الكتابة الطفليّة المحليّة أمام تحدّيات التكنولوجيا

، بقلم أحمد ناصر

ينطلق هذا المقال من الافتراض أنّ الكتابة الطفليّة ليست بالأمر الهيِّن، ولعلَّه من الخطورة بمكان، أن يتصدّى لها من لا يعرف شروط ومعايير كتابتها، أو من تنقصه الخبرة العلميّة والتربويّة ويفتقد الحسّ والتذّوق الجماليّ لمختلف الصّور والمعاني التي يمكن أن تتجذّر في قدرات الأطفال الذهنيّة. إضافة إلى أنّ الكتابة الطفليّة لا زالت تقف أمام تحدّيات تكنولوجيّة متدفّقة أصبحت تطغى على جميع مناحي الحياة: الاجتماعيّة، والثقافيّة، والاقتصاديّة، والسياسيّة، وتفرض آثارها على الكتابة الطفليّة كما تفرضها الواقع المعيش.

تطور الكتابة الطفلية في بلادنا

عرفت الكتابة الطفليّة المحليّة في بلادنا شيئًا من الازدهار والتطّور في العقود الخمسة الأخيرة، وقد برزت مجموعة كبيرة من الكتّاب والشعراء في الدّاخل الفلسطينيّ الذين اهتموا بكتابة أدب الأطفال، وانشغلوا بكتابة القصّة والحكاية حينًا، ونظموا الأنشودة والقصيدة حينًا آخر. لعلّ من أبرزهم: محمود عباسي، جمال قعوار، حنا أبو حنا، سليم خوري، جهاد غوشة عراقي، مصطفى مرّار، عبد اللطيف ناصر، محمد علي سعيد، آمال دلة، سميرة نيروخ، نظير شمالي، عبيدة بلحة سطل، انتصار عابد بكري، نبيهة راشد جبارين، رافع يحيى، تحسين زحالقة، مفيد صيداوي، سهيل كيوان، إبراهيم جوهر، أديم مصاروة، عايدة خطيب، سهيل عيساوي، إلهام دويري تابري، يعقوب حجازي، ليلى مصطفى ذياب، بشارة مرجية، سلمان فراج، نعمان عبد القادر، محمد علي طه، فاطمة ذياب، روزلاند دعيم، نادر أبو تامر، آمال كريني، فاضل علي، نادية صالح، ميسون أسدي، هديل ناشف وغيرهم ممن تركوا عددًا لا بأس به من الابداعات الطفليّة المميّزة.
إنّ نظرة متأنيّة وشاملة إلى الكتابة الطفليّة في بلادنا تكشف أنّ أدب الأطفال في مجتمعنا العربيّ غير مفعَّل بالصّورة الثّقافيّة والحضاريّة اللائقة التي يستحقّها أطفالنا. ولعلّ السبب في ذلك يعود قبل كلّ شيء إلى تقصير المؤسّسات التعليميّة الرسميّة كالمدارس الّتي ما زالت تتجاهل دور المكتبات المدرسيّة في تنمية قدرات الطالب الابداعيّة، وانصراف المربّين عن تقديم الأدب العربيّ للأطفال بصورة لا تتلاءم مع عالمهم ورغباتهم، إضافة إلى تقاعس الادباء والمبدعين عن الخوض في تجربة الكتابة للأطفال باللغة العربية إمّا جهلاً بأهميّتها أو تقليلاً من شأنها، ومن ثمّ نزوح بعض كتاب قصص الأطفال باتجاه الترجمة من اللغة العبرية "الدخيلة" إلى اللغة العربية "لغة الأم". نذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر: الكاتب مفيد صيداوي ترجم قصة بسبوسة للمؤلفة حنة غولدبيرغ باصدار مركز أدب الأطفال-حيفا، الكاتبة روزلاند دعيم ترجمت قصة حنان ترسم قصة للمؤلفة عدنة كريمر باصدار دار الهدى، أنطون شلحت ترجم قصة فضيّة السمكة الصغيرة لباول كور باصدار مركز أدب الأطفال-حيفا، محمود عباسي ترجم قصة تستطيع أن تترك أشعارًا للمؤلفة نيرة هارئيل باصدار مركز أدب الأطفال-حيفا وجهاد عراقي ترجمت قصتين: شمسية بابا الكبيرة للكاتب العبري لفين كبنس باصدار دار الهدى، ودار للإيجار للمؤلفة ليئة غولدبرغ بإصدار سِفْرِيات هبوعليم، وغيرهم من الكتاب الذين خاضوا غمار الترجمة من اللغة العبرية إلى اللغة العربية. ولعله من المفارقة الغريبة، أن يترجم الكاتب العربي الفلسطيني مثل هذا النوع من الكتابة الخاصة بالأطفال. ولا ندري ما السبب الحقيقي الذي جعل كتابنا يتوجهون للطفل العربي الذي يجهل حقيقة الثقافة العبرية، ولا يحسن فهم مضامين القصة العبرية إلاّ من خلال ما يشاهده بواسطة وسائل التكنولوجيا الحديثة.

ونعتقد في هذا المجال، أن رقعة أدب الأطفال لن تزداد إلاّ إذا التفتت إليه المؤسّسات الثقافيّة تدعم وتشجع الكتابة الإبداعيّة، وترصد الجوائز من أجله بالقدر الذي تهتمّ فيه بالأدب الذي يخصَّص للكبار. كما أنّ اهتمام الصّحافة ووسائل الاعلام بهؤلاء الكتّاب من شأنه أن يفتح أمامهم آفاقًا جديدة، إضافة إلى أنّ وجود نقّاد يتناولون هذه النّصوص بالتحليل والنّقد والتّقويم، وتقديمها للناس والقرّاء عامّة، يزيد من ثبات القصّة المكتوبة للطّفل ويدفع الى تطوّرها.

ولعلّ من أهمّ المآخذ على الكتابة للأطفال في وسطنا العربيّ، أنّها لم يُراعَ فيها الإخراج الجيّد القادر على المنافسة؛ فالموضوع الجيّد يحتاج إلى شكل فنيّ لائق، بدءًا من نوعيّة الورق وحجم الخطوط وأنواعها وانتهاء بالغلاف، فضلا عن أن نوعيّة الرّسوم التعبيريّة والألوان في القصّة التي تعمل على اثارة الخيال وجذب الاهتمام ومساعدة الطّفل على تكوين صورة عقليّة لأحداث القصّة، وتعزيز الادراك الحسيّ وإثراء النصّ والمساعدة على فهمه. وبخاصّة لدى الأطفال الذين يعانون من صعوبات في فهم مقروئيّة النّصّ، ومن ثمّ فإنّ الصّور والرّسومات تُعتبر بعدًا جماليًّا للقصّة، إذ أنّها تحكي قصّة بالخطوط والألوان بدلا من الحروف والكلمات والجمل ممّا يُكسب الطّفل متعة زائدة عمّا يقدّمه النّصّ اللغويّ. ولسنا هنا بصدد الحديث عن القصة المحلية وعناصرها اللغوية أو الموضوعية الاّ بالقدر الذي يؤهلنا لمناقشة قضية تراجع الكتاب الورقي مقارنة بالكتاب الإلكتروني.
بالرّغم من أنّ الكتابة الطفليّة الإبداعيّة حقّقت مكانة مرموقة، لا بأس بها، في سنوات التسعينات من القرن الماضي، إلا أنّ حدّتها تراجعت في العقدين الأخيرين. ذلك أنّ الكتابة الطفليّة عامّة، باتت تخضع لتوجّهات القائمين على ثقافة الطّفل العربيّ وأحكامهم غير المبنيّة على أسس علميّة. وشرع المؤلفون يكتبون القصّة الطفليّة بدون أن تكون في أذهانهم رؤية واضحة لمقوِّمات هذا اللون الأدبيّ؛ فخفتت أصوات أدباء الأطفال، وتضاعفت قصص الأطفال التي تحوي عبارات بعيدة عن الواقع ولا ترقى لتكون كتابًا يتعلمه الطفل العصري. فعبارات مثل: "مرة فنجان لبس الفستان"، "مرة حذاء شرب الدواء"، "مرة لسان صار نعسان"، "طنجرة عملت في منجرة". لا تحمل أهدافًا تربوية أو تعليمية لإثراء ثقافة الطفل وتنمية قدراته اللغوية.

نحن نعلم أنّ مثل هذه العبارات المذكورة آنفًا تستخدم في رياض الأطفال والصفوف الدنيا في مدارسنا العربية، ربما بحجة أنّ هذه الجمل جاءت للحفاظ على القافية والكلام الجرسي المسجوع الذي يحدث في نفس سامعه لذة فنية وينمي قدراته التخيلية. ولكن السؤال الذي يمكن أن يطرح في هذا المقام: هل وقفت لغة الضاد عاجزة عن إنشاء كلمات وجمل وتعابير عربية أصيلة؟ وهل انحصرت القوافي وعلم العروض في مثل هذه التعابير العامية التافهة؟
لا نغالي إذا قلنا: إنّ ثقافة الطّفل العربيّ في الداخل الفلسطينيّ أصبحت مشوشَّة المعالم، منقوصة المضامين. ومشتَّتة الاتّجاهات؛ فلا تجمعها رؤية جمعيّة قوميّة واضحة، ولا تخضع لنظم اجتماعيّة أو معايّير كتابيّة ثابتة. وأنّ أواصر العلاقة بين الطّفل والكتاب الورقيّ التقليديّ أصبحت أوهى من خيوط العنكبوت. فالمؤسّسات الحكوميّة "المدارس"، ودور النّشر الّتي تعمل وفق قانون الربح والتجارة، والكتّاب العرب الّذين خاضوا تجربة الكتابة الطفليّة، على الأغلب لم يفلحوا في تقديم أدب جيّد يليق بمستوى الطّفل العربيّ ومتطلباته العصريّة بما يتلاءم مع طغيان التّطوّر التكنولوجيّ. إضافة إلى أنّ ما تقدِّمه وزارة التربية والتّعليم لمدارسنا العربيّة لا يندرج ضمن برنامج شامل أو منهاج تربويّ يعزِّز قدرات الطّلاب، ويساهم في تنمية مهاراتهم التخيّليّة والابداعيّة والذوقيّة، في ظلّ المعوِّقات الّتي تعترض هذا النّوع من الإبداع الفنّيّ. ولعلّ ما أشار إليه الدكتور محمود أبو فنّه في معرض حديثه عن القصّة الواقعيّة للأطفال يستحقّ الوقوف، إذ يرى أنّ هناك ضرورة لمراعاة جمهور المتلقّين من الأطفال من حيث مستواهم العقليّ والنّفسيّ والّلغويّ، وأنّ الكاتب النّاجح هو الّذي يستطيع أن يحقِّق التّوازن بين العمليّة الإبداعيّة الفنّيّة والعمليّة التربويّة النّفسيّة (أبو فنّه، 2001، ص 18). ومن منظور آخر يرى عبد الرحمن العيسوي أنّ الطّفل يسعى من خلال الإبداع الفنّيّ لاكتشاف علاقات جديدة أو يصل إلى حلول إبداعيّة لمشكلاته، أو يبتكر مناهج حديثة أو ينتج صورًا فنّيّة جميلة (العيسوي، 1991، ص144). ولا نرى خلافًا جوهريًّا بين ما قاله النّاقدان: أبو فنّه والعيسوي في الاقتباسين المذكورين آنفًا، فكلاهما يشيران إلى أهمّيّة الإبداع في اكتشاف مخبوء أو إضافة ما استجدّ في الكتابة الطفليّة غير التقليديّة.
على هذا الأساس يمكن أن تُعرّف التربية الإبداعيّة على أنّها شكل من أشكال التربية الحديثة الّتي من شأنها إعداد الطّفل ليكون رجل الغد وأمل المستقبل، ذلك من خلال ثقافة قوامها العقلانيّة والإبداع، وجعل التّفكير الإبداعيّ منهج التّعامل مع مشكلات الحياة اليوميّة حتّى يستطيع مواكبة التغيّرات التّكنولوجيّة المتلاحقة في الحاضر والمستقبل، وأن يكون قادرًا على أن يستوعب مفهوم الحداثة، ومتابعة الحضارة الحديثة في مختلف المجالات بأساليب تكنولوجيّة قائمة على الرّغبة في الإضافة والتّجديد (راجح، 1998، ص 4).

وفي رؤية تكاد تكون مغايرة، يرى النّاقدان: كركبي جرايسي ويحيى أنّ "النّظرة التربويّة الحديثة للتّعامل مع الأطفال تميل للتّعامل مع الطفولة كمرحلة قائمة بذاتها، تحمل سمات خاصّة تفصلها عن عالم البالغين"(جرايسي ويحيى، 2013، ص89).

علاقة النقد الأدبي بالكتابة الطفلية

العودة للحديث عن واقع الكتابة الطفليّة المحليّة تكشف تراجع النّقاد عن دراسة كلّ ما يصدر من ابداعات الكتابة الطفليّة، إذ لم يعد النّاقد الأدبيّ يفسح لها حيّزًا واسعًا في الدّراسات البحثيّة العلميّة النّاقدة، بل أصبح من التّساهل والتّهاون أن يُترك نقد الكتابة الطفليّة للكتابات الصحفيّة السّريعة التي تهتمّ بالتّعريف والتّنويه والعرض أكثر ممّا تهتمّ بمسائل الفنّ ومعايير العمل الإبداعيّ. ومن ناحية أخرى، اقتصرت محفّزات الابداع الأدبيّ في الكتابة الطفليّة على المسابقات المحليّة والجوائز الموسميّة الّتي توزَّع في كلّ عام بمناسبات مختلفة.

لا، ولم، ولن ننكر أنّ هناك إصدارات أدبيّة طفليّة متنوِّعة يتجلّى من خلالها أدب جميل، يستلهم التّراث الأصيل، ويطرح نفسه ضمن رؤى إنسانيّة جديدة تواكب العصر الحديث، وأساليب مبتكرة تُغْني الأدب العربيّ والثّقافة العربيّة بوجه عام. لا ينقصها إلا أن يُبادر نقّاد الأدب بالبحث عنها ومحاولة دراستها وتقييمها وبلورتها، وأن يكّفوا عن دراساتهم المكرِّرة لأسماء قديمة وصلت درجة الإشباع من النّقد والدّراسة. نعترف أنّ النّقد الأدبيّ على الأغلب، لا زال مقصّرًا عن مجاراة الكتابة الطفليّة الإبداعيّة. ولا يوجد من النّقّاد في بلادنا من يتفرّغ لنقد أدب الأطفال سوى مجموعة صغيرة لا تتعدّى أصابع اليدين نذكر منهم على سبيل المثال: محمود عباسي، محمود أبو فنة، نعيم عرايدي، رافع يحيى، سهيل عيساوي. وما يجدر ذكره، أنّ معظم هؤلاء النّقّاد عملوا في الكليّات والمعاهد العليا في البلاد كأساتذة ومحاضرين في موضوع أدب الأطفال، ممّا أكسبهم الأدوات اللغويّة والتقنيّة التي تمكّنهم من تقييم النّصّ الأدبيّ وفق معايير أكاديميّة خالصة. ولسنا هنا بصدد أن نلقي بأسباب تعثّر الكتابة الطفليّة على كاهل النّقّاد فقط، إذ أن هناك تقصيرًا واضحًا من الكتّاب والمؤلّفين أنفسهم؛ فالكاتب أو الشّاعر ما لم يكن متسلّحًا بالأدوات الإبداعيّة اللازمة التي تؤهّله للتأثير على القارئ، فإنه لا يستطيع أن يوفّر النّصّ الأدبيّ الجيّد الذي يستحقّه أطفالنا، ولن يتمكّن من صياغة المعايير الفنيّة التي يسعى لتوفيرها بحيث تكون شائقة وممتعة وقريبة من متناول فهم الطّفل.

هيمنة التكنولوجيا على الكتابة الطفليّة:

تواجه الكتابة الطفليّة في بلادنا عددًا من التحدّيات المعيقة للإبداع الأدبيّ الخاصّ بالأطفال، ولعلّ من أهمّها: هيمنة التّكنولوجيا على الكتابة الطفليّة. ونعني بذلك انصراف الأطفال عن الكتاب الورقيّ المعروف إلى وسائل الاتّصال التّكنولوجيّة الحديثة. الأمر الذي جعل الكاتب القاصّ أو الشّاعر يشعر بالغربة عن عالم الاطفال ويخشى أن يكون أدب الأطفال غريبًا ومنعزلاً عن واقع الحياة الاجتماعيّة والمعرفيّة. كلّ ذلك في زمن تفجُّر التّكنولوجيا الالكترونيّة الحديثة وطغيان أذرع الشّبكة العنكبوتيّة التي تصل بسهولة إلى أيدي الأطفال سواء كانوا في البيت مع آبائهم وأمهاتهم، أو في الشّارع مع أصحابهم، أو في المدرسة مع معلّميهم ومعلّماتهم.

هذه التّطوّرات التّكنولوجيّة التي ما فتئت تخطف أبصار الأطفال وتشغل عقولهم، تجاوزت بتقنيّاتها العالية الكتابَ الورقيّ التقليديّ وانتجت أعمالاً أدبيّة وتثقيفية جديدة في الكتابة الطفليّة الإبداعيّة التي لم تعد محصورة بالأناشيد، والأغنية، والقصّة المصوَّرة المطبوعة في كتاب أو مجلّة. وبالمقابل، ظهرت برامج وألعاب محوسبة جديدة للأطفال لن نفهمها إلا من خلال مشاهدتنا لهم وهم يلعبون ويضربون على مفاتيح شاشة الحاسوب بسهولة وبراعة. ولعلّ ما ذكره الكاتب أحمد عطيّة في معرض حديثه عن موضوع الإبداع يستحقّ الإشارة إذ يقول:" أصبح للإبداع أهميّة بالغة في حياة كلّ شعب يتطلّع إلى التّقدّم والرّقيّ، والبحث في الإبداع هو بحث من أجل واقع أفضل، ومحاولة للتّنبُّؤ بما ينتظر المرء من أحداث وتوقّعات وتمنيّات (عطيّة، 1994، ص255).
لم يعد إقبال الطّفل على القراءة مقصورًا على طريقة صنع الكتاب الجيّد واخراجه بشكل جذّاب، أو على اختيار النّصّ الشّعريّ الذي سَهُل معناه وخفّ ايقاعه الموسيقيّ، أو على القصّة المصوّرة بأجمل الألوان. بل أرتبط الأمر بمعطيات ملموسة جديدة؛ فقلّة القراءة على سبيل المثال، أصبحت ظاهرة عامّة مرتبطة بالتّكنولوجيا الحديثة، والصّورة المتحرِّكة النّاطقة، ورؤية مشاهد قد لا تحدث إلاّ في الخيال. ممّا لا يمكن أن يتحقّق في الكتاب الورقيّ المألوف. إذ أصبح عالم الهواتف الذكيّة Smart phone "" والانترنيت هو الأرضيّة التي تشكّل ثقافة الطّفل العامّة، بما فيها من جيّد ورديء، كلّ بحسب قدراته الذهنيّة والتخيليّة.

بات في حكم المؤكد، أنّ في عصر العولمة والتطور التكنولوجي الذي تجذر في كل جوانب الحياة، لا يمكن أن نمنع أطفالنا من استخدام وسائل التكنولوجيا الحديثة التي أدهشت عقولهم، وسلبت أوقاتهم، وأصبحت لا تفارقهم في نشاطات حياتهم اليومية. ومن هنا تأتي خطورة إبحار الأطفال في شبكة الإنترنيت بواسطة الحاسوب البيتيّ أو عن طريق استخدام تقنيّات الهواتف الذكيّة المحمولة في جيوب الأطفال، ولعلّه من غريب الأمر أنّ يتمّ ذلك بحضور الأهل، وبدون أساس معرفة وثقافة يقفون عليها تحميهم ممّا يصل إليه الأطفال من أفكار ومعلومات بعيدة عن مفاهيمنا الدّينيّة والقوميّة وتقاليدنا الاجتماعيّة، وعاداتنا اليوميّة.

وعليه لا بدّ لنا من إعادة النّظر في تربية أطفالنا، وضرورة مراجعة اهتماماتنا بثقافة الطّفل وتطوير بنيته الفكريّة والإبداعيّة والذّوقيّة، ومن ثمّ العمل الجاد من خلال وضع خطّة لمشروع متكامل يُشرف عليه نخبة من الكتّاب والشّعراء المحليّين القادرين على مواجهة هذه التّطوّرات التّكنولوجيّة التي تتعارض مع قضايانا التّربويّة ومصالح أطفالنا التّثقيفيّة.

قبل عقدين من الزّمن، كانت معظم البيوت تضمّ مكتبة صغيرة لجميع أفراد الأسرة، واليوم بتنا نلمس عدم اهتمام الأسرة بهذه المكتبة الصّغيرة. بكلمات أخرى لم تعد العائلة تهتمّ بثقافة الطّفل وترغيبه بالكتاب أو إثرائه لغة وذوقًا، متجاهلة أثر التّوجيه والإرشاد في الصِّغَر. على الرّغم من أنّ خبراء التربية وعلماء النّفس أكّدوا في دراساتهم على أنّ الطّفل يبدأ باكتساب خبراته الحياتيّة وتطوير مهاراته الإبداعيّة من ولادته، حيث يستمع إلى ترانيم أمّه؛ فيطرب لها معبِّرًا عن ذلك بحركات جسديّة تستجيب للنّغم أو يستسلم لها حينًا؛ فيغفو على أنغامها في نوم سعيد. ثمّ ما يلبث أن يبدأ بادراك مدلولات المعاني التي تحملها الألفاظ. المنطوقة الملحَّنة، والتي تؤسّس لبداية علاقته بالأدب (قرانيا، 2013، ص 465). ولنا أن ندرك أنّ هذا جانب من التّحدِّيات التي تواجه الكتابة الطفليّة، فالأمّ العصريّة لم تعد تحفظ ترنيمات الأمّ العربيّة الأصيلة التي زخرت بأجمل القيم الإنسانيّة النّبيلة؛ إنّما انشغلت بحفظ بعض الأغنيات الخفيفة التي استوعبتها عبر قنوات التلفاز الهابطة أو عبر أيقونات جاهزة وُضِعت على شاشة الهاتف الذكيّ الذي بات في أيدي جميع الأمّهات.

لا يُخفي المربّون مخاوفهم من الإدمان التلفزيونيّ والمعلوماتيّ لدى الأطفال، وقد بلغت هذه المخاوف حدًّا مريعًا جعل الكثيرين من هؤلاء المربّين ينادون بالتّخلي عن التلفزيون نهائيًّا، ولا يختلف الموقف من تطوّرات تكنولوجيا المعلومات كثيرًا، ولا سيّما ألعاب الفيديو والحاسوب، لأنّ ذلك بالنّسبة إليهم "أشبه ما يكون بالطّعام الرّديء ") وين، 1999، ص 296‏). حنان جرايسي كركبي ورافع يحيى يعتقدان أنّ حقيقة الواقع تقول: إنّ أطفال اليوم بالرّغم من كلّ محاولات "الحماية المفرطة" التي يحاول الأهل والمجتمع وضعهم بداخلها، مُعَرَّضون أكثر من الماضي لمواجهة بشائع العصر الحديث"(كركبي ويحيى،2013، ص 89).

والمفارقة الساخرة، أن الأهل كانوا يقدمون لأولادهم في مناسبات التّفوُّق والنّجاح مجموعة من الكتب والقصص كهدايا تقديرًا لتفوّقهم ونجاحهم، فنراهم اليوم يستبدلونها بالهواتف الذكيّة وغيرها من الأجهزة الإلكترونيّة الحديثة التي تجعل الطّفل أكثر بُعدًا عن القراءة، وأقلّ ألفة مع الكتاب والمدرسة.

إجمالاً لما تقدّم يمكن القول: إنّ اهتمام الطفل العصري بوسائل التكنولوجيا الحديثة من هاتف جوال وذكي، أو حاسوب شخصي متنقل، أو ما يعرف بالآيباد وغيرها أصبح أمرًا طبيعيًا، بل ضرورة محتمة؛ فلا يعقل أن نمنع أطفالنا من استخدامها في نشاطاتهم التعليمية والترفيهية، ولعله من المهم جدًا أن يجعل الأطفالُ التكنولوجيا جزءًا من نشاطاتهم ليتمكنوا من مواكبة التطورات العصرية المتلاحقة.

إنّ الكتابة الطفليّة بحاجة ماسّة لتعاون جميع صنّاعها، بدءًا من مؤسّسات التربية والتّعليم، مرورًا بالمؤلِّف والنّاشر، وانتهاء بالأسرة. نحن نرى أنّ هناك ضرورة ملحّة بأن يقوم مُعِدّو برامج الأطفال الإلكترونيّة ومصمّمو المواقع على شبكة الإنترنيت بتحويل المواد الثقافيّة والنّصوص الأدبيّة العربيّة المكتوبة للأطفال على الورق إلى مادّة أدبيّة إلكترونيّة نابضة بالحياة، والجاذبيّة، والحركة، مع ضرورة استخدام المؤثّرات البصريّة والسّمعيّة: الصّوت البشريّ، وأصوات الحيوانات، والطّيور، والمياه، ومن ثمّ تحويلها إلى لوحات فنيّة تنبض بالجمال والمعاني الدّالّة بما ينسجم مع قدرات الطفل العربيّ. نحن بحاجة لتغيير نمط حياة أطفالنا واثراء قدراتهم الذهنية التي تعودت استخدام وسائل التكنولوجيا الحديثة بما فيها الكتاب التكنولوجي "الديجيتالي" وإلاّ سنبقى نجرّ أذيال التخلّف الفكريّ متوهِّمين أنّنا نسير في الطّريق السّليم.

المراجع

 - أبو فنّه، محمود (2001). القصّة الواقعيّة للأطفال في أدب سليم خوري. حيفا: إصدار الكليّة
الأكاديميّة العربيّة للتربية-مركز أدب الأطفال.
- جرايسي كركبي، حنان ويحيى، رافع (2013)."التعامل مع الموت في قصص الأطفال"، المجلّة، عدد 4، حيفا، مجمع اللغة العربيّة.
- راجح، هدى فتحي حسنين (1998). برنامج مقترح للألعاب التعليميّة وأثره على تنمية الإبداع عند طفل الرّوضة، كليّة التربية، جامعة الإسكندرية.
- عطيّة، أحمد شعبان (1994). "التغيرات النمائيّة في بعض القدرات العقليّة لدى تلاميذ مرحلة
التعليم الأساسيّ"، مجلّة البحوث النفسيّة والتربويّة، ع4، القاهرة:
كليّة التربية.
- العيسوي، عبد الرحمن محمد (1991)."علم نفس الشخصيّة، بسيكولوجيّة الإبداع"، مجلّة
الثقافة النفسيّة، ع7، مج2، لبنان، مركز الدراسات النفسيّة-الجسديّة.
- قرانيا، محمد (2013). أطياف قصص الأطفال في سورية: دراسة تطبيقيّة، دمشق، منشورات
اتحاد الكتّاب العرب.
- وين، ماري (1999)."الأطفال والإدمان التلفزيونيّ"، (ترجمة: عبد الفتاح الصبحي) الكويت، عالم المعرفة، 247.


أحمد ناصر

دكتوراة في النقد الأدبي الحديث

من نفس المؤلف