فأمطرت لؤلؤًا من نرجس

، بقلم فاروق مواسي

ثمة بيت شعر مشهور اختُلف في نسبته، كما اختلف في مستوى شاعريته أو جودته.

البيت هو:

فأمطرت لؤلؤًا من نرجس وسقت
وردًا وعضّت على العُنّاب بالبرَد

لقد شبه الشاعر دموع محبوبته باللؤلؤ المتساقط من عيونها- العيون التي هي كالنرجس،
فسقت خدها الذي كالورد. ثم إن شفتيها كالعُنّاب- ذاك الشجر الذي يخرج ثمرًا شديد الاحمرار لذيذ الطعم، أما أسنانها فهي ناصعة البياض كالبرَد الذي يسقط مع الأمطار.

يقول الهاشمي صاحب (جواهر البلاغة، ص 305) في معرض حديثه عن الاستعارة:

"إذا ذكر في الكلام لفظ المشبه به فقط، فالاستعارة تصريحية أو مصرّحة نحو:

فأمطرت لؤلؤًا من نرجس وسقت
وردًا وعضت على العناب بالبرد

فقد استعار: اللؤلؤ، والنرجس، الورد، والعناب، والبرد للدموع، والعيون، والخدود، والأنامل، والأسنان".

أما نسبة الشعر فقد ورد على أنه للوأواء الدمشقي (محمد بن أحمد الغساني من شعراء سيف الدولة)، وقد ردت القصيدة في ديوانه الذي أصدره المجمع العلمي في دمشق- سنة 1950، ص 84).

وعلى أنه للوأواء جرت المصادر التي استشهدت بها في هذا المقال.

من جهة أخرى يقول الباحث صباح محمد صباح في موقعه على الشبكة (الشاهد) – مادة 17 أيار 2017:

"وقد وهم من ذكر ان هذه القصيدة للوأواء الدمشقي، فالأبيات مثبتة في ديوان يزيد بن معاوية، وذكرتها عشرات المراجع الأدبية الموثوقة".
..
أما مطلع القصيدة المنسوبة – كذلك- ليزيد في (الموسوعة العالمية للشعر العربي)، فهو:

نالت على يدها ما لم تنله يدي
نقشًا على مِعصمٍ أوهتْ به جلّدي

من حيث التقييم، فقد أثنى النقاد على البيت من حيث أنه جمع خمس تشبيهات في بيت واحد – الأمر الذي لا نجده في الشعر العربي، وقد ورد البيت على أنه من العجائب- في كتاب (خاص الخاص، ص 150) للثعالبي:

"من عجائب الوأواء أنه خمّس ما ربّع أبو نواس من التشبيهات في بيت واحد".

ولم يشرح لنا الثعالبي معنى "ربّع أبو نواس".

أما بيت أبي نواس في تشبيهاته الأربعة أو على الأصح استعاراته فهو:

تبكي فتذري الطل من نرجس
وتمسح الورد بعناب

يقول ابن أبي الإصبع في (تحرير التحبيرفي صناعة الشعر والنثر):

"وعندي أن بيت الوأواء هو عين بيت أبي نواس، وإنما حصلت فيه زيادة التشبيه لاتساع وزنه، فثبت الفضل لبيت أبي نواس بالسبق إلى نفس المعنى ونفس التشبيه.

واعلم أن زيادة التشبيه بما زاد في بيت أبي الفرج الوأواء عن اللفظ لاتساع الوزن".

عن هذا البيت – "وأمطرت لؤلؤًا..." يقول صباح في موقعه الذي ذكرته أعلاه:

"وصف يفوق الوصف، فبيت الشعر هذا فيه من الرقة والعذوبة الشيء الكثير.

هو يصف جمالا لا يجارى ولا يبارى". (ن.م)

من جهة أخرى يتحدث عباس محمود العقاد عن أبيات أوردها، واعتبرها سائغة وخالصة في الذهن إلى المعنى في ثوب شفاف، ففي هذه الأبيات لا تستوقفك منه لفظة مزوقة، ولا تعطلك لديه نكتة فارغة – كما نجد في أقوال البديعيين في مثل البيت المشهور:

وأمطرت لؤلؤًا من نرجس وسقت
وردًا وعضت على العُنّاب بالبرد

(العقاد: ساعات بين الكتب، ص 70)

كما أن سيد قطب قد كتب في كتيّب له- (مهمة الشاعر في الحياة) أصدره سنة 1932 عن هذا البيت:

"فالشاعر هنا قد حضر مجموعة لأشياء بيضاء وحمراء ليس بينها علاقة إلا علاقة الألوان، وإلا فأية علاقة بين الدمع واللؤلؤ وبين العناب والأنامل وبين السن والبرد؟".

كنا درسنا في كتاب (البلاغة الواضحة) لعلي الجارم ومصطفى أمين، وقد عدت إلى مقدمة الكتاب لأجد:

"ويظن الناشئون في صناعة الأدب أنه كلما كثر المجاز وكثرت التشبيهات والأخيلة في هذا الأسلوب زاد حسنه، وهذا خطأ بيّن، فإنه لا يذهب بجمال هذا الأسلوب أكثر من التكلف، ولا يفسده شر من تعمد الصناعة، ونعتقد أنه لا يعجبك قول الشاعر:

وأمطرت لؤلؤًا من نرجس وسقت
وردًا وعضت على العُنّاب بالبَرَد"
(ص 15)

رأينا أن هذا البيت اختُلف في نسبته، كما اختلف في تقييمه وفي نقده.

وبعد، فلا أدري سببًا لماذا كان والدي رحمه الله يكرر البيت إعجابًا، ويحاول أن يمتحن به أصدقائي الصغار.

فهل أنت من المعجبين بالبيت، أم ممن يرون فيه صناعة وتكلفًا؟


فاروق مواسي

بروفيسور، أديب، وأكاديمي فلسطيني، دكتوراة في الأدب العربي

من نفس المؤلف