رُؤى ثقافيّة«٣١٢»

في مجلس ابن جِنِّي: ٧ (مُخُّ البعوض!)

، بقلم عبد الله بن أحمد الفيفي

رأينا في مقالنا السابق أن (مهندس التفسير المعاصر) أتحفنا بتفسير «القرآن الكريم» ببعض الاصطلاحات الدارجة الحديثة، كلجوئه لتفسير «القلم» في كتاب الله إلى عبارة «قلم المرور» في (سوريَّة)! وعندئذٍ تساءل (أبو الفتح ابن جِنِّي)، ضاحكًا:

- أإلى هذا الحدِّ بلغ به التخبُّط والتماس ما يؤيِّد تصوُّراته، وبلغت بكم البلادة أنتم ليؤلِّف لكم مثل هذا تفسيرًا لكتابكم الكريم؟! أمَّا استعمال تعبيرٍ مثل «قلم المرور» فمن قبيل المجاز المرسل؛ لأن القلم وسيلة تسجيل المعلومات وتقييدها وضبطها، وذلك كقولنا «صولجان الحاكم»، وقد يكون له صولجان حقيقي أو لا يكون، لكنها لمَّا كانت العصا أو الصولجان وسيلة توجيه قطعان الشعوب في المجتمعات التقليديَّة أصبحت تعبيرًا عن الضبط والحزم والأمر والنهي، أو قولنا: «لفلان عليَّ يدٌ بيضاء»، أي نعمة وإحسان.

- والأغرب من ذلك تفسيره «كرسي الرحمن» بالكرَّاس الذي تحفظ فيه المعلومات!

- كان الترادف اللفظي الذي زعم منه الفرار أرحم، إذن، من تهوكاته هذه في المترادفات الدلاليَّة، بل إسقاط معاني بعض الكلمات على بعض!

- هو يزعم أن الترادف لغة الشعراء.

- كلَّا، الترادف في اللغة كلِّها، والمجاز في اللغة كلِّها. وإذا كانا يتكاثفان في لغة الشعراء، فلا ينفي ذلك قيامهما في لغة الناس بصفةٍ عامَّة. والعلاقة تبادليَّةٌ بين لغة الشِّعر واللغة الاعتياديَّة في الأمم كافَّة. ولغة العرب اليوميَّة مليئة بالشِّعريَّة، بشتَّى بلاغيَّات الشِّعريَّة. وما جاء القرآن إلَّا بلسان العرب لا بلسانٍ آخَر.

- وكما استشهد بـ«قلم المرور»، في الاستعمال السوري، لتفسير «القلم» في القرآن، يستدلُّ بـ«الشهر العقاري»، في الاستعمال المِصْري، لتفسير الآية ﴿لَيْلَةُ القَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْر﴾، فيقول إن «الشهر» هنا بمعنى «الإشهار»!

- لله درُّه من عبقري! ما احتجَّ أحدٌ بالاستعمال العامِّي على لغة القرآن قبل صاحبكم الجهبذ! «...خَلا لَكِ الجَوُّ فَبِيضي واصفِري»!

- بالفعل، هو يبيض ويصفر بلا حَرَج؛ ولذا صارت عبارة مثل «يتامَى النساء» تعني لديه «اليتامَى بتوع النساء»، حسب تعبيره، لا «النساء اليتيمات»، ذاهبًا إلى أن المعنى: «اليتامَى أبناء النساء»!

- لا حول ولا قوة إلَّا بالله، ربَّنا لا تؤاخذنا بما فعل المفسِّرون منا! وهل هناك مَن ليس من أبناء النساء، سواء أكان من اليتامى أم من غير اليتامى؟! مثل هذا المفسِّر كان يجب أن تحجروا عليه ثقافيَّا؛ كما يُحجَر على مرضى الأوبئة. الآية هي: ﴿ويَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ، قُلِ: اللَّـهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ، ومَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فِي الكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ، اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ، وتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ، والمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الوِلْدَانِ، وأَن تَقُومُوا لِلْيَتَامَىٰ بِالقِسْطِ، ومَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّـهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا﴾. (سورة النساء، الآية 127). فالسؤال عن موضوع «النساء»: «يَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ». فكيف يستفتون في النساء، فيُجابون عن «اليتامَى»؟! وإنما معنى «يتامَى النساء»: «اليتامَى من النساء»، كما نقول: «مهندسو المفسرين».

- لدَى الرجل عقدةٌ في مسألة النساء عمومًا، حتى إنه يدَّعي أن سورة النساء لا تعني سورة النساء، جمع امرأة، بل سورة المنسوءات جمع نسيئة.

- ولعله يظن أن أسماء السُّوَر نزل بها القرآن أيضًا؟!

- هو يظن أشياء كثيرة لا ضابط لها.

- حسبك! الرجل لا علاقة له بالعربيَّة، لا لفظًا ولا تركيبًا ولا بلاغة، وما راجت بضاعة مثل هذا فيكم إلَّا وسوقكم العِلْميَّة كاسدة. وهو، إلى هذا، غير جادٍّ البتَّة، بل يبحث عن «الشهر العقاري»، الخاص به هو، وبضاعته هي المتاجرة بالتفسير، ككثيرٍ من معاصريكم، كما يبدو!
- لا، يا مولانا، هو رجل مؤمن وطيِّب!

- إيمانه له، وطيبته لنفسه، لكن ما أسمع هراء في هراء! والله، إنه لا يفسِّر القرآن على أساس لغة العرب، التي أُنزِل بها على محمَّد بن عبدالله، بل على أساس عاميَّته المعاصرة لكم، وأهوائه المنفلتة، أو الليبراليَّة، كما تسمونها!

- لذلك هو يضرب عرض الحائط بكل حديثٍ أو أثرٍ أو تفسيرٍ يتعارض مع مذهبه. مستشهدًا بمقولة «القرآن يفسِّر بعضه بعضًا، فإذا أعياك، فعليك بالسُّنة»، وهو يقول إنه لمَّا يُعْيِه بعد، ولذلك لا حاجة له إلى غير القرآن.

- ما شاء الله! هو لم يفهم، ولم يصدُق. لم يفهم معنى الإعياء، في مقولة «القرآن يفسِّر بعضه بعضًا، فإذا أعياك، فعليك بالسُّنة». فإذا كان سيفسِّر القرآن كيفما اتفق، فبالطبع لن يَعْيَى من الهذيان إلى يوم القيامة! لأن لتفسير النصوص ضوابط ومعايير، وهو يريد أن يتجرَّد منها. وما هكذا التفسير. ولم يصدُق؛ لأنه يعلم أنه لو لجأ إلى السُّنَّة، لأحرجته؛ ولانكسف نجمه العقاري، وانكسر قلمه المروري!

- ومن فهمه الغريب أيضًا قوله في الآية ﴿وإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا، فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِن مِثْلِهِ، وادْعُوا شُهَدَاءَكُم مِن دُونِ اللَّـهِ، إِنْ كُنتُمْ صَادِقِين﴾: إن الضمير في «مِن مثله» لا يعود على القرآن بل على محمَّد، أي فليأتوا بسورة من واحدٍ منهم مثل محمَّد!

- هذا، ورب الكعبة، العبث الأصلع! صاحبك لديه إشكالٌ في تذوُّوق كلام العرب وإسهالٌ في التأويل، مع الاستخفاف بالقرآن، وقبل ذلك الاستخفاف بعقولكم، هذا إن كان هو يعقل ما يقول.
- من حيث اللغة، هو لا يستعمل الفصحى إلَّا في كتبه، وجميع محاضراته بالعاميَّة الشاميَّة، المغرقة في حاراتها. حتى القرآن يتلوه مكسَّرًا، مخلَّط الصرف والإعراب.

- واضح جِدًّا، وكلُّ إناء بما فيه ينضح! ولا تستقيم هذه التراكيب السخيفة التي يفترضها ويتشدَّق بها إلَّا في ذهنٍ سقيمٍ لغويًّا. إنَّما الضمير في الآية يعود على محور الجملة، وهو «ما نزلنا»، والمعنى من نصٍّ مثل القرآن، أو من كلام مثله. فهذا التحدِّي للعرب، أهل الفصاحة والبلاغة والبيان. فإذا لم يكن ثمَّة مثل القرآن، فكيف يؤتَى بسورةٍ من مثله أصلًا؟! هذا إمعانٌ في التحدِّي ناسب مخاطبة «مَن كانوا في رَيبٍ من التنزيل». والرَّيب ليس الشكَّ فحسب، بل هو الشكُّ مع التهمة. لتقول الآية: إنه لا «مثل للقرآن»، ومن باب أولى أن لا يكون «من مثله» من شيء. وهذا كقوله تعالى: «ليس كمثله شيء»، ولم يقل «ليس مثله شيء». إمعانًا في إبعاد التصوُّر عن احتمال المثيل لله تعالى، ليقرِّر في الأذهان، أوَّلًا، أنْ ليس مثله شيء أصلًا، لكن لو طُرح افتراض المثيل، جدَلًا، فليس مثل مثله شيء أيضًا. هذا ما لا قِبَل لمفسر «الشهر العقاري» و«قلم المرور» بمثله! وإذا كان صاحبك يحترم عِلْم الهندسة وعِلْم الرياضيات، ويعتزّ بتمكُّنه فيهما، فكان عليه أن يحترم اللغة كذلك، وأن يعلم أنها عِلْمٌ أدقُّ من هندسته، وأن بلاغة القرآن ليست سِلعة العوامِّ، ومَن لا يحترمون العِلْم والتخصُّص فيتسوَّرون محاريب العلوم والفنون بلا معرفةٍ ولا عِلْم ولا رويَّة. ثمَّ أليس ينادي بتفسير القرآن بالقرآن؟ ها هو ذا قد خرق قاعدته! فلا بالقرآن يفسِّر ولا بالسنة، بل بهواه وخواطره غير المؤهلة لغويًّا للتفسير على الإطلاق. وإلَّا لاهتدَى بالآيات الأخرى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ؟ قُلْ: فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ، وادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُم مِن دُونِ اللَّـهِ، إِنْ كُنتُمْ صَادِقِين.﴾ ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ؟ قُلْ: فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ، وادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُم مِن دُونِ اللَّـهِ، إِنْ كُنتُمْ صَادِقِين.﴾ ﴿قُل: لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ والجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَـٰذَا القُرْآنِ، لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ، ولَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا.﴾
- الحق أنه لم يَعُد القرآن مُبينًا، حسب هذا التفسير المتكلَّف، ولا ميسَّرًا للذِّكر، ولا بلسان قوم الرسول، ولا صادقًا في ما أكده من ذلك كلِّه. والسبب أن الرجل أراد أن «يلبلر» الإسلام من خلال القرآن.

- أهو تكلُّفٌ في نطاق المعقول؟ لقد تكلَّف لكم «مُخَّ البعوض» من التأويلات، لا نُجْحٌ ولا عُذْر(1)، وحمَّل اللغة ما لا تحتمل، ظاهرًا ولا باطنًا.
[للحِوار بقية].

(1) إشارة إلى قول الشاعر (عمرو بن أحمر الباهلي):

كَلَّفتَني مُخَّ البَعوضِ فَقَد
أَقصَرتُ لا نُجْحٌ وَلا عُذْرُ

مَثَلٌ يضربه العرب لطلب المستحيل. وهو أبلغ من التعبير بالإتيان بـ«لبن العصفور» في الدارجة المعاصرة.


عبد الله بن أحمد الفيفي

الدكتور عبد الله: كاتب سعودي

من نفس المؤلف