لمن لايعرف البطل

اللواء مهندس باقي ذكي يوسف

، بقلم إبراهيم خليل إبراهيم

تقابلت مع البطل اللواء باقي ذكي يوسف مرات كثيرة لأنني قررت أن أكتب عن بطولاته في كتاب ليظل على مدى التاريخ مابقيت الحياة حافظا ومخلدا لفكرته العبقرية.

لمن لايعلم وللتاريخ نقول أنه في شهر مايو عام 1969 صدرت الأوامر بالتدريب على عبور قناة السويس واقتحام الساتر الترابي الذي أقامته إسرائيل على طول خط القناة بزاوية 80 درجة وطول 20 متر بعمق 12 متر أي طول ثلاثة أدوار وارتفاع أربعة أدوار وفي نهاية شهر أكتوبر عام 1969 جمع قائد الفرقة 19 مشاة الميكانيكية القادة وأبلغهم بالمهمة وعن المشكلات التي ستقابل أبطال القوات المسلحة أثناء عملية عبور قناة السويس واقتحام خط بارليف وكانت أهم مشكلة هى كيفية فتح ثغرات في الساتر الترابي.

إزالة الساتر الترابى الذى أقامته إسرائيل على الشاطىء الشرقى للقناة هو المستحيل بعينه.. هكذا صرح الإسرائيليون لوكالات الأنباء العالمية مدعين بأنه لايمكن إزالة هذا الساتر إلا بالقنابل الذرية.

في اجتماع القادة الأبطال تم عرض طبيعة الساتر الترابي والتجهيزات القتالية الموجودة والطرق التقليدية لاختراقه وفتح ثغرات فيه بالمفرقعات بمادة توربيد البنجلور وقنابل الطائرات والصواريخ والنيران وكانت كل نتائج التجارب تقول: أن أقل زمن لفتح الثغرة من 12 إلى 14 ساعة وبنسبة خسائر تصل إلى 20 ٪ في الصفوف الأولى.

الموضوع لم يكن من مهام البطل المهندس باقي ذكي يوسف لأنه ضابط مركبات ومهمته القيام بتصليح العربات ولكن أثناء جلوسه وحضوره الشرح مع القادة بدأ يفكر في التجارب والنتائج الصعبة وهذا ما حرك بداخله ضرورة البحث عن البديل وبدأ يفكر رغم أن الموضوع لا يخصه ورفع يده طالبًا الحديث فقال البطل اللواء أركان حرب سعد زغلول عبد الكريم قائد العمليات: مالك ياباقي.. أنت هتتكلم في الآخر عن المركبات.. فقال البطل باقي ذكي يوسف: أنا ها أتكلم عن فتح الثغرة .. فقال البطل اللواء طلعت مُسلم: خلينا نسمع المقدم باقي هيقول لنا إيه.

قال البطل المهندس المقدم: أنا سمعت كل حاجة عن الساتر لكن إحنا نجيب طلمبات ماصة كابسة وتوضع على زوارق خفيفة وتسحب المياه من القناة وتعيد ضخها على الساتر الترابي في أماكن الجسور ولدينا ميل 80 درجة وسوف يساعدنا هذا الميل على إنجاز المهمة لفتح الثغرات فور تحرك الرمال التي ستنزل إلى قناة السويس ومع استمرار ضخ المياه سيتم فتح الثغرات بعمق الساتر.

عندما قال البطل المهندس المقدم باقي ذكي يوسف هذا الكلام وجد قيادة الفرقة في إنصات شديد.. ثم قال البطل المهندس المقدم باقي ذكي يوسف: الكلام ده عملناه في السد العالي بالتجريف.

اقتنع قائد الفرقة بالفكرة وأنها قابلة للدراسة وبعد المناقشة والاستماع لرؤساء التخصصات تحدث قائد الفرقة اللواء سعد زغلول عبد الكريم إلى قائد الجيش اللواء طلعت حسن علي وقال له: إحنا لسه هندرس الموضوع وفيه عندي ضابط قال فكرة ويهمني إنك تسمعه فرد عليه وقال له : هاته الصبح وتعالى.

ذهب البطل المهندس المقدم باقي ذكي يوسف مع قائد الفرقة إلى قيادة الجيش وعندما دخلا على اللواء طلعت حسن قال له البطل المهندس المقدم باقي ذكي يوسف: هاتكلم في فتح الثغرة.. وهنا تم استدعاء اللواء طلعت نجيب رئيس فرع المهندسين وعندما حضر قال له البطل المهندس المقدم باقي ذكي يوسف وقال: القوات لا يصح أن تنتظر من 12 إلى 14 ساعة والتجارب التقليدية تقول إن الخسائر تبلغ 20 ٪ في الصفوف الأولى والفكرة تعتمد على تقليل الخسائر بوجود طلمبات ماصة كابسة مثبتة على زوارق خفيفة والزمن المتوقع لفتح الثغرات هو 4 ساعات.. فسأله قائد الجيش عدة أسئلة وبعدها تحدث إلى البطل اللواء ممدوح جاد رئيس هيئة العمليات وأخبره بالفكرة فسأله: من هو الضابط صاحب هذه الفكرة؟ فقال له: مهندس مقدم من الفرقة 19 اسمه باقي ذكي يوسف.. فقال البطل اللواء ممدوح جاد: ابننا ده مابيهزرش.. خليه ييجي لي على طول.

ذهب البطل المهندس المقدم باقي ذكي يوسف لشرح الفكرة أمام نائب رئيس العمليات بالقوات المسلحة والذي استمع إلى الفكرة وبعد أن انتهى البطل باقي ذكي يوسف من كلامه ضرب بيديه فرحًا حتى وقعت بلورة زجاجية على الأرض وقال للبطل باقي ذكي يوسف في انفعال: يابني ما تجيش إلا كده.

تم عمل مذكرة بفكرة البطل المهندس المقدم باقي ذكي يوسف في إزالة الساتر الترابي وأرسلت إلى البطل اللواء دمال محمد علي مدير سلاح المهندسين وبعدها ذهب البطل المقدم باقي ذكي يوسف إلى وزارة السد العالي ليأخذ كل ما بتعلق بالتجريف وكتب تقريرًا في صفحتين ونصف وعرضه على قائد العلميات فطلب منه أن يختصره في صفحة واحدة ليعرض على الرئيس جمال عبد الناصر وعندما عرضت الفكرة على الرئيس جمال عبد الناصر اهتم بها وطلب التدريب عليها وصدرت الأوامر للبطل المقدم باقي ذكي يوسف بعدم الحديث في هذا الموضوع نهائيًا.

تواصل التدريب على الفكرة وتمت تجربتها بجزيرة البلاح عام 1972م حيث تم فتح ثغرة فى ساتر ترابى أقيم ليماثل الموجود على الضفة الشرقية لقناة السويس في 3 ساعات ونصف وبعد نجاح التجارب التى زادت على 300 تجربة تم إقرار الفكرة وفى سرية تامة تم تدبير المضخات الميكانيكية والتوربينية من إحدى الدول الأوروبية وتم خداعها بأن تلك المعدات لاستخدامها في إطفاء الحرائق وتم تدريب الأفراد والأطقم والمجموعات على أساليب التنفيذ ولم تكتشف مخابرات العدو حقيقة مايحدث.

تم التنفيذ الرائع للفكرة يوم 6 أكتوبر عام 1973 الموافق 10 رمضان 1393 هجريا بصورة أذهلت العالم وكان من نتائجها الفورية التى تحققت فى البدايات الأولى لأعمال العبور مايلى:

فتح أول ثغرة في الساعة 6 مساء يوم 3 أكتوبر 1973 وفي الساعة الثامنة ونصف ليلاً عبر أول لواء مدرع من معبر القرش شمال الإسماعيلية قبل موعد عبوره المخطط بساعتين وفي الساعة العاشرة مساء تم فتح 75 % من الممرات المستهدفة وعددها 60 ثغرة على طول امتداد الضفة الشرقية للقناة أي نزول 90 ألف متر مكعب من الرمال إلى القناة.

بقى أن تعرف عزيزي القارىء أن البطل باقى ذكى يوسف من مواليد 1931 وحصل على بكالوريوس الهندسة من جامعة عين شمس عام 1954 وفور تخرجه التحق بالقوات المسلحة ضابط مهندس فى سلاح المركبات وانتُدب للعمل بمشروع السد العالى فى شهر أبريل عام 1964 وعندما حدثت نكسة 5 يونيو عام 1967 واحتلت إسرائيل سيناء الحبيبة قررت القوات المسلحة إنهاء عمل كل الضباط المنتدبين فى المؤسسات الحكومية وعاد البطل باقي ذكي يوسف مرة أخرى للقوات المسلحة وتم تعيينه رئيسا لأحد تشكيلات المركبات الموجودة في غرب قناة السويس.

بعد نصر أكتوبر حصل البطل باقي ذكي يوسف على نوط الجمهورية من الطبقة الأولى وفي عام 1984 خرج البطل اللواء مهندس باقى زكى يوسف من القوات المسلحة برتبة لواء وعمل رئيسًا لشركة أتوبيسات شرق الدلتا ثم الصعيد.

توفى يوم السبت 23 يونيو 2018 البطل اللواء مهندس باقي ذكي يوسف وشيعت جنازته يوم الأحد 24 يونيو 2018 من كنيسة مارمرقس بمصر الجديدة بالقاهرة وحضر القداس الجنائزي لفيف من القيادات الرسمية والعسكرية ونواب وشخصيات عامة بالإضافة إلى أسرته ومحبيه وتلاميذه ووضعت أكاليل من الزهور بجوار جثمان البطل اللواء مهندس باقي ذكي يوسف أثناء قداس جنازته.

من نفس المؤلف