حسين رشيد في روشيرو (٢)

، بقلم هاتف بشبوش

بعد رؤيا الإسكافي للصور وحسرته على أخيه نرى حسين يسرد لنا حكاية من الواقع الفعلي لعراق اليوم والغد القريب فيكتب (تصاوير) بمعانيها الأخرى:

بوح يختصر لنا عهدين مورس فيهما الضّحك على ذقون العراقيين وكيف كانت صور الرئيس القائد المجرم أصبحت مزارا في اللّيل وفي النّهار.

ذلك الحال اليوم مع حكم العمائم حين ذاق ذرعا أحدهم من القمامة التي بجانب دكانه حيث يرمي جميع من في الحيّ مزابله فراح بدهاء عظيم يضع صورا لأحد السادة القديسين في منتصف القمامة حتّى جاءت البلدية وعملت منها مزارا رائجا مما أدّى إلى ازدهار صاحب الدكان في رزقه وضحكه على النّاس بحجّة صورة السيد وبركاته. وهل أنّ السيد هذا كما زهرة اللوتس التي تزهر في الوحل والطين، حقّا لقد هزلت وبان هزالها، أتذكّر كنت جنديا حقيرا في القادسية و في منتصف الليل جاء ضابط أمن الوحدة وهو يعرفني جيّدا وقتها من أنّني شيوعي من خلال إدارتي في قلم الأمن فأمرني في أمرٍ غريب وهو أن أحرس صورة الرئيس فقط ولماذا أحرسها وممّن يخاف عليها، من الريح مثلا ونحن في صحراء الربّ في ثكنة عسكرية لا تدخلها غير الكلاب السائبة،ليس لشيء وإنّما أراد استفزازي وإخافتي.

صدام حسين انتهى مفعوله وستنتهي مفعولية الحكومة الثيوقراطية الدينية في عراق التخلف ولا تنفعها أقوى مقوّمات العقاقير العشائرية والعرفية والدينية لأنّ الأكسباير سيفقد صلاحيته ويتوجّب رميه لأنّه لا ينفع لأيّ ذكورةٍ قوّادةٍ في ماخور أو عمائميةٍ في صومعةٍ أو جامع. هذه المفعولية كتب عنها القاصّ حسين في (أكسباير) لتندرج ضمن البوح الآيروتيكي للمجموعة:

هنا الحديث عن عقار المناطحة الجنسية (الفياغرا) وهذا الدواء الفحولي دخل مع الاحتلال فكانت ثقافة العراقي تنحصر في عمره الجنسي ومتى ما شعر بالخمود ترك الأمور على غاربها دون أن يعرف أنّ هناك من المنشطات تستطيع دفع الدم في عضوه حتّى ينتصب مثل السيف. موضوعة تتعلّق أيضا بين الفناء والبقاء حيث يتّخذ القاصّ حكاية رجل يتناول قرص فياغرا لغرض تحريك ما تحت سرواله، فبدلاً من أن يقضي اللّيل مضاجعة وانتشاءً مع زوجه راح يقضيه منتظراً إنتعاضه ساعة بعد ساعة مع كلّ حبةٍ يتناولها، لكنّها لا تنفع في تحريك الميت منذ زمنٍ وزمن، فلا يصلح العقار والدواء ما أتعبهُ العمر.

مادام القاص حسين يعيش في زمن الاحتلال فلا يستطيع أن يخرج من هذه الدوامة الكارهة للمحتلّ الأجنبي والمحلّي الذي غيّر طوبوغرافية الثقافة العراقية السومرية والمدنية العاشقة للخمر بدلاً من ماء الورد الرذاذي في أيام عاشوراء والزيارات المكوكية لطوابير النّاس التي يراها القاصّ حسين على مدار السّاعة في كلّ مناسبةٍ وأخرى فكتب لنا قصّة (أدغار):

الفنتازية المخيالية للقاصّ حسين تجعل منه أن يرى (أدغار ألن بو) السكير والشاعر الأمريكي الشهير شاخصاً يلعن الأمريكان في شوارع العراق شاتما غاضبا على احتلالهم. حسين لا يصدّق نفسه لكنّه في لحظة ما يسحب كتابا من درج دولابه كاد أن يسقط من يده فيتفاجأ حين يراه كتابا لأدغار ألن بو من إهداء الصديق كريم غريب إلى حسين رشيد.

أدغار ألن بو.. كان يُطرد من الحانة يوميا بركلة من النادل ترميه خارج البار لعدم دفعه تكاليف ما يعبّه في جوفه من خمر، فهل يُطرَد أو يُلعن الأمريكي بركلة من شيخ الجامع في العراق لعدم دفعه تكاليف الاحتلال والدّمار. فلماذا نحن نتكفّل كلّ هذا الألم أمام احتلال، طلبتْ منه زمرة معيّنة أن يحتلّ بلدنا فحصل هذا الدّمار الهائل، وأعتقدُ لدينا آلافا من أمثال أدغار سكيرون يطالبون برحيل هذا الاحتلال. أنا شخصيا مشكلتي ليست فقط مع حكام أمريكا بل مع الشعب الأمريكي لأنّه هو المسؤول الأول والأخير على انتخاب حكومات قاتلة على مرّ هذه العصور.

الشعب الأمريكي واعيا ومتعلما حين ينتخب حكومات قاتلة وعنيفة أمّا شعبنا العراقي بسيط للغاية فينتخب حكّامًا جهلة ورجعيّين لكنّهم ذوي خبرة في اللّصوصية والقتل. الشّعب الأمريكي متغطرس ومصاب بمرض الغرور والهيمنة، يفرح ويهزج للحروب كما في رواية الجميل علي بدر (الركض وراء الذئاب) والذي أوضح لنا مدى سعادة هذا الشّعب وزيادة متوسّط دخله في أوقات الحروب وقتل البشر. وأمّا الشّعب العراقي فجرتْ عليه أعظم حملة إستغباء من قبل لصوص السياسة بحجّة الرّجاء ودعاء كميل وما شابه مثلما نقرأ في رائعة (ربي):

كل مصائبنا من الإله الحقيقي أو الافتراضي لأنه عونٌ للسياسيّين وسفلة هذا الكون ناهبي قوتنا وثرواتنا. حيث بعد أن يُنتخب يقول هذا من فضل ربي وليس من فضل ممّن انتخبوه وأوصلوه في غفلة من الزّمن (لا تركنن إلى الزّمان فربما خدَعت مخيلتهُ الفؤادَ الغافلا / فالدهر كالدولاب يخفضُ عاليا من غير قصدٍ ويرفعُ سافلا... محمود سامي البارودي).

بعد أن يصل البرلماني إلى مبتغاه في التجارة والربح نراه يقضيها بين الجوامع والحسينيات ناسياً ما يترتّب عليه (إذا أردنا أن نفهم الإسلام يجب أن نفهمه على أنّ النبي محمد كان تاجرا، أبو بكر كان تاجرا، عمر ثمّ عثمان تجّارٌ كبار، ومن هذا المنطلق علينا أن نفهم بما يدور.....أدونيس). هذه هي الحياة في بلدان التخلف والسّجون العبثية بلا طائل والتي يدخلها من كان معتزاً بشاعريته وكرامته وحياته المألوفة البعيدة عن مغرياتها كما في القريحة التالية للقاص حسين (إليه):

مجموعة بريئة من الشعراء يدخلون السجن البعثي يقول لهم المحقق مستغرباً: لماذا لا تصلّون مثلما الآخرين، فيقولون: نحن لا نصلّي، فيقول الجلواز فلماذا أنتم هنا إذن: فيُطلق سراحهم وفي قاعة الإنتظار للرحيل، أحد السجناء ينسى فيقوم يصلي فرضاً قربة إلى الله لأنه أنقذهم من الموت ولكنه سرعان ما يَلمح الجلواز ينظر إليه فيترك الصلاة. فهنا إشارة إلى عدم الخوف من الله بل الخوف من البشر والجلاد أو أنّ الصّلاة هي صرخة الضّعيف كما قالها ماركس. وهنا مع هذا السّجين رغم عدم إيمانه لكنّه شكرَ الربّ في لحظة ضعفٍ معتقدا من أنّ الربّ هو من أخرجه من السّجن. شعوب خائفة على الدوام فكيف نريد لها أن تنهض إذا كانت بهذا المستوى المتدنّي العجيب غريب. ثمّ يستمرّ حسين مع الحرب والقتل والدّمار في ثلاث قصص (شنكالي..مقطع..رصاصة):

حيث يقوم أحدهم بجمع الخوذ في الحرب الأولى ثمّ البساطيل في الثانية والثالثة جمع أشلاء أصدقاءه حتى قال لأمّه بفنية وتقنية بارعة وإنزياحية مؤلمة من قبل القاص حسين: أنّ الوطن يسرقنا يا أمّي. أمّهُ التي تموت حرقةً وحزناً حين ظنت أنّ الجنازة القادمة في الحرب العراقية الإيرانية لإبنها. ما أقساك أيّها الوطن الثّقيل على قلوب أمّهاتنا.

ثمّ في قصّة (رصاصة) وكيف كان القناصّ يقضي عليهم واحدا تلو الآخر وهو يريد أن ينقذ أصدقاءه وفاءا وحبّا بهم وشجاعة لكنّه هو الآخر تنحشر في لحمه طلقة الربّ. نعم طلقة الأديان التي تتقاتل على موروثية السلطة بين علي وعمر. فلا غبار أن يكون القتل بدم بارد كما في فلم (إطلاقة الربّ) للمثل الشهير (لي فان كليف) في ستينات القرن المنصرم وكيف تتخذ الكنيسة كذريعة في تطبيق العدالة فيتمّ القصاص قتلاً بقتل في دوامةٍ لا تنتهي من الدمّ والعنف والرّصاص.

ويستمرّ سرد المجموعة عن خراب الوطن في رائعة حسين أدناه (جسد...خيط) وهي من ضمن قصص ثلاثية الشّكل السردي، الجديد في القصّة القصيرة جدّا والذي يعد محاولة تجريب جريئة بهذا الجنس القصصي وأشكاله المثلثة:

جثة مقطوعة الرّأس لكنها منتفخة فينقلوها إلى المشفى وكانت قد خيطت من البطن.. يفتحوها فيجدوا الرأس داخل البطن الذي تسبب في انتفاخها، فأي حقدٍ وانتقام لدى هذا المسلم الذي ارتكب هذه الجريمة. ويأتيك أحدهم ويقول هذا ليس مسلما بل متطرفاً خارج عن الدّين ويزيد علينا ويقول بل كافرا لا يعرف الله. بينما الكافر هو أرقى سموا وأخلاقا كما في الفيلم البديع (الميل الأخضر) The Green Mile للروائي (ستيفن كينج) ومن إنتاج 1999 وإخراج (فرانك داريونت) حيث نرى أعظم محاورة في تأريخ السينما العالمية بين (توم هانكس) والسجين الأسود والهائل في الضخامة (ميكائيل كلارك دنكان) الذي أراد الإنتحار بطريقة أخرى فيطلب من مأمور السجن (توم هانكس) أن ينهي حياته بإعدامه بالكرسي الكهربائي فيجيبه توم هانكس (في يوم محاسبتي عندما اقف أمام الله ويسألني لماذا قتلت واحدا من عبادي الصالحين وقتها ماذا سأقول، هذا عملي.. إنّه عملي... يجيبه (ميكائيل كلارك) ستقول عطفاً منك ففعلتها، وأعرفُ أنك قلق، لكنني متعب يا سيدي، متعب من كوني وحيدا مثل عصفور في المطر، تعبت من وحشتي بلا رفيق ولا صديق، في الغالب تعبت من البشر، كونهم قبيحون مع بعضهم، تعبت من كل الآلام التي أشعر بها، إنّها كل يوم في هذا العالم، إنّها مثل قطع الزّجاج في رأسي طوال الوقت....هل تفهمني).

هذه هي حياة الكفرة والملحدين في ساعات الضيق، لهي أرقى بكثير من مجرمي البعث والعِمامة وزيف الأديان، حيث يُعدم سجناؤنا في تلك الأيام السوداء بالجملة ويؤخذ ثمن الطلقة من جيب أهاليهم (وهل تتوقّع من ذئبٍ أن يدفن فريسته)، أمّا في حرب القادسية فالعراقي كان كما الأرنب يُقتل غير مأسوفٍ عليه كما في قصّة (أربعة):

يُتبــع فــي الجزء الثالث


هاتف بشبوش

شاعر عراقي

من نفس المؤلف