هل يصح أن نقول: هذا أبيض من ذاك؟

، بقلم فاروق مواسي

يقولون لك: خطأ أن تقول هذه أسود من تلك، أو هذا أبيض من ذاك.

ويحظرون عليك أن تقول: هذه الوردة أحمر من الدم، وذاك القماش أصفر من ذاك.

(انظر مثلاً: زهدي، جار الله: الكتابة الصحيحة، ص 93)

ذلك لأن (أبيض" و "أسود" و "أحمر) تدل على لون، فيرى النحْويون أن التفضيل يُصاغ مما يدل على لون أو عيب أو حلية بواسطة فعل مساعد- "أشد" أو "أكثر" أو "أكبر" أو "أقل" ونحوها – وبعد ذلك يكون المصدر المنصوب على التمييز:

ذاك أشد سوادًا، ووجهه أشد اصفرارًا مما كان.

(انظر مثلاً: الشرتوني- مبادئ العربية، ج4، المادة 119)

والسبب في دعواهم أن هذه الأشياء – الألوان والعاهات- مستقرة في الشخص ونحوه، ولا تكاد تتغير، فجرت مجرى الأعضاء الثابتة التي لا معنى للفعل فيها- كاليد والرجل، فلا نقول: زيد أيدَى من عمرو، ولا فلان أرجل (من رِجل).

أعود معكم إلى رأي الحريري في (دُرّة الغوّاص، ص 38- مادة 24) الذي يرفض استخدام أفعل التفضيل أو التعجب مباشرة مما هو عيب أو لون أو حلية، إذ يقول:

"ويقولون في التعجب من الألوان والعاهات "ما أبيض هذا الثوب"، و"ما أعور هذا الفرس"، كما يقولون في الترجيح بين اللونين والعورين: زيد أبيض من عمرو، وهذا أعور من ذاك - وكل ذلك لحْن مُجْمع عليه، وغلط مقطوع به، لأن العرب لم تبنِ فعل التعجب إلا من الفعل الثلاثي الذي خصته بذلك لخفته، والغالب على أفعال الألوان والعيوب التي يدركها العِيان أن تتجاوز الثلاثي نحو أبيض وأسود وأعور وأحول، ولهذا لم يجز أن يبنى منها فعل التعجب.

فمن أراد أن يتعجب من شيء منها بنى فعل التعجب من فعل ثلاثي يطابق مقصوده من المدح و الذم، ثم أتى بما يريد أن يتعجب منه- كقولك: ما أحسن بياض هذا الثوب، وما أقبح عوَر هذا الفرس.
وحكم أفعل الذي للتفضيل حكم فعل التعجب في ما يجوز فيه ويمتنع منه، فكما لا يقال: ما أبيض هذا الثوب، ولا ما أعور هذا الفرس، فإنه لا يجوز أن يقال "هذه أبيض من تلك".

حتى لو قلت "ما أسود فلانًا" أو "ما أبيض الطائر"، فإن ذلك لا يصح في رأي الحريري من وجه ، بينما في تغيير المعنى يصح.- انظر الملاحظة أدناه *

مع ذلك وجدنا من لا يمنع التفضيل (أفعل) مما هو لون أو عيب أو حلية، وذلك في أمثال العرب فيقولون: أسود من حلك الغراب، أبيض من اللبن، أحمق من هبنقة، و ثمة كثير مما يبدأ بـ "أحمق" ...

كما أن هناك أشعارًا تجيز التفضيل من (أبيض) مثلاً:

أما الملوكُ فأنت اليوم ألأمهم
لؤمًا وأبيضُهم سِربال طبّاخ

(ديوان طرَفة- قافية الخاء، ص 18)

وقال رُؤبة بن العَجّاج في أرجوزة له:

تقطع الحديث بالإيماض
أبيض من أخت بني إباض

ويقول رؤبة كذلك:

كأن فوق الخز والأنماط
أبيضَ منها لا من الرواطي

(الرواطي- رمال تنبت نباتًا صحراويًا هو الأرطَـى)

ويقول المتنبي:

اِبعَد بعِدتَ بياضًا لا بياض له
لأنت أسودُ في عيني من الظلم

قال الواحدي: وقد ذهب جميع الشرّاح إلى أن "أبيض" من الشاذ الذي أجازه الكوفيون- انظر: البرقوقي: شرح ديوان المتنبي، ج4، ص 151.

(للتوسع، ولبيان التحفظ من التقيد بالقاعدة التي ذكرتها كتب النحو وذكرها الحريري- انظر:
عباس حسن في النحو الوافي، ج3، ص 351، ص 398، وكذلك رأي الكوفيين الذي أقره مجمع اللغة العربية في القاهرة في " كتاب في أصول اللغة- سنة 1969، ص 121) .

هذا التفاضل مباشرة ليس من شواهد نادرة، بل هو وارد في لغتنا، ودارج كثيرًا على الألسنة بعد عصور الاحتجاج، وقد يكون لذلك ما يسوغه في عصرنا الذي يميز بين عدد كبير من مستويات اللون أو العاهة، وبالتالي فلا ثبات له.

وما ينطبق على التفاضل ينطبق على التعجب، فهل نُخطِّئ كل من تعجب وقال: ما أشقره! ما أخضر...! ما أسودها! وما أزرق عينيها؟!

رأيي:

أن يبقى لنا الخيار،

في أن نقول: هذا المَعْـشَب أخضر من ذاك، فما أخضره! فلا خطأ في ذلك.

(ترجمتي لديشة العبرية- والبعض يقول: المسطح الأخضر= lawn)،

ولنا أن نختار ما جرت عليه كتب النحو عادة:
هذا المعشَب أشد خضرةً، وما أحسن خضرته!

* يقول الحريري:

"وذكر شيخنا أبو القاسم الفضل بن محمد النحوي -رحمه الله- أنك إذا قلت ما أسود زيدًا، وما أسمر عمرًا، وما أصفر هذا الطائر، وما أبيض هذه الحمامة، وما أحمر هذا الفرس،
فسدت كل مسألة منها من وجه، وصحّت من وجه.

فتفسد جميعها إذا أردت بها التعجب من الألوان.

وتصح كلها إذا أردت بها التعجب من سؤدد زيد، ومن سمَر عمرو، ومن صفير الطائر، ومن كثرة بيض الحمامة، ومن حمر الفرس- وهو أن ينتن فوه من البشم".


فاروق مواسي

بروفيسور، أديب، وأكاديمي فلسطيني، دكتوراة في الأدب العربي

من نفس المؤلف