قراءة في المجموعة الشعرية

«موسيقى الرمل» للشاعر مبروك السياري

، بقلم الهادي عرجون

إنّ البداية الصحية لأي شاعر هي أن ينطلق من أرض الواقع من الناس من أحاسيسهم أفراحهم وأحزانهم فالمبدع في العالم الثالث إن صح الوصف في فترة الثمانينات والتسعينات هو جيل مبدع في صمت وكان النقاد هم الذين يكتشفون المبدع ويتابعونه في جميع مساراته الابداعية فالنقد في ذلك الوقت كان نقدا صحيحا مخلصا لا يجامل فحراس البوليس النقدي لايسمحون لأي عمل ضعيف بالمرور خوفا على هواء الأدب والإبداع من الأدب الفاسد والعمل الذي لايرتقي لكلمة الإبداع.

أما أدباء اليوم فاختلف المعنى باختلاط الحابل بالنابل وكثر مدعي الإبداع من شعر وقصة ورواية إلا من رحم ربي ويبقى المضمون فارغا والصورة مشوهة مع تناسخ الصياغات وتناسلها ومع هذا فهنالك من الشباب الواعد الذي ينبئ عن موهبة نادرة وحس مرهف وجمال شعري أخاذ مالئا بذلك جزرا ومساحة في خارطة الشعر العربي مع قلة الاهتمام بشعرهم رغم الوسائل الحديثة المعتمدة في النشر والتواصل ووصول الشعر والنثر إلى أقصى المعمورة بضغطة زرّ.

فالشاعر مبروك السياري في مجموعته الثالثة "موسيقى الرمل" الصادرة سنة 2016 عن دار زينب للنشر لم ينأ عن هذه الجمالية فالموهبة النادرة التي يتحلى بها شاعرنا جعلت شعره في دائرة الضوء وبدا كالقبس الذي يؤتنس به فالملاحظ في شعره الموهبة الفطرية وتلاقحها مع موهبة الذكاء والصناعة كما هو واضح في شعره فجميل أن يكون الشاعر مغامرا ينظر بعينيه إلى الأشياء نظرة إستقرائية متأملة لأن عناصر الإبداع مبثوثة في الطبيعة نشاهدها في كل آن تمتاز بالتجديد والتوليد وعدم التكرار وقد تتلاقى المشارب وتتحد وجهات النظر إلا أنه لكل منهما أوانيه الخاصة وأسلوبه المميز في طريقة تناوله للموضوع.

فالمجموعة الشعرية "موسيقى الرمل" و التي مزج فيها مبروك السياري بين عدة أجناس شعرية منها العمودي والتفعيلة ونصوص نثرية وهذا مايعكس انتفاء الهوة لمفتعلة بين الاجناس الشعرية التي تشهد صراعا وانتصارا لشكل دون آخر مع العلم أنه لايوجد خلاف في امكانية تعايشها وتجانسها بهدم هذه الهوة المفتعلة فالشعر مهما كانت أنماطه هو تجسيد حقيقي لموسيقى الكلام واللغة مع الخيال الرائع الذي يستمده الشاعر من تجربته ومخزونه الثقافي والمعرفي وكذلك التصور الدقيق للمحسوس فقدرة الشاعر مبروك السياري لايمكن حصرها في جنس شعري معين بل تتمثل في قوة ألفاظه ومعانيه التي يستخدمها للتعبير عن المشاعر والافكار التي يرمي التعبير عنها بوسائل أسلوبية أو شكلية مختلفة.

فالقصيدة عند مبروك السياري ليست مجرد كلمات ينظمها بل يلبسها مشاعره و أحساسيه ينفثها ويبثها فيها لتنساب الألفاظ إنسيابا جميلا ومؤثرا في المعاني التي يرمي طرحها والتعبير عنها.

الثورة والوطن في موسيقى الرمل:

كما نتبيّن من خلال إستقرائنا لمقاصد المجموعة أن الشاعر مبروك السياري يعبر عن الثورة ومعانيها بمضامين ومعاني متعددة لينتقل من الواقع السلبي إلى الفعل الإيجابي حيث يقول في نص "إنتقاء الفراشة" ص 19:

"أختار هذي البلاد التي ماهتفت
بلادي
إلا تشكل من نقطة الباء سقف
وأرنو إليها بعين اليمامة
أرقب ما ادخر الصبح من بهجة وبهاء"

كما يقول في نفس النص صفحة 22 وكله أمل في غد أفضل:

"فحى البلاد
وقل إن في جرهحها
نجمة لاختبار السواد"

ليستمر التدرج النفسي والروحي في سطور القصيدة ليقولها صراحة بكثير من الحلم نحو عوالم أرحب تتسع مخيلة الشاعر إذ يقول في نفس النص ص25:

"وحلمي" يدشن بالدم باكورة النصر
حيث يقيم له الغيب عرشا
وتخفق من حوله الكلمات
وكان النهار قوارب ضوء
تقل زخارف هذي البلاد
إلى شاطئ من سلام"

فالأرض والوطن هي المحبوبة التي يعشقها يستلهم من رملها وأخاديدها النشوة والانعتاق والحب يقول في نص "أحدق فيك وأعني الوطن" ص 17 من الكتاب:

"وأنا أحدق فيك يا ليلى ولا
أعني سوى وطن أتباهى
مشيع يهب البلاد ضلوعه
والريح تنحر حوله أفواها"

فالوطن عند الشاعر مبروك السياري هو إنتماء هي الأم التي يضع رأسه على صدرها ليستنشق عطرها عطر الراحة والطمأنينة والتي يغشاها لوم أحيانا لما آلت الأوضاع داعيا إلى معانقة المنشود الذي يسعى إلى بثه في روح النص.

صورة الأم والطفل في مجموعة موسيقى الرمل:

فالشاعر مبروك السياري يهوى ذلك التوحد والمزج بين صورة الطفولة والأم فلا بد من أن يكون ذلك مسوغا نفسيا يدعوه للإستجلاء والتذكر لتطهر أول هذه الإستحضارات صورة الأم والتي حضرت في شعره بعدة أنماط وإستعراضات يقول في نص "أستضيء بخمرة حنانها " صفحة 78 من الكتاب والتي أهداها لأمه عائشة:

"فكنت اختصار المواسم في لغة الزهر
كنت أنا الروض في فلك من سواي
لأني أعيق بالطيب يرشح من كف أمي
وينساب حول خطأي"

فالطفولة عنده مهد الأحلام ومبعث الآمال وبؤرة الحياة السعيدة حيث يقول في نفس النص صفحة 83 من الكتاب:

"صورة البيت
أرجوحة الأمسيات الأثيرة
إيقاع أنشودة نسيت جرحها
لعب العيد
ما إدخرت أضلعي في العناق الأخير
وما كنت أجلو من الزهر والنحل بين الحدائق
بضع دنانير لما تزل تتعرق في قبضتي
منتهى الألق الفوضوي
قصاصات حلمي
صدى دهشتي..."

فلا قدرة للانسان عموما على العيش بدون تلك الذكراة الطفولية التي تشكلت بمضامين ومعاني متعددة لينتقل من الواقع السلبي إلى الفعل الإيجابي. كما أن ذكريات الطفولة التي تراوده مرة تلو أخرى تتكون في داخله في شكل ومضات لتخرج شعرا عذبا وصورا تذكارية لماكان عليه أو يريد أن يكون على حد تعبيره يقول في نص "شقاء طفولي" ص87.

"يكشف الطفل عن ساعديه"
سيفرك آخر بقعة تبه
على حائط الليل
أو يلبس الليل قبعة
من ضياء شقاوته
ثم يمنح بر العالم قطن رواه
إن الطفل يقاوم من اجل سيدة بكر
إنها القصيدة تطرق باب وداعته
وتسافر في كونه
مثل عصفورة تتزود من حقل"

وبما أن الطفولة هي المهد الأول للخبرات والتجارب الحياتية فإنها المخزون الأوفر والأكثر سعة للذاكرة الإنسانية عموما ولذاكرة الشاعر مبروك السياري خصوصا يقول في نفس النص صفحة 85:

"يقولون أني كبرت
وتذكر أرصفة الوقت طفلا تسمر في الريح
يفرك أحلامه بأصابع ناعسة
ويشير إليك"

نعم إنه يشير إلى الأم التي حباها الشاعر بفيض من الحب والكلمات ووشح صدرها بموسيقى الرمل وهي تزرع الدعاء وتهمس "غدا سوف تكبر في ملإ من ملائكة يا ضناي" ص86 من النص.

كما يستحضر الشاعر صورة أمه في لحظات من خواء الروح لتنير دربه وتهدهد أفكاره ويستظل بحنانها إذ بقول في قصيدة "حب نور" صفحة 102.

"إمرأة قرأت في عينيها درس الربيع المباغت
وعرفت أن شين الفراشات مشتقة من رموشها
وأن النهار أسدل على فجره في مناماتها
إمرأة من أخطأتها الأقدار لكن خبأتها
في قاف القصيدة
وعين شاعرها"

كما لايفوتنا أن نشير إلى إلى أن المجموعة الشعرية التي بصدد تصفحها تضمنت قصائد ذات أبعاد صوفية وانبعاثات روحية تدل على التداعي الحرعبر تقنية تيار الوعي واللاوعي كما يقول: الناقد العراقي " هشام آل مصطفى" في إحدى مقالاته عن الشعر الصوفي عموما.

وللغزل نصيب إذ لايفوتنا أن نعرج على قصائد الغزل في المجموعة والتي جسد فيها الغزل الجديد غير المألوف والمتناغم مع روح العصر بلغة مشرقة وموسيقى تذيب أفئدة العشاق.

حيث يقول في قصيدة : "أحبك ....تلبس لغتي" ص 110.

"أحبك"
تجرح حلقي إن لم أقلها
وفوقي تجف السماء
" أحبك"
ها تمطر الآن
فلتشهدي كيف تنمو "أحبك" ليلا
كما فكرة في العراء..." (إلى آخر النص).

فالحب هو الوسيلة التي تساعد الشاعر على كشف خطوط أفكاره وتحديد ملامحها وأبعادها ليترك لنا عبر المعاني المستوحاة والجمل الشعرية أن نتخيل إحساسه ونحس بمكنونات قلبه. يقول قصيدة "السوسنة" صفحة 122

"هل تقرئين كلام اوردتي
"أني أحبك"
كدت أنزفها"

وفي الختام أضم صوتي إلى ما قاله الأستاذ "محي الدين فارس" ضمن مقاله جيل بلا نقاد ضمن مجلة المجلة في عددها الصادر سنة 1985 حيث يقول " لاتهب الطبيعة جور الموهبة النادرة لكل الناس لانها تميل إلى عملية الانتخاب النوعي كما أن عظمة العظيم إنما تنبع أولا من داخل ذاته في شكل صور وشلالات من الأضواء تغطي المجال وتمتص بأنوارها النفاذة كل الأضواء الخافتة أو الساطعة سطوعا متواضعا "


الهادي عرجون

شاعر، وناقد تونسي

من نفس المؤلف