جولة أدبية

الصمت زين

، بقلم فاروق مواسي

في قراءاتي عن الصمت وجدت أنه أحرى بالإنسان من الهذَر، أو من الكلام بما لا يعنيه، أو إلى التسرع في الأحكام فيما لا قِبلَ له فيه، وصدق من قال: إذا كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب.

ورد في الحديث الشريف:

"من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقلْ خيرًا أو ليسكتْ"، ثم قال: "من صمتَ نجا".

يذكرني القول الأخير بالنجاة ما قاله جعفر بن محمد:

يموت الفتى من عثرةٍ بلسانه
وليس يموت المرءُ من عَثرة الرِّجل

وكنت علِمت وعلّمت قول أكثم بن صَيفي: "مقتل الرجل بين فكّيه"، وفي رواية أخرى- "حتْف الرجل بين لَحييه".

في تراثنا عِبر رائعة ودروس نافعة، تبين أهمية السلوك في الكلام والسكوت.

كان أعرابي يجالس الشَّعبي يُطيل الصمت، فسأله يومًا: لمَ لا تتكلم؟

قال: أسمع لأتعلم، وأسكت فأسلم.

فالصمت يلزم حقًا في حضرة من هو أعلم منك، كما يلزم في حضور الجهلاء، وكذلك إن عَيِيت جوابًا- كما قال الشاعر:

واجعل الصمت إن عَييتَ جوابًا
رب قولٍ جوابه في السكوت

أو كما قال أبو العتاهية:

والصمت أجملُ بالفتى
من منطق في غير حينهْ

بل يبالغ أبو نواس في القول:

متْ بداء الصمتِ خيرٌ
لك من داء الكلامِ
إنما السالمُ من ألجمَ فاه بلجام

أذكر قولاً لشكسبير مؤداه أننا يجب أن نصغي أكثر مما نتكلم، ولذا خُلقت للإنسان أذنان بينما خلق له لسان واحد.

"We have two ears and one tongue so that we would listen more
and talk less".

من الجميل أن أذكر هنا أن أبا الدرداء الصحابي سبق شكسبير في هذا المعنى، فقد ورد في (العقد الفريد، ج2، ص 472) ما يلي:

"وقال أبو الدرداء: أنصِف أذنيك من فيك، فإنما جُعل لك أذنان اثنتان وفم واحد لتسمع أكثر مما تقول".

قال أبو العتاهية وهو يحضنا على السكوت:

ولئن ندمتَ على سكوتك مرة
فلقد ندمتَ على الكلام مرارا

وكنت أذكر بيتًا سبقه هو:

الصمت زين والسكوت سلامة
فإذا نطقت فلا تكن مِهذارا

والبيت التالي هو في رواية أخرى:

ما إن ندمتُ على سكوتي مرة
ولقد ندمتُ على الكلام مرارا

والبيتان تعلمتهما وقيل لنا يومها إنهما لابن عائشة، لكني وجدتهما غير منسوبين في كتاب ابن عبد ربه،(العقد الفريد، ج 2، ص 472) - وبتغيير طفيف:

الحِلم زين، والسكوت سلامة
فإذا نطقت فلا تكن مكثارا
ما إن ندمتُ على سكوتي مرة
لكن ندمت على الكلام مرارا

حقيق بالعاقل أن ينطق بعلم، ويُنصت بحِلم، ولا يعجل في الجواب، ولا يسرع في الخطاب، وإن رأى أحدًا هو أعلم منه أنصت للإفادة منه، فلا يتكلم فيما لا يعلم أو فيما هو غير واثق من مصدره.

وعلى ذكر المصدر أو المرجع لما نردد ورد في هذا المعنى قول الطِّرِمّاح بن حكيم:

وينفعُني إذا استيقنتُ علمي
وأقوى الشكَ عندي البيّناتُ

يقول تعالى:

ولا تقْـفُ ما ليس لك به علم- الإسراء، 36،

وأتساءل:

لماذا لا ينتبهون لقوله تعالى، وهو يحضهم على ألا يقولوا رأيت وهم لم يروا، وألا يقولوا سمعت وهم لم يسمعوا، وألا يقولوا علمت وهم لم يعلموا.

لماذا يقْـفون ما ليس لهم من علم يقِـفُون عليه؟

قال القتبي في تفسيره:

المعنى لا تتبع الحدس والظنون...

من يعرف فليتكلم!

فكلام المرء ميزان عقله- كما قال زهير بن أبي سُلمى:

وكائنٍ ترى من صامت لك معجِبٍ
زيادته أو نقصه في التكلم

وهذا المعنى يقول فيه الأسود النَّخَعي:

وإن لسانَ المرء ما لم تكن له
حصاةٌ على عوراته لدليلُ

فـ "لسانك حصانك"، فسلوكه معك تبعًا لصيانتك له ورعايتك، فإن صنته صانك، وإن خنته خانك.
وعلى غرار ذلك قالت العرب*: "لسانك كالسبع إن عقلته حرسك، وإن أرسلته افترسك، فاخزن لسانك كما تخزن مالك، واعرفه كما تعرف ولدك".

من الطريف أن أذكر أنني أفردت أربع صفحات (كتقسيم السمفونية) في نهاية مجموعتي الشعرية (اعتناق الحياة والممات) وجعلتها تحت عنوان "صمت".

أثارت القصيدة البيضاء اهتمامًا، وضرب عنها البعض كشحًا، أو هزءًا.
ثم نشر الدكتور محمد خليل دراسة مميزة لها، نشرها في ثلاث حلقات في صحيفة (الاتحاد)- 11، 17، 24 حزيران 2005، كما نشر عنها الناقد السوري محمد السموري مقالة "دلالة الصمت في قصيدة اللا نص":- صحيفة "الفرات" السورية عدد 16 أيار 2007.

(المقالان موجودان في موقعي- تحت زاوية: عن كتاباتي)

* هناك أقوال كثيرة أخرى في كتاب (الغُرر الواضحة" للوطواط – باب: "احتجاج من أمسك عن الكلام من غير خرس".


فاروق مواسي

بروفيسور، أديب، وأكاديمي فلسطيني، دكتوراة في الأدب العربي

من نفس المؤلف