من أوراق حزيران ١٩٦٧

، بقلم معين الطاهر

لم يكن عام 1967 مثل غيره من الأعوام، فقد شكّل علامة فارقة على جبين الأمة العربية، ما زالت ندوبها واضحةً، وآثارها تتفاعل، وأغلب الظنّ أنّه قد غيّر مسار حياة مئات الآلاف من الشبّان العرب، ففيه تهاوت أحلامٌ وانهارت مفاهيم وتشكّلت أخرى، تغيّرت بعدها المحاور السياسية التي كانت قائمة، كما تبدلت أفكار سياسية وثقافية وفكرية، لكنّ أهم ما ميّز تلك الحرب أنّ الجمهور العربي لم يستسلم للهزيمة، وتبعته الأنظمة العربية عبر لاءات قمة الخرطوم الشهيرة، برفض الصلح والاعتراف.

كان عام 1967 حافلًا بالتظاهرات العنيفة التي شهدها الأردن عقب الاعتداء الصهيوني على قرية السموع، والتي ما لبثت، بعد أشهر معدودة، أن تحوّلت من تظاهرات مناوئة للنظام في الأردن إلى تظاهرات تحتفل بلقاء جمال عبد الناصر والملك حسين، وتبشّر بقرب موعد التحرير الذي لم تعد تفصلنا عنه سوى أيام. وأصبح السلاح الوحيد المتاح للجمهور العربي من المحيط إلى الخليج هو الترانزستور، الراديو الصغير، الذي سوف ينقلنا في لحظات إلى سواحل يافا وحيفا، ونحن نترقب أسماك البحر المتوسط التي ناشدها أحمد سعيد، عبر إذاعة صوت العرب، كي تتجوّع وتكون جاهزةً لالتهام آلاف اليهود الذين سيفرّون إلى البحر، هربًا من الجحافل العربية المتقدّمة.

يصف المؤرخ والسياسي والوزير، الأستاذ أكرم زعيتر، في يومياته المحفوظة في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، تلك اللحظات بقوله: "الفرح عام والسرور بالغ. وبلغت مرتبة عبد الناصر عند البعض درجة العبادة. والكل يعتقد أنّ إنقاذ فلسطين على الأبواب. ومن يجرؤ أن يجادل؟ ومن يجرؤ ألّا يبدي تفاؤله؟ لامني بعض الإخوان لأنّني لم أسترسل في

"شكّل انتصار تشرين بوابةً للدخول في معترك تسويات سياسية زائفة"

التفاؤل. حتى خُيّل لأحدهم أنّني لا أرغب في تحرير فلسطين. الحرب ناشبةٌ لا محالة. اللهم أنصر العرب. آه من قلبي الذي لا يبدو منه الارتياح إلى ما نحن مقبلون عليه. الملك حسين بسفره إلى القاهرة وعقده اتفاقية الدفاع المشترك أنقذ حياته وعرشه، وانقلب في نظر الناس إلى بطل؛ رأسًا من خائن إلى بطل. أخذ اسمه يقترن باسم عبد الناصر. وفي نظري، أنّه ما كان خائنًا بالأمس، وما هو الآن، في سفره إلى مصر، بالبطل".

يلخّص زعيتر الموقف تمامًا، كما يلخّص خيارات الملك حسين الذي، وفي الأغلب الأعم، كان يدرك نتائج الحرب، ويتخوّف منها، لكنّ خياراته كانت محدودة، فإمّا أن ينقذ حياته وعرشه، كما أشار زعيتر، ويفقد نصف مملكته، أو أن يتحمل مسؤولية الهزيمة منفردًا، إذا تقاعس عن المشاركة في الحرب، وما لذلك من آثار على مملكته كلها.

عاد الحسين من القاهرة، وقد سلّم قيادة الجيش الأردني إلى الفريق المصري عبد المنعم رياض، وبحسب تقرير الأخير عن مجريات المعركة، فإنّ إرباكًا واضحًا في الأوامر المعطاة إلى قطعات الجيش الأردني قد حدث، بناءً على ما نُقل إلى الفريق رياض عن تطورات الموقف على الجبهة المصرية. وعلى الرغم من اعتراضات ضباط أردنيين، إلّا أنّ الملك لم يتدخل في قرارات الفريق رياض الذي عُيّن قائدًا للجبهة الأردنية. من الواضح أنّ الحسين، والذي كان قد أعلم عبد الناصر بموعد الحرب الذي عرفه من مدير محطة المخابرات الأميركية في عمّان، جاك أوكونيل، وتجاهل عبد الناصر تلك التحذيرات ولم يصدّقها، قد اختار أن يسلّم مقاليد الأمور في تلك المرحلة للرئيس عبد الناصر والفريق رياض، وهي مرحلةٌ استمرت حتى وفاة عبد الناصر.

في أجواء الحرب، كانت الإذاعات العربية في وادٍ والواقع على الأرض في وادٍ آخر، فبينما تحدّثت الإذاعات عن تساقط الطائرات الإسرائيلية كالذباب، كان الطيران العربي قد دُمّر في 30 دقيقة، وهو جاثم في مطاراته. وحين دعت المصطافين العرب إلى ترتيب إجازاتهم الصيفية في ربوع تل أبيب، كان الجيش الصهيوني قد أنهى احتلالالقدس وسيناء، واجتاح المدن والقرى.

على الرغم من مرور أكثر من خمسين عامًا على النكسة، إلّا أنّ الرواية العربية لها لم تُنشر بعد. في يوميات زعيتر، بعد أن أصبح وزيرًا للبلاط، ثمّة رسائل متبادلة بين الملك حسين وعبد الناصر وزعماء عرب خلال الحرب، وتقارير عن اجتماعات مع كبار الضباط لتقييم نتائجها. وفي مؤتمر عُقد في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في الدوحة، في مايو/ أيار 2017، بمناسبة مرور خمسين عامًا على نكسة حزيران/ يونيو، افتقدنا روايةً عربيةً كاملة، وكان علينا أن نبحث عن التفصيلات في الروايات الأجنبية. ويكفي للدلالة على ذلك أنّ لجنة قد ألّفتها القيادة السياسية والحزبية في سورية، للتحقيق في أسباب الهزيمة قد مُنعت من دخول رئاسة الأركان والاطلاع على برقيات العمليات خلال الحرب!

لم يكن الحال في مدن الضفة الفلسطينية وقراها مختلفًا. كنّا نعيش نشوة نصر متخيّل. في نابلس، ركضنا فرحًا لملاقاة دباباتٍ جاءت من جهة الشرق، لم يخطر ببال أحد ألّا تكون عربية، لا توجد أي إشاراتٍ تشير إلى الهزيمة. صفقنا لها وهي تصطف على البوابة الشرقية للمدينة، وفي مدن وقرى أخرى نُثر عليها الأرز، باعتبارها طلائع الجيوش العربية الزاحفة. قال بعضهم إنّها عراقية، وعندما اصطدم بلكنة الجند فسّر ذلك بأنّ القوات الجزائرية قد وصلت إلى ساحة المعركة، وما أن أطل أحد رجال المقاومة الشعبية ممن وُزعت عليهم صبيحة اليوم نفسه بنادق صدئة مع كل منها خمس طلقات، حتى أُطلقت عليه النيران. حينها فحسب اكتشفنا أي كارثة قد حلّت بنا.

بعد الهزيمة، تغيّر الموقف من المقاومة الفلسطينية التي كانت متهمةً بتوريط النظام العربي في حربٍ سابقة لأوانها، واختفت تعميمات القيادة العربية الموحدة التي كانت تطالب بملاحقة

"في أجواء الحرب، كانت الإذاعات العربية في وادٍ والواقع على الأرض في وادٍ آخر"

الفدائيين. كانت الأمة العربية والنظام العربي بحاجةٍ إلى رافعة تنتشلهما من قاع الهزيمة، وكان العمل الفدائي أنبل تعبير عن ذلك. وأدّى ضعف الأنظمة العربية بعد الهزيمة، والتعاطف الشعبي مع المقاومة، إلى ضعفٍ في الضوابط الحكومية، فتمكّنت منظمات المقاومة من إقامة قواعد عسكرية لها في الدول المحيطة بالأراضي المحتلة، كما لقيت دعمًا لافتًا من الجمهور العربي والأنظمة الرسمية.

يسجل لنكسة حزيران 1967 أنّها كانت بدايةً لانطلاق مقاومة حقيقية، وأنّه من رحم الهزيمة ولدت مقاومة عربية رسمية وشعبية. على العكس تمامًا من حرب أكتوبر/ تشرين الأول 1973 التي نتجت عن الانتصار العربي الكبير فيها بداية للتراجع في المعسكر العربي والفلسطيني، وشكّل انتصار تشرين بوابةً للدخول في معترك تسويات سياسية زائفة، وهو ما يستدعي منّا وقفة تأمل أمام معايير النصر والهزيمة في مسارات الشعوب.


معين الطاهر

كاتب، وقيادي فلسطيني

من نفس المؤلف