آثار ملونة

، بقلم زهير الخراز

جلبة غريبة، وفوضى مريبة، أحدثتها تلك المخلوقات المشاكسة، على غير عادتها، عصر ذاك اليوم الخريفي المظلم، فبعد أن ظفر كل طائر بركنه الشديد، بين أحضان شجرة _المزاح_، وعقب هدنة معلنة من قبل عصافير الدوري اليافعة_ والزرازير السوداء والمرقطة، بعيد مواجهات عنيفة من أجل الفوز بمواقع مترفة على الشجرة العجوز المنتصبة وسط الدار، والشامخة بأوراقها النضرة أبد الدهر، تعود هذه الطيور من جديد، لتعكر صفو خلوتي بصخبها العنيد وتفسد علي متعة المغامرة التي كنت أنوي خوض غمارها على متن "سفينة "ديراند"، رفقة البحار"الغارنسي" "جيليت*، فقد طغى صخبها المزعج على إيقاع المطر الفجائي، وغادرت شجرة "المزاح" المرابطة بباحة منزلنا فارتطمت بالجدران، واحتلت المطبخ والحمام وكل الغرف، فوضى عارمة لم يسبق أن افتعلتها هذه الطيور المشاغبة، وهذا ما جعلني أقفز من موقعي الأثيري الآمن فزعا، ظنا مني أن القيامة قد قامت. وأنا أكد في البحث عن مصباحي اليدوي، تخبطت بالجدران عدة مرات، موقعا كدمات زرقاء وسوداء بأنفي وبجبهتي، لقد احتل الظلام فجأة _وبدون سابق إنذار_رحابة الدار وكذا المدينة المسالمة، وكأني أمام ظاهرة ما يسمى بالكسوف الكلي _المباغث_، ففي مثل هذه اللحظات المنذرة ترتعش أسلاك الكهرباء في الخارج كما خيوط العنكبوت فينقطع النور وبلا استئذان، ثم يعود بعد لأي من الزمن وبدون سابق إنذار..بعد أن نكون قد ألفنا رائحة الشموع وقبسها الشاعري..

كانت الشجرة الأبية، التي تأبى الانصياع لأوامر الخريف، شبه محمية من غضب الطبيعة_حالة حدوثها_ بفضل موقعها المثالي وسط الدار..هامة خضراء تناطح السحب في السماء، تكابر وتعاند الزمن رغم بلوغها من العمر عتيا..تؤتي ثمارها من حين لآخر ولا تخلف ميعادها أبدا، فهي على العهد منذ كانت فسيلة رخوة وفتية، تتذلل مرتعشة بين كفي جدي المعطرتان بماء الوضوء..فبعد أسبوعين فقط، من غرسها في حوضها الفسيح، وفي عز الشتاء، أثمرت سبعة حبات مشتهاة من "المزاح"، قالت جدتي آنذاك في اندهاش: "هذا مستحيل..لا بد وأن الفسيلة تحلم.." أما جدي فقد قال مازحا، وهو يقسم الثمرات السبعة الناضجة بالتساوي بين أحفاده الثمانية: " خذوا حصتكم من المزاح، وتذكروا جيدا أن الشجيرة أرادت فقط أن تمازحكم"، وحينما استوت الشجرة، أصبحت ملاذا آمنا لكل ذي أجنحة، ومطعما مجانيا لكل ذي كبد رطب وحتى يابس..

طفت بالشجرة ذاك المساء أكثر من عشرين مرة، مسلطا عليها بسهام مصباحي اليدوي الشديد الإنارة، فتبدت لي ظلالها العملاقة حينها وهي تتسلق الحيطان، مثل كائنات خارقة رضعت من زمن الأساطير، شعور غريب ألح علي حينها بأن ضيفا غريبا وأنانيا ينفرد لوحده برحابة هذه الشجرة المضيافة، ليس بهر جشع مدمن على لحوم الطيور، ولا ببومة حمقاء تريد أن تثبت وجودها وسيادتها المطلقة على دنيا الظلام، ولا هو بخفاش مصاص جذبته رائحة الدماء الطائرة والمذعورة. كانت الأنات التي تصدرها الشجرة وكأنها تنوء بحمل ثقيل، تزيد من قناعتي أن ضيفا تقيلا وغريبا من عالم آخر قد حل علينا ومن دون استئذان.

وقد صدق حدسي بالفعل، فما أن بلغت العاصفة المطرية ذروتها وانتفضت الشجرة، مصدرتا صوتا يشبه الزفير، حتى أفرد الزائر جناحيه في الظلام، في غفلة مني، واستقر على بقعة ما من البيت، وحينما حددت موقعه بفضل مصباحي اليدوي، فاجأني شكل المخلوق الفريد، الذي لم أعثر له على اسم آنذاك، ضبطته حينها يختال في مشيته، مزهوا بريشه المشكل من باقة مدهشة من الألوان،وهو ينفشه في وجه الريح والمطر. يصدر من حين لآخر صوتا شبيها بالزغردة..وقد كان حريصا أشد الحرص بأن يحافظ على مسافة ثابتة تفصل بيني وبينه، وقد كانت بطول جناحيه المفردتين. كان هذا الطائر _ وهو في حجم طائر النورس_ مأخوذا من نور مصباحي اليدوي، يحوم حول القرص الضوئي السابح في لجة الظلام، وكأنه فراشة ثملت من رحيق العنب.ولما أكمل الطائر استعراضه ومناوراته الليلية القصيرة، غاص في عمق الشجرة من جديد..حينها بدأت الرياح العاتية تشفط _باستثناء الشجرة وما حوت_ كل ما خطر لها شفطه، بدءا بعصافير الدوري، والزرازير المرقطة، وجواربي المخططة، وكذا أقلامي الملونة، المنتشرة في كل مكان، مرورا بجرائدي اليومية المفضلة ومنتهية برواية "فيكتور هيجو" التي كنت أتأبطها وأنا أخوض النزال...

في صبيحة اليوم التالي أفقت على أزيز الستائر وهي ترقص بجنون على إيقاع الرياح المسعورة، وزغاريد الطائر الشريد، كنت قد خرجت بقناعة_بعد ليل طويل من التفكير_ بان الطائر الغريب ما هو إلا عابر سبيل، شرد عن سربه، فلجأ إلى شجرة الدار قصد الاحتماء من الظروف المناخية القاسية والمفاجئة، إلى أن تهدأ العاصفة، ثم يكمل رحلته نحو ضفاف خصبة ودافئة، كما هي عادة الطيور المهاجرة..

وأنا أستمع إلى مواويل الطائر المتكررة والغريبة، خمنت أنه ربما كان يتضور جوعا، وتذكرت في الحال ما سمعته عن الطيور المهاجرة، وأنها لا تتغذى إلا على الديدان والحشرات والقشريات وصغار الزواحف والأسماك، وبما أن قائمة طعامها ليست في حوزتي، ارتأيت حينها أن أسعفه ببضع سردينات نيئة كنت أحتفظ بها في الثلاجة.أخذتها ورحت أبحث عنه بباحة المنزل. طبعا لم يكن يتواجد بالشجرة، فطفقت أبحث عنه في كل ركن من أركان البيت، أهتدي بصوته المتقطع، والذي يشبه إلى حد كبير زغرودة طفلة خجولة...

وما أن أصبحت السميكات المتجمدة تحت تصرفه،حتى نفش ريشه، مشيحا بوجهه عنها، متابعا تأمله الغريب لصورة جدي التي كانت تزين صالة الضيوف، لحظتها لم تدهشني خلقة الطائر البديع والذي تجلى آية من السحر والجمال، في وضح ذاك النهار، بقدر ما أذهلتني وأدهشتني وقفته ونظراته الحالمة والغريبة،الطافحة بالحب والحنين، وهو يتفرس لوحة جدي الزيتية التي أنجزتها منذ ما يقارب السبعة أشهر.. نفس الزاوية، وأكاد أجزم نفس النظرات والتعابير، وأيضا نفس الوضعية التي اتخذتها "رفيف" وهي تقف بمحاذاة اللوحة، محاولة ثنيي عن بيعها منذ أيام خلت..

"لن أسمح لك ببيع لوحة تحمل توقيعي.." هكذا صرخت "رفيف" بنت الجيران ذات الخمس سنوات..وهي تزم شفتيها، وتقطب جبينها، وتعقد يديها فوق صدرها بتحد عارم ذاك اليوم..
صراحة، لم تهتم هذه الطفلة الذكية، بجل البوتريهات التي أنجزتها لها آنذاك، ولا حتى برسوماتها التي أنجزتها بنفسها والتي تمثل عصافير وفراشات بأشكالها العديدة والغريبة، بقدر اهتمامها وعشقها المجنون لهذه اللوحة..والحق يقال، فقد شهدت "رفيف" كل المراحل التي مرت بها اللوحة، من بدايتها حتى نهايتها..وقد ساعدتني آنذاك على قدر استطاعتها، بتنظيف للفرش، وإبداء رأيها البريء حول العمل، وحتى تشغيل أقراص الموسيقى التي أرغب فيها..طبعا فعلت هذا بمحض إرادتها، وهذا ما حذا بي إلى مكافأتها على صنيعها، بحيث سمحت لها بان تضع بضع خربشات على اللوحة وهي في أطوارها الأولى، زيادة على ذلك حققت رغبتها في "توقيع لوحة من اللوحات العملاقة " حسب تعبيرها..وهكذا وقعت بالحرفين الأولين من اسمها الشخصي والعائلي "ر" "ن" بجانب توقيعي الشخصي..مما جعلها ترقص من شدة الفرح آنذاك، وتركض خارجة، كي تخبر العالم بالمنجز العظيم الذي حققته..
أذكر أنني حين شاركت بلوحة "الجد"، بمعرض جماعي نظمته إحدى الجمعيات الثقافية، العريقة بمناسبة ذكرى يوم الأرض، لم يكن في نيتي آنذاك بيع اللوحة، رغم مناوشات ومساومات وتوسلات ممن سقطوا في حبائل هذه اللوحة. فما أن انتهت مدة العرض، حتى عاد "الجد" فورا ليتبوأ مكانته الرفيعة مرة أخرى بصالة الضيوف، لكنه حصل ما لم يكن في الحسبان يومها. فبعد أن هممت بالارتخاء على مقعدي الوثير بصالون المقهى المفضلة لدي، ذاك المساء، حتى وقف على رأسي مارد، حسبته ملك الموت، "مخزني" ضخم الجثة، عظيم المنكبين والشوارب، وبدون تحية أو مقدمات، أبرق كلمات مقتضبة، مبهمة، ثم مضى، بعد مجهود عقلي كبير تمكنت من حل الشفرة، فهمت من معناها أن سعادة "باشا" المدينة معجب بلوحة الجد، وهو مصر أن يحصل عليها، وبأي ثمن..

طبعا استحييت أن أرفض طلب رجل على هرم السلطة ببلدتنا الصغيرة، ويتميز بذائقة فنية رفيعة قل ما تجدها بين أقرانه، فبيته تزينه معظم لوحاتي، زيادة على ذاك فهو يدفع بسخاء منقطع النظير، بعكس بعض خلانه الميسورين الذين يساومون في الأعمال الفنية بدافع شح وبخل بغيضين، ويصرون أن يدفعوا وباستماتة عجيبة دراهم معدودة مقابل مجموعة من اللوحات، وكأنهم يتبضعون البدنجل والخيار بسوق الخضار..

لا أدري من أخطر "رفيف" بتلك "الصفقة" الخاسرة يومها، فحينما دلفت صالة الضيوف كي أنزل "الجد" من عليائه وأسلمه "للمخزني" الذي يعسكر عند عتبة بيتنا، فوجئت بـ "رفيف" وهي تجثو على ركبتيها متطلعة إلى لوحة "الجدّ "، وحينما استشعرت وجودي والتفتت، هالني منظرها الحزين، فقد كان وجهها محتقنا، منكسرا، تخضبه الدموع، فشنجت حين رأتني، وثارت، ثم لانت بعد ذلك وهي تتوسلني كي أتراجع عن بيع اللوحة التي ساهمت في إنجازها، وتحمل توقيعها..طبعا لم أتفاجأ بوالدي وهما يقفان في صف الطفلة المدللة، فقد لاماني كثيرا على تسرعي هذا، بحيث وصفوه بالصبياني والمجنون، وخصوصا أمي التي لم تستسغ هي الأخرى بيع صورة والدها، وهذا ما شجع رفيف على أن تسبقني إلى الباب الموارب، وتواجه "المخزني" بكلمات جد مقتضبة، لكنها قاصفة: "آسفون.."الجد" ليس للبيع.." وهو يتطلع إلي _مستغربا_ بقسمات وجهه الممتلئة قساوة وسخرية، أكدت له من جديد: "نعم، نحن آسفون..بلغ سعادة "الباشا" سلامي واعتذاري.."

حينما عاد ذاك المساء من مشواره القصير، كان الطقس هو الآخر قد عاد إلى صوابه، فقد هدأت ثورة الرياح، وأقلعت السماء عن البكاء والنواح. كان يحمل معه كيسا بلاستيكيا صغيرا مليئا عن أخره " بالقريدس"، "هالك لا محالة، هذا الطائر إن هو ظل في تعنته " هكذا فكر وهو يفرغ الكيس في إناء صغير ويطوف به بحثا عن ضيفه المجنح، طبعا كان المنزل يخلو من زغاريده الخجولة، وأناقته الفريدة، فقط بضع رويشات زاهية مبتوتة هنا وهناك، وآثار_ملونة_ لأصابع قدميه الطويلة، مطبوعة على الأرضية الرخامية، تبتدئ من عتبة" مرسمه" وتنتهي فوق أغصان الشجرة وبضع أوراقها الندية. كان متأكدا تماما أن الطير قبل أن يمضي إلى حال سبيله، قد عبث بأصباغه في غيابه، لذا فقد دلف مسرعا لمرسمه ليتأكد من سلامة لوحاته، حينها اكتشف أن أصابع قدمي الطائر الخضراء الطويلة، لم تطل سوى ثلاث لوحات، لم يتسن لرفيف توقيعها، لأن الموت الفجائي اختطفها ومضى، بعد ساعات قليلة من إنجازها لخربشاتها الأخيرة..

* بطل رواية "عمال البحر" لفيكتور هيغو

من نفس المؤلف