عبيد الشعر

، بقلم فاروق مواسي

هم الشعراء الذين كانوا ينقّحون أشعارهم، فكان الشاعر منهم يغيّر في القصيدة ويبدل حتى يطلع بها على قومه.

يقول الجاحظ في (البيان والتبيين، ج2، ص 13):

"وقال الحطيئة خير الشعر الحَوْلي المحكَّك.

وكان الاصمعي يقول- زهير بن أبي سُلمى والحُطَيئة وأشباههما عبيد الشعر، وكذلك كل من يجوّد في جميع شعره ويقف عند كل بيت قاله، وأعاد فيه النظر، حتى يخرج أبيات القصيدة كلها مستوية في الجودة.

وكان يقال لولا أن الشعر كان قد استعبدهم واستفرغ مجهودهم حتى أدخلهم في باب التكلف واصحاب الصنعة، ومن يلتمسُ قهرَ الكلام واغتصابَ الالفاظ لذهبوا مذهب المطبوعين- الذين تأتيهم المعاني سهلا ورهوًا، وتنثال عليهم الالفاظ انثيالا".

نفهم من الاقتباس أن الجاحظ لا يقدّمهم على الشعراء المطبوعين من الذين يباشرون الشعر من غير تكلف ولا اصطناع، ترفدهم البديهة ورونق الطبع.

ونفهم من معنى (عبيد الشعر) أن الشعر استعبدهم واستفرغ جهدهم.

وقد يكون لفظ (العبيد) اشتق من الفعل "عبِد" بمعنى لزم.

ليس هذا الموقف ببعيد عن موقف ابن قتيبة إذ يرى أن الشاعر الذي ينقح شعره هو شاعر متكلِّف:

“إنه وإن كان جيدًا محكَمًا فليس به خفاء على ذوي العلم لتبيُّنهم فيه ما نزل بصاحبه من طول التفكر، وشدة العناء، ورشح الجبين، وكثرة الضرورات، وحذف ما بالمعاني حاجة إليه وزيادة ما بالمعاني غنى عنه”.(الشعر والشعراء، ج1، ص 88)

"فالمتكلف هو الذي قوّم شعره بالثقاف، ونقّحه بطول التفتيش، وأعاد فيه النظر بعد النظر كزهير والحطيئة" (ن.م- ص 78).

يعلل الجاحظ سبب "المراجعات" للقصيدة، فيقول:

"ومن تكسب بشعره، والتمس به صلات الأشراف والقادة، وجوائز الملوك والسادة، وبالطوال التي تنشد يوم الحفل لم يجد بدًا من صنيع زهير والحطيئة وأشباههما، واذا قالوا في غير ذلك أخذوا عفو الكلام، وتركوا المجهود، ولم نرهم مع ذلك يستعملون مثل تدبيرهم في طوال القصائد في صنعة طِوال الخطب، بل كان الكلام البائت عندهم كالمقتضب، اقتدارًا عليه، وثقة بحسن عادة الله عندهم فيه".

والجاحظ يسوق لنا رأيًا يختلف عما بدأ به:

"وكانوا مع ذلك إذا احتاجوا إلى الرأي في معاظم التدبير ومُهمّات الأمور ميّثوه (ليّنوه) في صدورهم، وقيدوه على أنفسهم، فإذا قوّمه الثقاف، وأُدخل الكير، وقام على الخِلاص (الثفَل الذي يكون أسفل) أبرزوه محكَّكًا منقَّحًا ومصفّى من الأدناس مهذَبًا".

لا عجب في عرض الجاحظ للرأيين، فهذا الشعر المنقَّح يفضله بعض الناس على غيره من الشعر لخلوِّه من المآخذ، بينما ينظر إليه آخرون على أنه شعر متكلَّف لم يأت عن إسماح وطبع.

يدافع عَدي بن الرِّقاع عن تهذيبه لشعره:

وقصيدةٍ قد بتُّ أجمع بينها
حتى أقوّم ميلَها وسِنادها
نظرَ المثقِّف في كعوب قناته
حتى يقيم ثِقافُـه مُنْآدَها

ويبدو أن سُويد بن كُراع كان يجهد نفسه في مراجعة القصيدة، خاصة وأنه سيقدمها لابن عفان:

وجشّمني خوف ابن عفان ردَّها
فثقفتها حولاً حَريدًا ومَربَعا

(الحريد التام، والمربع= فترة مطر الربيع)

وقد كان في نفسي عليها زيادةٌ
فلم أرَ ألا أطيع وأسمعا

روى ابن قتيبة أن زهيرًا نفسه كان يسمي قصائده الكبرى السبع- الحوليات (ن.م، ص 88).
وقد قيل: إنه كان يعمل القصيدة في أربعة أشهر، وينقحها في أربعة أشهر، ثم يعرضها في أربعة أشهر، ثم بعد ذلك يخرجها إلى الناس. (اقتبس ذلك الزيات في كتابه- تاريخ الأدب العربي، ص 62).

يرى ابن رشيق أن فترة نظم القصائد لم تكن تستغرق من زهير هذه المدة الطويلة، فهو في رأيه ينظم القصيدة في ساعة، أو ليلة، ولكنه يؤخرها عنده من أجل التنقيح والتهذيب خشية التعقب – أي النقد.

يقول ابن رشيق:

"وكان الأصمعي يقول: زهير والنابغة من عبيد الشعر، يريد أنهما يتكلفان إصلاحه ويشغلان به حواسهما وخواطرهما. ومن أصحابهما في التنقيح والتثقيف طُفَيل الغَنوي، وقد قيل إن زهيرًا روى له، وكان يسمى محبَّرًا لحسن شعره، ومنهم الحطيئة والنمر بن تَولب وكان أبو عمرو بن العلاء يسميه: الكَـيِّـس".

لاحظنا أن هناك من يرى جودة هذا الشعر بالضرورة، وذلك من خلال اللقبين- المحبر والكيس.
(ابن رشيق، العمدة، ج1، ص 88- باب في المطبوع والمصنوع).

ولم يكن التنقيح والتهذيب وقفًا على زهير والحطيئة، بل إن هناك شعراء آخرين في الجاهلية والإسلام كانوا يتَأَنَّون، ويعيدون النظر في أشعارهم. ومن بين من عُرف بذلك من شعراء الإسلام مروان بن أبي حفصة، وذو الرُّمَّة، ولكننا لا نعرف شاعرًا آخر غير زهير تمكث القصيدة عنده حولاً كاملا، بحيث يمكن أن يعد من شعراء الحوليات.

يقول الثعالبي عن "حوليات زهير":

"يُضرب بها المثل في جيد الشعر وبارعه، وهي أمهات قصائده، وغُرر كلماته التي كان لا يعرض واحدة منها حتى يحول عليها الحول، وهو يجتهد في تصحيحها وتنقيحها وتهذيبها".
(الثعالبي: ثمار القلوب في المضاف والمنسوب"، ص 216)

لاحظنا أن هناك رأيين حول عبيد الشعر.

ومع ذلك، ففي تقديري أن اللقب كان بقصد إظهار الجودة والتميز، كما ذهب الثعالبي، وليس إظهار التكلف بمعنى الضعف والافتعال، وهو كما نقول اليوم "اشتغل على قصيدته"، وحتى لو كان هناك صنعة ومعاودة للنص، فهي ليست كصنعة المولَّدين ومن بعدهم في تكلفهم المحسنات اللفظية والمعنوية.

خلط بعض النقاد ممن ذكرت، وكذلك العسكري (كتاب الصناعتين، ص 134- 135) في معنى التكلف بين مراجعة العمل الأدبي بمعنى تنقيحه وتهذيبه، وبين الجهد والمعاناة في إبرازه وإخراجه، فأطلقوا على كلٍّ منهما اسم "التكلف"، وربما فاتهم أن كل عمل أدبي لا بد فيه من مراجعة وتنقيح وتعديل حتى يخرج بصورة مُرضية، أولاً لذائقة الشاعر، حيث يكون رقيبًا على نفسه قبل أن يلقيَ القصيدة على المتلقي.

ثم إن الشعر لا يتأتى إلا بعد محاورة ذاتية إبداعية بين الشاعر وأدوات فنه، حيث يغالب هذا المعنى وذاك الشكل، في مراجعة الأدوات والوسائل، فيصل إلى النص بعد تحقيق وتمحيص، وبعد اجتهاد يُسقط فيه "الثفَل"، ويعلي الأجود والأفيد، فيكون بذلك ناقدًا نقدًا ذاتيًا قبل أن ينقده غيره.

ويبقى السؤال:

هل يثقف الشاعر اليوم قصيدته؟

أم أنه صاحب طبع مسترسل في غنى عن مراجعة ومعاودة؟


فاروق مواسي

بروفيسور، أديب، وأكاديمي فلسطيني، دكتوراة في الأدب العربي

من نفس المؤلف