ظاهرة الحنين إلى الماضي

نوستالجيا حقاً.. أم حس مرهف

، بقلم نايف عبوش

سألت زميلي عن حاله،في اطار تبادل التحايا معه.. وقد استرعى اهتمامي ما اجابني به بصريح القول.. من (اننا يا اخي انما نعتاش اليوم على ما يختزنه عقلنا الباطن من ذكريات الماضي، حتى وان كان بعضها مؤلما)..في رد مثير منه، يمثل استشعارا لسعادة مضت، نتجاوز بها تعاسة غربة الحاضر،وصعوبات الحياة المعاصرة، بعد هذه الرحلة الطويلة من العمر..

ادهشتني بحق عاطفته الجياشة، وطريقة تعبيره بهذه التلقائية المباشرة، عن حقيقة ما يجول في خاطره، وما يكابده من معاناة العزلة المؤلمة، بفجوة الجيل، في حياته الراهنة..التي يسعى لتجاوز مرارتها، بلجوئه لإعادة إنتاج صور الماضي،واستيلادها بذهنه بطريقة وردية.. ليشاطر زملاءه، الاحساس بوحدة المعاناة ، ويشاركهم الحنين الى الذكريات.. رغم كل الفوارق الشخصية في معايشتها.. إذ قد يكون البعض منهم، قد عاشها في سعادة، ورفاه، في حين عاشها البعض الآخر، في تعاسة، وبؤس.

وبغض النظر عن التفسيرات النفسية لمثل، هذه الظاهرة من الحنين الى الماضي، بهذه الطريقة الوجدانية المؤثرة.. التي عكستها عبارة زميلي لي..ومن دون الحاجة للدخول في تفاصيل التأويلات العلمية البحتة لها، التي غالبا ما تختزلها في تاويلات باهتة، تقف بها عند حد اعتبارها ظاهرة مرضية، تعرف ب( النوستالجيا)، فأنه يبدو ان هذه الظاهرة، تظل حقيقة انسانية، ماثلة بيننا.. نعيشها بين الحين والآخر.. فلطالما شعرنا اننا نقتات فعلا على تخوم حافات ذكرياتنا،كلما سنحت لنا الفرصة بخلواتنا الفردية، بالعودة الى دهاليز الذاكرة،والتسكع في وهادها السحيقة.. تلمسا لبصمات ماضينا الجميل.. التي تغمرنا بجرعة سعادة معنوية، كلما هربنا اليها من صخب ضجيج حياتنا المعاصرة، التي ارهقتنا بتداعياتها المتواترة حقاً.

ومن هنا قد نستطيع القول، بأن ظاهرة الحنين إلى الماضي، والتي نمارسها بين الحين والآخر، والتي حتى وان بدت لنا الذكريات معها، أقل سعادة، وقد تكون طافحة ببؤس واضح، في كثير من جوانبها، بحيث ان البعض بالغ في تسفيهها، عندما وصفها بقوت المفلسين، والفاشلين، إلا إنها مع ذلك، تظل، على ما يبدو، ظاهرة اجتماعية نفسية، تتآزر مع حسنا المرهف،للتنفيس عما في دواخلنا من إرهاصات ضغوط الحياة، ومن ثم، فإنها تتجاوز كونها مجرد مرض حنين للماضي، وحسب ،كما قد يبدو للبعض.


نايف عبوش

كاتب عراقي

من نفس المؤلف