الضوء والسراب بلفقيه رشيد

في اللحظة التي تتلو ضغطة زر الكهرباء وانطفاء النور، في تلك اللحيظة القصيرة جدا والحاسمة، خيل إليه أنه رأى شخصا يحدق فيه ببرود مخيف من بين طيات الظلام المنسكب.

أعاد إشعال المصباح بسرعة وأرخى السمع مترقبا أي حركة تدل على وجود ذلك الشبح المتخيل، لكن لاشيء.

أعاد إطفاء النور و بدأ يحس بتلك القشعريرة الغريبة تسري في جسده، سرت كالتيار الكهربائي انطلاقا من رأسه نازلة عبر شرايين جسده متدفقة مع الدم لتصل إلى مفاصله، انتصب شعره وشدة هواجسه تزداد شيئا فشيئا. سبح خياله في الظلام الدامس متخيلا العفاريت و الجثث والجنيات المتعطشة للدم و الأعضاء البشرية تحوم حوله، أحس بعيون ما ترمقه في الظلام و أحس كأن أياد مجهولة تحاول لمسه و الامساك به، زاد تحفزه و ارتفعت حدة سمعه حتى صارت أدق حركة تبلغه و كأنها تبت عبر مكبر صوتي.

وسواسه المزمن صار قنبلة موقوتة تفجرها أول فكرة مخيفة صورا مرعبة و قصصا قديمة و حديثة تخرجها الذاكرة المستفزة دفعة واحدة بلا منطق وبغزارة.

تكوم على نفسه تحت الغطاء و ترك حرارة جسمه ترتفع، كان طفلا في الخمسين من عمره بقسمات جدية صارمة عجنتها سنوات من الخبرات و المواقف، لكنه لم يكن يجد مبررات منطقية لهذه النوبات الغبية، نصحوه كثيرا بأن يعرض نفسه على طبيب و لكنه كان يعتبر الأمر أتفه من أن يتنازل و يلجأ لمساعدة أحدهم.

- كيف لازلت تخاف الظلام في هذا السن؟ يتهكم المقربون منه.

- لا أخافه، من قال أنني أخافه! كل ما في الأمر أنني قضيت زمنا طويلا في العتمة فصرت أميل إلى البقاء في النور.

كان ينجح في الالتفاف على تشخيصات الآخرين لحالته بل كان يبدو واثقا من كل حرف يقوله.كثيرة هي الافتراضات التي بناها الآخرون حول حالته متعاطفين أو محاولين التفهم، ربما يكون مريضا، ربما يكون ممسوسا أو ربما يكون تعرض لصدمة ما في مرحلة ما هذا ما يقوله الجميع بل ويضيف بعضهم في ثقة:

- و ما الغريب؟ إنه يخاف الظلام، لكل إنسان ما يخافه، ما شأننا و مخاوفه؟.تفصيل واحد صغير كان يهدم كل هذه الافتراضات ويزرع في الكلام مساحات تساؤلات اضافية شاسعة فقد كان صاحبنا " كفيفا".