حوار مع الفنّان التّشكيلي مهدي السماوي

، بقلم نوميديا جروفي

الفنّان التشكيلي و الرسام المبدع مهدي السماوي الذي جسّد و يُجسّد وجوها سماويّة بريشته السحريّة، إنّه المبدع ابن أوروك العريقة و أحد أبناء السماوة المعروفة بأدبائها و شعرائها و فنّانيها و رساميها.

مهدي السماوي الذي صنع لنفسه عالما خاصّا وسط مرسمه، و له بصمة خاصّة تُميّزه من خلال رسوماته التي توحي بالجمال و الروعة و تلك المُعبّرة عن واقع تحمل في ثناياها عمقا إنسانيا و جماليّا في نفس الوقت.

متابعاتي للوحاته و نشاطاته الفنيّة و مبادراته التي أحيّيه عليها، جعلتني أحاوره ليعرفه القارئ أكثر و يغوص في عالمه و ألوانه.

الفنّان التشكيلي مهدي السماوي، حدّثنا قليلا عن نفسك، كيف تُعرّف نفسك للقارئ؟

مهدي صالح معلة من العراق من مدينة الحرف الأوّل للكتابة بالتّحديد من السماوة،عشقت الرّسم من الطفولة وبقي هذا الحلم معلّقا في مخيّلتي أن أصبح فنّانا تشكيليّا أحمل هموم و معاناة شعبي من خلال لوحاتي وأسلّط الضّوء على همومهم، وحقّقت ذلك الحلم بإصراري على المواصلة دون توقّف.

متى بدأت الرسم؟ و ما هي أوّل رسوماتك؟

بدأتُ الرسم من أيّام الطّفولة من خلال تعرّفي على صديق في المدرسة عائلته رسّامون ماهرون تأثّرت بهم وكنت أمنّي النّفس بأن أصل إلى مستواهم في يوم من الأيّام. وبالفعل تخطّيت تلك الأمنيّة و وجدت نفسي في المقدّمة بأعمالي الفنية المتنوّعة.
أوّل رسوماتي كانت مجرّد محاولات خجولة على الورق لكنّي أميل إلى البورتريه من خلال رسم الأشخاص من حولي.

متى اكتشفت موهبتك؟ و من اكتشف ميولاتك الفنية الأولى؟

اكتشفت موهبتي في مرحلة الدراسة المتوسطة لكن لم أحصل على فرصة في ذلك الوقت بسبب أحداث 1991 وحرب الخليج و بعدها الحصار الاقتصادي الذي كان حاجزا بيني وبين موهبتي، لم أشارك في أيّ نشاط لحين عام 2003 وانفتاح العراق على العالم الخارجي و انتعاش الوضع الاقتصادي ودخول السّلع التجاريّة ومن بينها متطلّبات الرّسم التي كانت تشكّل عائقا كبيرا لديّ.

لم يكتشفني أحد حتّى أقرب الناس لديّ كنت أسير بخطوات بطيئة جدّا بحيث لا ينته لها أيّ أحد لحين إعلان أوّل معرض شخصي لي عام 2014.

من شجّعك و قدّم لك يد المساعدة لتطوير فنّك في البداية و مواصلة إبداعك؟

شجّعني ووقف إلى جانبي ومدّني بكلّ المعلومات التي كانت تنقصني أستاذي التشكيلي إياد فيصل الظاهر، رافقته إلى مرسمه ورأيت لوحاته سحرتني من الوهلة الأولى ولم أتردّد في طرح الأسئلة ولم يتهاون أستاذي عن الإجابة، على العكس كان ناقدا ومحلّلا لكلّ أعمالي الفنيّة لحدّ الآن.

من ملهمك الأوّل في الرسم؟

ملهمي الأوّل الفنان الرّاحل فائق حسن أحسُّ أنّ أسلوبه قريب منّي.لأنّه يرسم بالفطرة،رسم الحياة العراقية بمختلف ألوانها، و الخيول العربية التي تكاد تنطلق صاهله تملأ فضاء لوحاته.

من بين الرسامين العالميّين و الرسامين التشكيليّين العراقيّين، من تُعجبك لوحاتهم و رسوماتهم؟

من بين الرّسامين العالميّين الذين أعجبني أسلوبهم و لوحاتهم: الرسام ليوناردو دافنشي و الرسام فينست فان جوخ و الرسام بابلو بيكاسو و الرسام رامبرانت فان رين.
أمّا التشكيليّين العراقيّين: فائق حسن و حافظ الدروبي و إسماعيل الشيخلي و فرج عبو.

متى أسّست مرسمك؟

أسّستُ مرسمي عام 2017.

كيف خطرت لك فكرة ورشات تعليم الأطفال الرسم؟و هي خطوة جدّ رائعة أحيّيك عليها.

أوّلا شكرا على مشاعركم الطيبة، أساس فكرة إنشاء المرسم لغرض تطوير المواهب الفنيّة في مدينتي،ففي كلّ عطلة صيفية أقيم دورات مجانيّة للرّسم بالنّسبة للصّغار للتطوير مواهبهم و السّبب الثاني هو إهمال جانب الرسم من قبل المدارس.

ماذا تُفضّل و ما الأحبّ إليك؟ الرّسم بقلم الرّصاص، أم بالسوفت باستيل، أم استخدام الألوان المائيّة؟

أنا رسمت بكلّ الخامات حتّى بالقهوة، لأنّي أحبّ أن أجرّب لكن الأقرب إليّ هي الألوان المائية،أجد فيها حيّزا واسعا للإبداع من خلال شفافية الألوان وامتزاجها مع بعضها.

هل تميل للسريالية؟ كيف تراها؟

أنا بصراحة بدأتُ بالواقعية، لكن الفنّان لا يقف على أسلوب واحد يجب أن يجرّب كلّ المدارس ومن ثمّ يقرّر ماذا يختار ربّما يستطيع أن يخرج بحصيلة و أسلوب منفرد.

جرّبتُ السريالية و أجدها معبّرة و فيها الكثير من الألغاز يغوص بها المتلقّي، شفرتها بيد الفنّان فقط، أجدها بعض الأحيان أحلام وتارة كوابيس.

من خلال ملاحظاتي أنا، أنت تميل كثيرا للبورتريه و تجسيد وجوه سماوية، هل يأتيك إلهام رسمهم لوحده أم يُطلب منك ذلك؟

نعم الأقرب إليّ هي الواقعية و خصوصا البورتريه وتكاد تكون أغلب أعمالي الفنيّة بورتريه، و رسمي للشخصيات السماوية تكون حسب اختياري دون طلب منهم، وقد يسأل السائل لماذا؟

لأنّ رسمي للشخصيّة بمثابة تكريم لفنّه و إسعاده بنفس الوقت لكي يحسّ أنّ هناك من يخلّده و يعتزّ به بالوقت الذي همّشته الحكومة.

يجب علينا كفنّانين أن ندعّم بعضنا البعض، فالشّاعر يكتب عن الرسّام والرسام يرسم الشّاعر و هكذا باقي الفنون الأخرى.

شاركتَ في مبادرات ثقافية رائعة في كلية العلوم في المثنى بالرسم الثلاثي الأبعاد بمشاركة الفنانة الصاعدة جمانة عبد الكريم و محمد الربيعي، حدّثنا قليلا عن فكرة الرّسم هذه؟ و كيف كان ردّ الطلبة في الكليّة؟ و هل أعجبتهم التّصاميم؟

نعم كانت مشاركتي لغرض ترك بصمة فنيّة مع أصدقائي جمانة و محمد في كليّة العلوم، وكانت التجربة فريدة من نوعها أبهرت الحاضرين.

كيف جاءت فكرة المبادرة في عرض اللّوحات في شارع ساوة الثقافي؟ و كيف تفاعل الجمهور مع العرض؟

فكرة عرض اللّوحات في شارع ساوه لم تكن الأولى ففي عام 2014 أقمت في نفس المكان معرض تشكيلي، وعندما تأسّس شارع ساوة في هذا العام بادرت بعرض لوحاتي وكانت حلقة وصل بيني وبين الجمهور لكي تعمّ هذه الثقافة الجميلة التي تكاد تكون مغيبة خصوصا في السّنوات الأخيرة، وأمّا الشقّ الثّاني من السّؤال فيما يخصّ الجمهور، بصراحة أرى البسمة والفرحة في وجوههم لأنّهم يريدون أن يخرجوا من هذا الظّلام الدامس المخيّم عليهم.

كيف ترى المشهد الثقافي في السماوة الآن؟ هل هناك تطوّر و مبادرات شبابيّة جديدة؟ و هل هناك فنّانين شباب لا تعرفهم السّاحة الثقافية و الفنيّة؟

المشهد الثّقافي سيّء من ناحية الحكومة المحليّة وجيّد من ناحية الفنّانين سواء الرّواد أو الشّباب. هناك حراك جيّد ومستمرّ بالرّغم من الإهمال المتعمّد من قبل الدّولة، لكي يجعلوا الفنّ والفنّانين بحاجة إليهم و بالتّالي يستغلّونه لحزبهم، هذه خطّة مدروسة بتمعّن وانجرف العديد من الفنّانين إلى الأحزاب لكي يطرحوا مشاريعهم الفنيّة لكن عن الحزب فقط؟ وليس ما يختاره الفنّان.

كيف كان معرضك في جامعة المثنى (كلية العلوم)؟ حدّثنا قليلا عن المعرض.

معرضي ضمّ أكثر من 30 لوحه فنيّة في مختلف المدارس الفنية فكرتي من إقامة المعرض هي أن يطلع الطلبة على تجربتي و في نفس الوقت إتاحة الفرصة لطرح الأسئلة وتبادل الأفكار.

أعجبتني عبارتك: (أنا أرسم.. أنا موجود) ماذا تقصد بها؟

نعم اليوم الذي لا تشاهدوا فيه لوحة لي... فاعتبروني غير موجود لأنّ الرسم هو امتدادي بالحياة، أنا أعيش في ذلك العالم الذي يخفّف عنّي ما يمرّ به بلدي من محن ومن خلال فنّي أجد نفسي في عالم آخر بعيد عن الظّلام والظّلاميّين.

من كان المشجّع الأوّل للفنّانات التشكيليّات السماويات بافتتاح معرض (لمسات عراقية) في شارع ساوة؟

بصراحة الفنّانات السماويات مبدعات لكن مبادرتي كانت بجمعهنّ في معرض واحد وتنظيمه وفي بداية الأمر كانت مجرّد فكرة طرحتها على رسامة فقرّرت أن أجمعهنّ في كروب خاصّ و أعلن عن المبادرة.

بالفعل نجحت بذلك و ما زلت أتواصل معهنّ لغرض إقامة معرض شخصي لكلّ فتاة تستطيع أن تنجز أكثر من 20 لوحة تشكيلية، وفي نفس الوقت بثّ روح المنافسة بينهنّ.

كلمتك عن شارع ساوة الثقافي و شارع الرميثة الثقافي.

كلمتي باختصار (توحّدوا) فقط و لا تتفرّقوا بسبب تفاصيل صغيرة أو تدخّلات خارجيّة أو هجمات باسم الدين.

لديك بعض اللّوحات تتكلّم عن تأريخ العراق، و أخرى تتكلّم عن المرأة، و أخرى عن واقع معاش، هل هي رسالات يقرؤها المشاهد؟ كيف تُقدّمها لنا أنت؟

نعم بالإضافة إلى عرضها بالقاعات أعرضها بمواقع التواصل الاجتماعي لكي تأخذ صدى أوسع و رسالتي بصورة عامّة تحمل طابع إنساني عن العدل والمساواة و نبذ الظلم والاضطهاد وتهميش دور المرأة.

متى يأتيك إلهام الرسم؟ و ما أحبّ الأوقات إليك للرّسم صباحا أم مساءا؟

أجمل الأوقات التي أرسم فيها صباحا لأنّ الإنسان يكون بذلك الوقت نشيطا، ويوم جديد فيه طاقة وحيوية، و أمّا المساء فيكون مخصّصا للقاء الأصدقاء بالمرسم وسماع أعذب الألحان.

حدّثنا قليلا بخصوص المشهد الثقافي في المثنى و تهميش الفنّ و الفنانين، و ما هي أمنيّتك؟ و كيف تُشجّع أنت الفنانين الشباب الموهوبين؟

المشهد الثقافي يكاد يكون منعدما وكما ذكرتُ آنفا هذا الأمر مقصود بحيث لا يوجد أكاديمية الفنون الجميلة و لا قاعات مخصّصة لعرض الأعمال الفنية، والبيت الثقافي في المثنى بناية صغيرة مؤجّرة بحيث لا تعود ملكيتها إلى وزارة الثقافة، و نقابة الفنانين لا تمتلك مكانا كي تجمع فيه الفنّانين، أيّ واقع هذا؟؟

بالرغم من ذلك هناك شباب واعد يقدّم وما زال يقدّم كلّ شيء جميل ويحصدون الجوائز في كافّة المجالات.

أنصح كلّ موهوب أن يستمرّ فالنّجاح لا يتوقّف على حكومة أو على شخص، الكثير من الفنانين الكبار عانوا في بدايتهم و أصبحوا في يوم من الأيام أيقونة للعالم أجمع.

كلمة أخيرة.

جزيل الشّكر والتّقدير للأخت نوميديا جروفي على هذا الحوار الجميل، إن شاء الله أكون تحت حسن ظنّكم و أقدّم كلّ شيء جديد وجميل بنفس الوقت.


نوميديا جروفي

أديبة جزائرية

من نفس المؤلف