أحلام ممزقة

، بقلم سلوى أبو مدين

كان حلمها أن يكون لها بصمة في تاريخ الحياة، ومجد عريق تُذكر به!

استطاعت بمهارة وذكاء جمع نقود معدنية واشترت بها لوحة خشبية وألواناً زيتية.. وقفت أمام بحر ثائر متلاطم الأمواج، حاولت ريشتها أن تصور روعة احتضان الشمس للسحاب الأبيض.

ولكن وجدت محاولاتها باءت بالفشل الذريع لأنها انتظرت تلك الفرصة والأحلام التي داعبتها منذ سنين لتصبح في عالم أضواء الشهرة. لم تكن أناملها تعتاد مهارة مسك الريشة والتلاعب بالألوان.!

وانتابها الحزن والألم وتقوقعت في حجرتها الصغيرة وهي تحمل هموماً مغلفة بمرارة اليأس.. وفي صباح اليوم التالي عاود الأمل إلى مجرى حياتها من جديد.. فأسرعت تخرج من حجرتها.. مهرولة وتقف أمام باب طويل. كانت مكتبة الحي مغلقه حين ذاك ولكنها أخذت تنتظر وبصيص الأمل يكبر معها.

في حين أخذ العامل يسرع بفتح أبواب المكتبة، وها هي دخلت، وأخذت تفتش بين أقلامها المتناثرة الملونة، وأوراقها الكثيرة، وفجأة شع وجهها بنور غير عادي، عندما أمسكت بقلم أزرق ووريقات قليلة بيضاء، وقدمت للعامل نقودها المعدنية، ثم خرجت راكضة..!

لم تكن تعلم إلى أين ستقودها قدماها.. ولكن كل ما تشعر به أنها تريد أن يكون لها شأناً آخر، ولكن.... هذا ما غفلت عنه..!

أسرعت تسابق الريح وهي تقترب من ذاك الشاطئ ذي الرمال الذهبية، وأمواجه البالغة الزرقة، اقتربت منه.. كانت أمواج البحر حين ذاك ترتطم بها فيرسل رذاذها المتناثر على وجهها تارة وعلى وريقاتها البيضاء التي أمسكت بها، أخذت تنظر إلى الأفق البعيد، وكأنها تلوح له
مدت ببصرها إلى زرقة البحر وصفاء السماء وهمت بكتابة حروف، وحاولت أن تنسج منها كلمات لعل الحظ يحالفها لتكتب حكايا من وحي الخيال.. في بادئ الأمر اعتقدت أن الأمور ستساعدها.. ولكن خذلتها للمرة الثانية، وانسفحت دمعة وهي تنظر إلى المدى البعيد.
وأخرجت زفرة طويلة من صدرها المتعب وألقت بورقها وقلمها في عرض البحر ليبتلعه، ويبتلع معه أحلامها.

عادت إلى منزلها بخطى متثاقلة، وأحلام منكسرة، في لحظات سكونها الحزينة، وهي تقبض على وسادتها بكلتا يديها الصغيرتين.. سمعت قرعات خفيفة على بابها.. فكان ساعي البريد الذي قدم لها خطاباً مغلفاً.. عندها لمعت عيناها فرحاً، وأمسكت بالخطاب وفتحته.. ولكنها لمحت سطوراً متوازية بلون أسود كادت أن تقرأ حروفه، لكنها لم تفلح في فك رموز كلماته المتوالية، بيد أن هناك أملاً يلوح لها أن ثمة فرحاً حمله خطاب ساعي البريد.

سرقت الفرحة رقادها، وانتظرت تباشير الصباح.. وأسرعت تركض نحو المكتبة.. وانتظرت حتى وصول العامل.. شعرت عندها أن الزمن توقف فجأة في تأخر وصول عامل المكتبة.. وما أن رأته مقبلاً حتى ألقت تحيتها برقتها المعهودة.

وسلمته مظروفها قائلة: ـ اقرأ.. من فضلك..!

أمسك العامل بالخطاب، ونظر إليها وأومأ برأسه. فهمت عندها أنه أميّ لا يستطيع القراءة!
عادت الكرة تبحث من جديد على قلم ملون وأوراق وردية، علها تجد في بحثها ملامح السعادة التي تنتظرها قريباً.

وخرجت.. بآمال عريضة تحملها في صدرها. كتبت أول كلماتها في ورقتها الأولى، وشعرت حينها بسعادة بالغة، فقد تتبدل مجرى حياتها، وأنهت صفحاتها بتعبير قصير يرمي إلى معان بعيدة.

حملت حروفها المنسوجة بمشاعر الفرحة، وقدمت أوراقها فوق هاجس المجد الذي أخذ ينتاب حياتها في كل حين.

كانت الفتاة قد هجرت أروقة الكتابة منذ أمد بعيد.. ولكن الحنين إلى الشهرة أكسبها شجاعة وإقدام حتى باتت تقضي ليلها وسط أوراق متناثرة.. فوق وسادتها الصغيرة، التي تنام فوقها، تغمرها فرحة لم تعتد عليها من قبل.

حتى جف حبر قلمها، حملت الصغيرة أوراقها بقلب تعلوه ضربات.. وقدمته إلى دائرة العمل الإبداعي في مدينتها.

وسرعان ما احتضنتها الشهرة وألقت الأضواء عليها.. وأخذت تخطو خطوات واثقة نحو المجد.. الذي طالما حلمت به. وأصبحت ذات شأن هام.. وحققت ذاك المجد الذي راودها في الحقيقة والخيال!

أسرعت اللحظات وأخذت الشمس تودع المكان ونعانق موج البحر المتلاطم وقرصها يختفي شيئا فشيئا.

نظرت لمغيب الشمس الذي عكس لوناً قرمزياً على صفحات موج البحر الثائر، وهي تقبض بيديها على وريقات بيضاء، وقلم حبر أزرق وسط دموع منهمرة، وأحلام ممزقة.


سلوى أبو مدين

كاتبة وشاعرة

من نفس المؤلف