ذاكرة القهوة بنكهة رمضان(١٤)

صافي يا لبن؟

، بقلم سماح خليفة

كنا على طرفي نقيض دائما، لم نفكر في عواقب الأمور في طفولتنا، لم نكن ساذجات ولا ذكيات بالقدر الذي يمكننا من تجنب الوقوع في مخاطر انفعالاتنا وفورة طفولتنا الثائرة.

أنا وبنات الحي لعبنا ضحكنا تواعدنا تشاجرنا تخاصمنا وعدنا نخطف الفرح من أكف القدر، نقطف نجمنا السرمدي من عناقيد طفولتنا الشقية، نتحدى القيود والظروف والعادات والتقاليد.

أذكر كيف كنا نصعد أسطح بيوتنا المطلة على الملعب الملاصق لمدرسة ذكور طوباس الثانوية من الجهة الشرقية ومحاذي لسور البلدية من الجهة الغربية، نراقب مباراة كرة القدم ونهتف من بعيد غوووول؛ لكن هذا الهتاف لم يكن يشبع نهم الشغف المتشبث باندفاع طفولتنا.

أورطتني ابنة الجيران ذات يوم بتحد لكرة القدم، وفعلا قمنا بتجميع عدد كاف من بنات الحي وانطلقنا ذات مساء رائق إلى الملعب واقتنصنا فرصة خلوه من متدربي كرة القدم، سرنا في صف منتظم بمحاذاة السور ونحن نتراشق سهام نظراتنا المغموسة بالتحدي لتحقيق النصر والفوز بتلك الميدالية القديمة التي تبرعت بها إحدى الطالبات وكانت قد عثرت عليها بين مخلفات أخيها المحترف في كرة القدم.

أذكر كيف انتشرنا في الملعب كالفراشات على جناح الريح نركل الكرة بخفة في كل الاتجاهات دون اكتراث بتصويب أهداف حقيقية مدروسة كما يفعل المحترفين. كانت تشبع نشوتنا للفوز خطف الكرة من امام زميلة لنا والجري بها بعيدا تجاه المرمى دون دقة في التصويب بل عفوية كفيلة بضخ الفرح في قلوبنا ومنحنا طاقة كبيرة لمجابهة كل بؤس الحياة الذي يزرعه الكبار.

وأول البؤس كانت قد حملته الأخت الكبرى (س) لصديقتي (ص) وهي تسير بخبث مضمور تستطيع براءتنا استشفافه من بعيد، وفعلا ما إن لمحت صديقتي أختها قادمة أدركت أن عليها الفوز وإثبات قدرتها وجدارتها في اللعبة، فاندفعت نحوي بقسوة مفاجئة، ركلتني بقدمها حتى أسقطتني أرضا وأصابت ركبتي بالخدوش والرضوض مما أدى إلى سيلان الدم.

رفعت يديها تهتف عاليا وبضحكة مصطنعة تصرخ: "أنا فزت"، اقتربت منها أختها، ربتت على كتفها قائلة: "شطورة هيك بدي اياك".

في الحقيقة وقتها لم أنبس ببنت شفة، كنت مشدوهة بما حدث، ومتفاجئة من تصفيق الفريق لها والتحلق حولها!!!! والمجاملات التي تنهال عليها من كل حدب وصوب. غادر الجمبع المكان دون اكتراث لإصابتي، لم أبك رغم الألم، كل ما كنت أرغب به هو الصراخ في وجه تلك الخبيثة ابنة الرجل الثري، نعم فهذا هو السبب الحقيقي لانحياز بنات الحي لمساندتها، لنيل رضاها، ولكني لم أصرخ، ولم أنتفض على الظلم، لا أعلم هو الخوف وقلة الحيلة، أم حكمة الفرد في مواجهة غفير من التابعين الجهلة لمتمرد ظالم.

نهضت بصعوبة ولملمت كرامتي المبعثرة وحملت جسدي المدمى وسرت بخطوات متثاقلة حتى وصلت البيت؛ وما إن رأتني أختي حتى صرخت في وجهي: ماذا حدث لك؟

قصصت عليها الحكاية كلها، فغضبت ونعتتها بالغادرة، نعم فهي غدرت بي وكان عليها أن تخبرني بحضور أختها الكبرى لأحضر أختي ونتعادل.

في الصباح بينما كنت أجلس على حافة الحوض الممتلئ بالأزهار في ساحة مدرستنا الابتدائية؛ لمحت صديقتي -التي غدرت بي البارحة- تتجه صوبي، لم أكترث لها وأدرت وجهي للجهة المقابلة حتى لا أراها، فلم أكن لأحتمل النظر في عينيها الخبيثتين.

ما إن وصلتني حتى فاجأتني باعتذار ملح: "سامحيني يا سماح، تزعليش مني".

"أسامحك!!! كيف؟! روحي ما بدي أحكي باللي صار"

"بترجاك اتسامحيني والله إني بحبك"

"كيف بتحبيني وغدرت فيني وتركتيني هيك"

"غصب عني، خفت من اختي، لو ما عملت هيك كان بهدلتني وضربتني وحكت لأمي عني"
نظرت إليها حائرة فيما تقول، لم أعرف ماذا أفعل. اندفعت نحوي، احتضنتي، قبلتني قائلة: "خلص يلا تعالي نلعب والله إني بحبك، صافي يا لبن؟"

ابتسمت قائلة: "حليب يا إشطة، سامحتك يا وحشة، بس قوليلي كيف رح ألعب مع هالركبة والإجرين!!!!!"


سماح خليفة

شاعرة فلسطينية

من نفس المؤلف