قراءة في رواية: للكاتب حسين ياسين

بعنوان «علي» رجل مستقيم رفيقة عثمان

تقع الرواية في ثلاث مئة وسبعة وأربعين صفحة، صمَّم غلافها الفنَّان التشكيلي الفلسطيني سليمان منصور. احداث الرواية مستوحاة من الواقع، لقصَّة حقيقيَّة حدثت في سنوات 1936-1939؛ ويمكن تصنيفها أدبيَّا تحت عنوان النص الأدبي للسيرة الغيريَّة، أي تأريخيَّة؛ احداثها حصلت بتلك الفترة؛ وأراد الروائي أن يلقي الضوء على شخصيَّة بطوليَّة، وإبرازها للقرَّاء؛ لأنَّ الكاتب وجد فيها نموذجًا أسطوريًّا يُحتذى به، من حيث التضحيات والمحاربة مع المظلومين لاستحقاق العدالة والمساواة والنصر؛ كما استشهد الكاتب حسين ياسين في نهاية الرواية، بانَّ شخصيَّة علي المناضل هي شخصيَّة حقيقيَّة لرجل فلسطيني وليست من وحي الخيال شخصيَّة علي لم تحظَ بالشهرة التي يستحقُّها. وجد الكاتب اهميَّة لتخليدها الشخصيَّة، وسرد الأحداث عنها.

تتمحور الرواية حول حياة "علي" وهو رجل فلسطيني الجنسيَّة، في زمن الانتداب البريطاني، كان شابَّا مشاكسًا مناهضًا للاحتلال، وثائرًا وطنيَّا، ممَّا استدعى الشرطة البريطانيَّة الى سجنه، ومن ثمَّ نفيه الى اسبانيا.

اختار علي ان يحارب الظلم، وتحقيق العدالة عن طريق انتسابه لجمعيّة الفكر القومي؛ في الحزب الشيوعي، حارب مع المحاربين، حتَّى قُتل ودُفن في اسبانيا مع المحاربين من دول مختلفة.

اتسم اسلوب الكاتب بالتشويق واستخدام اسلوب الكتابة الرجوع الى الوراء- فليش باك- Flesh back- للرواية، خاصَّةً في النصف الأوَّل من الرواية، عندما تحدَّث الكاتب عن السيرة الذَاتيَّة لبطل الرواية، وعن الاماكن التي أحبَّها من فلسطين، مع استرجاع ذكريات الطفولة الشقيَّة، ووصف الأماكن، والمواقع في وطنه بصورة بهيَّة؛ كما واسترجع الشخصيّات التي أحاطت به، وكانت لها تاثير على مشاعره.

هذا الأسلوب يعتبر أسلوبًا مميَّزًا في سرد الأحداث؛ واستخدم لغة فصحى ذات السهل الممتنع؛ تتناسب مع سرد الاحداث ووقعها في السياق؛ كما واستخدم عبارات باللهجة العميَّة أحيانًا ممَّا أضفت جمالا وتشويقًا، للإنسجام مع الأحداث المرويَّة، وفقًا للمُتحدِّثين وتنسجم مع شخصيَّات الروايية.

تبدو الرواية محبكة من ناحية القالب الفني، من تسلسل الأحداث، وتحريك الشخصيَّات المحوريَّة، والتركيز على شخصيَّة البطل "علي"، مما زاد التشويق للرواية، استعمال الوصف الجميل، والمحسِّنات البديعيَّة؛ وتوظيف الاماكن الجغرافيَّة الفلسطينيَّة، ومواقعها بصورة دقيقة ومتقنة؛ إلا انني ارى المبالغة في ذكر الأماكن بكثرة وزجَّها بكثافة داخل النص.

استخدم الروائي ضمير "الأنا"، حيث سرد الروائي أحداث الرواية على لسان بطل الرواية، مما أضفى مصداقيَّة وتشويقًا، للاستمتاع بالقراءة؛ إلا أن شخصيَّة الراوي اختفت أي شخصيَّة البطل علي، بعد استشهاده بالحرب، وانتدب عنه الراوي أحد المحاربين أصدقاء البطل صفحة 317- 318؛ إلا أن صوت الروائي ظهر وتدخَّل في نهاية الرواية، متحدّثًا بصوت الغائب، عن البطل "علي" صفحة 326- 347. اختار الروائي هذا الصوت؛ ليثبت للقارئ حول حقيقة وجود شخصيَّة علي البطل؛ شعاره " إنَّني متطوِّع عربي، جئت لادافع عن الحريَّة في مدريد.. وعن دمشق في وادي الحجارة.. وعن القدس في قرطبة.. وعن بغداد في طليطلة.. وعن القاهرة في قادس.. وعن تطوان في بورغوس.. جئنا الى هنا كي تحسّن شروط حياتنا. حياة جميع البشريَّة، لنحارب الفاشيَّة وننتصر عليها.".

يبدو أنَّ الروائي اجتهد ، وبحث وقرأ، واستقصى حول شخصيَّة علي، المكنَّى تحت اسم مستعار "ابراهيموف" في الأرشيف السوفياتي، وتحقَّق من وجوده بهذا الكون، كما تحقَّق من مكان ضريحه في مدينة البسيط في أسبانيا.

نجح الروائي حسين ياسين، في تقديم شخصيَّة بطوليَّة، كانت مطمورة في بطن التاريخ، ونفض الغبار عن مكنوناتها، لدرجة تجعل القارئ متماهيًا مع شخصيَّة البطل، وخلق حب الاستطلاع لدى القرَّاء للبحث عن هذه الشخصيَّة، وتكريمها بما تستحق بل أكثر.

السؤال الذي يطرح نفسه، ويظلّ محط تفكير قارئي الرواية، وخاصَّة العرب والفلسطينيين عاى حد التعبير؛ هل فعلا نرى الفلسطيني بشخصيَّة علي البطل، محاربًا ومضحيًّا لاجل تحرير العدالة المنشودة لفلسطين؛ وللأمة العربيَّة؟؟؟ خاصَّةً التضحية في اسبانيا، التي خرج منها العرب مهزومين (الموركسيون)، المسلمون الذين تمَّ مطاردتهم وتعذيبهم، وتنصّرهم، وملاحقتهم، وطردهم بعد سقوط الاندلس عام 1492، وتمَّت ملاحقتهم من محاكم التفتيش، وحكمهم دام قرابة الثماني مئة عامًا!!! ألا يوجد تضارب في هذا طرح في موقع البطولة؟