصْد المشابهة و التشابه بين المعنى الحقيقي و المجازي للكلمة الواحدة ، مع مراعاة أحوال المتلقين عموما ؛ وهذا من صلب علم البلاغة . بالمقابل فالمنزع الغربي ، بخصوص لريتوريكا ، كان أعمَّ و أشمَلَ . حيث يجب ألا تظل ـ أي لريتوريكا ـ حبيسة التمثيل الأدبيّ الضيق فحسب ، بل أن تشمل كل العلوم الإنسانيَّة ، و أكثر من هذا يجب مزاولتها في طقوس الحياة اليومية . سيما وأن اللغة الحيَّة منفتحة ٌ ، باستمرار، على تطوير ذاتها من تلقاء نفسها ، وجعلها قريبة من المتعة الجماليّة ، التي يسعى إليها متلقو الأدب .
وبعد وعي قديم بأهمية هذا العلم البلاغي ، الضارب جذوره في الثقافة اليونانيَّة القديمة ، ستظل لغة الإبداع تحيى بالاستعارةِ ؛ مادام الانسانُ كائنا أدبيّا بامتياز ، و مادامتِ الاستعارةُ تجديدا للكلام و التواصلِ الإنسانيِّ منذ فجر الزَّمن .


رشيد سكري

كاتب وباحث مغربي

من نفس المؤلف