ألقى الكلام على عواهنه

، بقلم فاروق مواسي

سألني صديق عن أصل التعبير "ألقى/ رمى الكلام على عواهنه- لغة ومعنى.

أقول ما قاله ابن منظور في (لسان العرب):

"ألقى الكلام على عواهنه: لم يتدبره، وقيل: إذا لم يبال أصاب أم أخطأ.

قال ابن الأثير- العواهن: أن تأخذ غير الطريق في السير أو الكلام، جمع عاهنة.

وقيل: هو من قولك عهن له كذا أي: عجّل.

وعهن الشيء إذا حضر- أي: أرسل الكلام على ما حضر منه وعجل من خطإ وصواب.

ابن الأعرابي: يقال إنه ليحدس الكلام على عواهنه، وهو أن يتعسف الكلام، ولا يتأنى".

وفي (تاج العروس) ورد كذلك:

العواهن: أن يأخذ غير الطريق في السير.

وفسّر ابن الأثير "العواهن" فقال: أن تأخذ غير الطريق أو الكلام.

وقيل: هو من قولك عهّن له كذا أي عجّل، ومعنى القول حينئذٍ : أرسل الكلام على ما حضر منه وعجّل من خطأ وصواب.

قال علي بن سِيدَه (في المُحْكَم): حقيقته أنه قال ما ألمّ به وحضره، مأخوذ من العاهن بمعنى الحاضر.

أما معجم (الوسيط) فمن معاني "عواهن" يقول:

" العاهن: الحاضر (ج)- عواهن.

يقال ألقى الكلام على عواهنه: قاله من غير فكر ولا روية، كأنه اكتفى بما حضر دون تروٍّ وتـنوّق.

من الجدير أن أذكر ما اجتهد به الميداني في (مجمع الأمثال- رقم 1648)
"رمى الكلام على عواهنه"

إذا لم يبال أصاب أم أخطأ

قلت: أصل هذا التركيب يدل على سهولة ولين وقلة عناء في شيء، ومنه العهن المنفوش.
ورجل عاهن: أي كسلان مسترخ.

والعواهن: عروق في رحم الناقة.

ولعل المثل يكون من هذا أي أن القائل من غير روية لا يعلم ما عاقبة قوله كما لا يعلم ما في الرحم".

فالمقولة كناية عمن خلط في كلامه والقاه ارتجالاً من غير تدبّر أو تفكير، دون إدلاء بحجة تنهض بصدق حديثه وصحة قوله.

ورد في الأثر: "إن السلف كانوا يرسلون الكلمة على عواهنها- اي لا يزمّونها ولا يخطمونها"- (لسان العرب، تاج العروس- مادة عهن)

وتفسير خطم الكلمة واضح في قول شدّاد بن أوس:

«ما تكلمت بكلمة إلا وأنا أخطمها، أي: أربطها وأشدّها»،

يريد الاحتراز في ما يقوله والاحتياط في ما يتكلّفه، فالزمّ والخطم المأخوذان من يزمّ ويخطم في الأثر المراد بهما منع الكلمة من الخروج والجماح عن الجادّة.

الميداني يربط المعنى برحم الناقة، فالقائل لا يتبصر ولا يعرف مآل ما يقول، وهكذا فالمنتظر لما في رحم الناقة لا يعرف ما تلد.

وإذا شئنا التوسع من خلال ما طرح الميداني من معان، فهو يربط بين الصوف اللين السهل وبين الكلام السهل المنطلق بدون روية.

وحتى الرجل العاهن المسترخي فلمعناه علاقة مع الكلام المسترخي بدون تبصر.

إذن هي اجتهادات، ولك أن تأخذ بالمعنى الأقرب إلى فهمك:

* سهولته كالصوف (العهن) المنفوش،

* هو السير في غير الطريق،

* هو الحاضر من الكلام والعاجل،

* ربط المعنى بعدم معرفة ما في رحم الناقة،

* ربط استرخاء الكلام بالرجل المسترخي.

ما رأيكم؟

أما أنا فأميل إلى معنى (الحاضر)، فهو يلقي الكلام على عواهنه أي بما حضر منه دون حساب لنتائجه، فلا رويّة ولا تبصّر.


فاروق مواسي

بروفيسور، أديب، وأكاديمي فلسطيني، دكتوراة في الأدب العربي

من نفس المؤلف