جولة أدبية

من فصاحة عبد الملك بن مروان

، بقلم فاروق مواسي

كثيرًا ما يُذكر الخليفة عبد الملك في معرض النباهة والفصاحة، وسأصحبكم في بعض النوادر التي تشير إلى ذلك:

رُوي أن عبد الملك بن مروان كتب إلى الحجّاج:

"ما إن أرى لك مثلاً إلا قِدْحَ ابن مُقُبل"، فلم يعرف الحجاج معناه- رغم رجاحتة وبلاغة خطبه، واغتمّ لذلك، حتى دخل عليه قُتيبة بن مسلم- وكان راوية للشعر حافظًا له عالمًا به، فسأله عنه، فقال:

أبشر أيها الأمير، فإنه قد مدحك، أما سمعت قول ابن مُقبل وهو يصف قِدحًا له:

غدا وهو مجدولٌ وراح كأنه
من الصكِّ والتقليب فى الكفّ أفطحُ
خَروجٌ من الغُمّى إذا صُكَّ صكَّةً
بدا والعيونُ المستكفّة تلمح

(القِدح، ج. قِداح- قطعة من الخشب تُعرَّض قليلاً وتُسوّى، وكانت تستعمل في الميسِر، أو هو سهم القمار، مجدول: مُدمج بعضه إلى بعض، الصك: الضرب بالقِداح، الأفطح: العريض، الغمّى: الضيق والشدة، المستكفّة: التي تنظر إليه وإلى غيره من القِداح).

يعني أن الخليفة يُراهن على الحجاج لقدرته في الخروج من كل ضائقة، فهو كالقِدح يعرّض، ويُعرك وترمقه العيون في تأثيره. وبالتالي فهو يمدح واليه على العراق.

(انظر الثعالي: ثمار القلوب، ص 218- مادة 290- "قِدح ابن مقبل: يضرب مثلا فى حسن الأثر).

يُحكى عن عبد الملك أنه كتب للحجاج مرة أخرى:

"أما بعد، فإنك سالم والسلام"!

فلم يدر ما معناه، حتى نُبّه على أنه أراد قول عبد الله بن عمر في ابنه سالم:

يديرونني عن سالم وأديرهم
وجلدة بين العين والأنف سالم

فموقع سالم- يعنى سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، في أعز مكان- وهو جلدة بين الأنف والعين، وهذا يدل على شدة حب الأب لابنه، فقد كان يكلَف به حتى إنه كان يقبّله، وقد شاخ الابن، ويقول: "شيخ يقبّل شيخًا"!

فالمقولة إذن تدل على شدة حب الخليفة للحجاج.

قال عبد الملك بن مروان يومًا لجلسائه -وكان يتجنب غير الأدباء-:

أي المناديل أفضل؟

فقال قائل منهم: مناديل اليمن، كأنها أنوار الربيع.

وقال آخر: مناديل مصر، كأنها غِرقئ البيض (أي قشره).

فقال عبد الملك: ما صنعتم شيئًا. أفضل المناديل "مِنديل عَبْدة"- يعنى عَبْدةَ بن الطَّبيب فى قوله من قصيدة:

لما نزلنا نصبنا ظلَّ أخبية
وفار باللحم للقوم المراجيل
وردًا وأشقر لم يُهْنِئه طابخه
ما غيَّر الغَلْيُ منه فهو مأكول
ثُمَّتَ قمنا إلى جُرْدٍ مسَوَّمةٍ
أعرافُهن لأيدينا مناديل

(المبرد: الكامل في اللغة والأدب، ج1، ص 445).

المراجيل جمع مِرْجَل وهو القدر، وقد أضيفت الياء للضرورة،

ظل أخبية وردت في "المفضليات (المفضلية 26)- "رفعنا ظل أردية"، وكلا التعبيرين كناية عن الاستعداد للطهي.

البيت الثاني: شبه ما نضج من اللحم بالورد، وما لم ينضج بالأشقر، لم يُنهئه= لم ينضجه.
مأكول= يأكلونه قبل تمام نُضجه.

البيت الثالث: ثم قمنا إلى الخيل القصار الشعر، وهي معلَّمة، فهم يمسحون أيديهم من بقايا الطعام بأعرافها.

ويقصد عبد الملك في هذا المشهد أنه يفضل أكل الشواء بعد الصيد ويمسح الوضَر بعُرف حصان الصيد نفسه.

والأصل فى هذا المعنى قول امرئ القيس

نَمُشُّ بأعراف الجياد أكفَّنا
إذا نحن قمنا عن شِواءٍ مُضّهَّب

نمش: نمسح، المضهب: الذي لم يُدرَك نُضجه، يصف أنهم لم ينتظروا نضح الطعام لعجلتهم.

على ذكر أبيات عبْدة- فقد تذكرت قصة فاجأتني يوم أن قرأتها.

وهي تروي حكاية أبي علي القالي – صاحب الأمالي، وقد أخطأ وهو متوجه ضيفًا إلى الخليفة الناصر في الأندلس، أخطأ على سَعة علمة وغزارة إنتاجه، وقوة حافظته.

سها وظل على سهوه، فما كان من أحد العلماء (الإلبيري) الأندلسي إلا أن يحتج ويغادر الموكب ترفعًا عليه.

إليكم القصة التي وردت في كتاب المَقّري- (نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب، ج3، ص 70- 71):

"في أيام الناصر أمير المؤمنين عبد الرحمن- الخليفة الأندلسي، وكان ابنه الحكم يتصرف عن أمر أبيه كالوزير،

"أراد عاملهم ابن رماحس أن يجيء مع أبي علي القالي إلى قرطبة، ويتلقاه في وفد من وجوه رعيته ينتخبهم من بياض أهل الكورة تكرمة لأبي علي، ففعل، وسار معه نحو قرطبة في موكب نبيل، فكانوا يتذاكرون الأدب في طريقهم، ويتناشدون الأشعار، إلى أن تحاوروا يومًا وهم سائرون في أدب عبد الملك بن مروان ومساءلته جلساءه عن أفضل المناديل وإنشاده بيت عبدة ابن الطبيب:

ثمت قمنا إلى جرد مسومة
أعرافهن لأيدينا مناديل

وكان الذاكر للحكاية الشيخ أبو علي، فأنشد الكلمة في البيت:

"أعرافها لأيدينا مناديل".

فأنكرها ابن رفاعة الإلبيري، وكان من أهل الأدب والمعرفة، وفي خلقه حرج وزعارة، فاستعاد أبا علي البيت متثبتًا مرتين، وفي كلتيهما أنشده "أعرافها".

لوى ابن رفاعة عنانه منصرفًا، وقال:

مع هذا يوفد على أمير المؤمنين وتتجشم الرحلة لتعظيمه، وهو لا يقيم وزن بيت مشهور بين الناس لا تغلط الصبيان فيه، والله لا تبعتُه خطوة!

وانصرف عن الجماعة، وندبه أميره ابن رماحس أن لا يفعل، فلم يجد فيه حيلة، وكتب إلى الحكَم يعرفه ويصف له ما جرى لابن رفاعة ويشكوه، فأجابه على ظهر كتابه:
الحمد لله الذي جعل في بادية من بوادينا من يخطِّىء وافد أهل العراق إلينا، وابن رفاعة أولى بالرضى عنه من السخط، فدعه لشأنه، واقدم بالرجل غير منتقص من تكرمته، فسوف يعليه الاختبار إن شاء الله تعالى أو يحطه.

أجواء أدبية كانت، تحت رعاية الخلفاء المثقفين، فأين نحن اليوم منهم؟ وأين هم منا؟


فاروق مواسي

بروفيسور، أديب، وأكاديمي فلسطيني، دكتوراة في الأدب العربي

من نفس المؤلف